مودرن دبلوماسي| فيروس كورونا وتأثيره على مبادرة الحزام والطريق


٢٤ مارس ٢٠٢٠ - ٠٨:٥٥ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح

هزّ وباء فيروس كورونا العالم من عدة جوانب؛ حيث أسفر هذا الفيروس الذي ظهر لأول مرة في مدينة "ووهان" الصينية (مقاطعة هوبي) عن وفاة 12 ألف شخص حول العالم، أما البلدان الثلاثة الأكثر تضررًا من الفيروس حتى الآن فهي: إيطاليا والصين وإيران؛ فقد تُوفي 4825 شخصًا في إيطاليا، و3287 شخصًا في الصين، وما يزيد على 1500 شخص في إيران حتى يوم السبت الحادي والعشرين من مارس 2020.

وبالرغم من ورود تقارير تفيد بأن الحياة في الصين بدأت تعود تدريجيًّا لأوضاعها الطبيعية، غير أن الوضع العام لاقتصاد بكين يبدو سوداويًّا، على أقل تقدير، إذ تذكر بعض التوقعات أنه حتى بالرغم من الإجراءات التحفيزية القوية، وربما لن تتمكن الصين من تحقيق معدل نمو بنسبة 3 بالمائة هذا العام.

وقد يؤثر التباطؤ الاقتصادي الصيني على مبادرة "الحزام والطريق" الصينية الطموحة، وبينما تحاول بكين إرسال رسالة مفادها أن هذا المشروع لن يتأثر كثيرًا، إلا أن الحقائق على الأرض ربما تكون مختلفة، بفضل عدة عوامل:

واحد من أهم مكوّنات مبادرة الحزام والطريق وأكثرها جدلاً هو مشروع "الممر الاقتصادي بين الصين وباكستان" البالغ قيمته 62 مليار دولار، والذي غالبًا ما يتم الاستشهاد به للإشارة إلى "دبلوماسية مصيدة الديون" (يجادل محلّلون بأن هذه هي طريقة الصين لزيادة اعتماد الدول عليها، عبر تقديم قروض لمشاريع بنية تحتية ضخمة، تؤدي في النهاية لزيادة الديون).

ولا تقتصر الانتقادات الموجهة لهذا المشروع على الولايات المتحدة ومنظمات متعددة الأطراف مثل صندوق النقد الدولي، لكن هناك كثيرين في باكستان، من بينهم سياسيون، شككوا في مشروع "الممر الاقتصادي بين الصين وباكستان"، من ناحية شفافيته وتداعياته الاقتصادية بعيدة المدى. لكن حكومة حزب "حركة الإنصاف" بقيادة "عمران خان"، وحكومات حزب "الرابطة الإسلامية الباكستانية" السابقة أعطت هذا المشروع أهمية هائلة، وتحججت بأنه سيُحدث نقلة نوعية لتلك الدولة الواقعة في جنوب آسيا.

في أكثر من مناسبة، طمأنت بكين باكستان بأن مشروع الممر الاقتصادي بين البلدين سيمضي قدمًا كما هو مخطط له. وقال سفير الصين في باكستان "ياو جينغ": إن هذا المشروع لن يتضرر بسبب فيروس كورونا، فيما ذكر مسئولون كبار في حكومة عمران خان، من بينهم وزير السكك الحديدة "شيخ رشيد أحمد"، وحتى وزير الخارجية "شاه محمود قوريشي" في مقابلة مع صحيفة "غلوبال تايمز" أنه بالرغم من أن المشروع قد يتضرر على المدى القصير بفضل فيروس كورونا، لكن على المدى الطويل لن يكون هناك ضرر كبير.

غير أن هناك محللين في باكستان يعتقدون أنه من الخطأ الاعتقاد أن هذا المشروع لن يتضرر من فيروس كورونا، وذلك بالنظر إلى حقيقة أن عددًا كبيرًا من العمال الصينيين الذين تركوا باكستان من المرجّح ألا يعودوا. ومنذ فبراير 2020، توقعت تقارير عديدة بأن المشروع قد يتضرر كثيرًا. وبعيدًا عن هذا الشأن، من المرجح أن يؤثر الفيروس سلبًا على اقتصاد باكستان؛ حيث تتزايد أعداد المصابين بالفيروس (حتى الثاني والعشرين من مارس 2020، جرى تسجيل ستمائة إصابة وأربعة وفيات).

بالمثل، وفيما يتعلق بالدول الأخرى أيضًا، من المتوقع حدوث مشاكل كبيرة بسبب ما يحدث في الصين وحقيقة عدم قدرة العمال الصينيين على السفر. وبعيدًا عن حقيقة أن بكين من غير المرجح أن ترسل عمالها للعمل في مشاريع مبادرة الحزام والطريق، عقب تفشي فيروس كورونا، لن تكون هذه الدول أصلًا في وضع يسمح لها بالتركيز على مشاريع مرتبطة بمبادرة الحزام والطريق على الأقل لبعض الوقت.

بعض هذه المشاريع، التي بدأت تتباطأ أصلًا حتى قبل تفشي فيروس كورونا عالميًّا، كانت في إندونيسيا وبنغلاديش. في إندونيسيا مثلًا، تباطأ العمل في مشروع قطار سريع يربط بين جاكرتا وباندونغ (تُقدّر قيمته بـ 6 مليارات دولار) منذ بداية هذ العام. ومنذ بداية انتشار فيروس كورونا، مُنعت العمالة الصينية الماهرة من العودة إلى إندونيسيا، وأعلنت بنغلاديش أيضًا تأجيل بناء محطة "بايرا" التي تعمل بالفحم منذ فبراير 2020.  ومع تزايد أعداد ضحايا الفيروس في إندونيسيا ومناطق أخرى في آسيا وإفريقيا، ستكون الأولوية الأولى لتلك الدول هي منع انتشار الفيروس.

صحيح أن بكين ترغب في إرسال رسالة واضحة بأنها تحافظ على التزاماتها، لكن محاولتها تنفيذ أهدافها المعلنة سابقًا قد لا تكون مهمة سهلة. وحتى قبل تفشي كورونا، كانت هناك مشاكل متعلقة ببنود وشروط المشروع، وقد جرى إعادة التفاوض على عدد من المشاريع نتيجة لضغوط من السكان المحليين في هذه الدول.

وما استطاعت الصين تحقيقه بنجاح هو تقديم مساعدات للتعامل مع مرض "كوفيد19"، واستجابة لطلب المساعدة من الحكومة الإيطالية، أرسلت الصين مجموعة مكوّنة من 300 طبيب، فضلًا عن معدات اختبار فيروس كورونا وأجهزة تنفس إلى إيطاليا. تولى "جاك ما"، مؤسس شركة "علي بابا" وأحد أثرى الرجال في آسيا، دور الريادة في تقديم مساعدات للدول المحتاجة. وبعد إعلانه تقديم 500 ألف معدّة اختبار لفيروس كورونا ومليون قناع وجه للولايات المتحدة، تعهّد "جاك" بالتبرع بما يزيد على مليون معدة اختبار لفيروس كورونا إلى إفريقيا يوم الاثنين السابع عشر من مارس 2020 وفي الحادي والعشرين من مارس 2020، وذلك في تغريدة لهذا الملياردير الصيني، قال فيها إنه سيتبرع بإمدادات طوارئ لعدد من دول جنوب وجنوب شرق آسيا (أفغانستان وبنغلاديش وكمبوديا ولاوس والمالديف ومنغوليا وميانمار ونيابل وباكستان وسريلانكا). تشمل هذه الإمدادات 1.8 مليون قناع وجه و210 ألف مُعدة اختبار و36 ألف سترة واقية وأجهزة تنفس وأجهزة قياس درجات الحرارة.   
   
من المتوقع أن تركز الصين على مساعدة الدول الموقّعة على مبادرة "الحزام والطريق" لإرسال رسالة إيجابية مفادها أنها ليست مهتمة فقط بالمكاسب الاقتصادية.

لقد هزّ فيروس كورونا العالم بأكمله، وليس الصين فقط، والأولوية المباشرة لمعظم الدول الآن هي السيطرة على انتشار الوباء والتقليل من أعداد الإصابات. ومن المتوقع أن يؤثر الفيروس سلبيًّا على الدول المُعتمدة على الصين، لا سيما تلك التي انضمت لمبادرة "الحزام والطريق"، والأمر غير الواضح الآن هو مقدار تأثر المبادرة بالفيروس، وكيف سيكون ردّ الدول النامية التي وضعت رهانات كبيرة على المشاريع المرتبطة بمبادرة "الحزام والطريق".  


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق