ناشيونال إنترست| مساعدات واشنطن العسكرية لأوروبا الشرقية تقوّض السلام الدائم بأوروبا


٢٥ مارس ٢٠٢٠ - ٠٢:٠٨ م بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح

في وقت يرزح فيه العالم تحت وطأة وباء كورونا، وفي وقت باتت فيه قضية عزل الرئيس ترامب مجرد ذكرى بعيدة، غابت مسألة المساعدات الأمنية لأوكرانيا بشكل مفاجئ عن الخطاب الوطني.

لكن تسليح واشنطن لهذا البلد، وأوروبا الشرقية بصورة عامة، مستمر بوتيرة سريعة: في السنوات القليلة الماضية، نفذت الولايات المتحدة أو صادقت على تحويل معدات عسكرية متطورة إلى هذه المنطقة قيمتها عشرات مليارات الدولارات.

كل هذا تم عبر برنامج "المبيعات العسكرية الخارجية"، ومنذ عام 2018، وقّعت كل دولة تقريبا تقع بين ألمانيا وروسيا صفقات لشراء أنظمة عسكرية أمريكية رئيسية. وبعيدًا عن حزمة المساعدات العسكرية سيئة الصيت البالغة قيمتها 391 مليون دولار إلى أوكرانيا، وقّعت بولندا صفقات لشراء طائرات "إف35" الشبحية وأنظمة صواريخ باتريوت الدفاعية وأنظمة الراجمات الصاروخية سريعة الحركة "هيمارس" وصواريخ "جافلين" المضادة للدبابات. كما بدأت بلغاريا وسلوفاكيا عمليات شراء طائرات "إف16"، وبدأت جمهورية التشيك ولاتفيا وليتوانيا شراء طائرات مروحية من طراز "بلاك هوك"، أما رومانيا فقد اشترت راجمات سريعة الحركة "هيمارس" وأنظمة صواريخ بتاريوت إضافية. كما اشترت سلوفينيا وليتوانيا وجمهورية الجبل الأسود مركبات "هامفي" لاستبدال المركبات التكتيكية الخفيفة لديها.

تمثل هذه المبيعات مجتمعة أكبر عملية ضخّ للسلاح في المنطقة منذ نهاية الحرب الباردة، لكنها لم تثر إلا القليل من النقاش والتدقيق.

الحجة التي يعتمد عليها مؤيدو هذه السياسة هو أن هذه المبيعات ستعزز قدرات الحلفاء، ما سيردع العدوان الروسي في منطقة استراتيجية ومُتنازع عليها، وفي الوقت ذات ستقلل من التكاليف المباشرة التي يتكبدها الجيش الأمريكي. وتوضح وزارة الخارجية الأمريكية أن هذه المساعدات العسكرية تسمح للولايات المتحدة "بمواصلة الضغط على روسيا، التي تواصل تقويض النظام الدولي القائم على القواعد". لخّص عضو مجلس النواب "آدم شيف" هذه السياسة بصورة أكثر فجاجة، قائلًا إن الولايات المتحدة تقدم الأسلحة لشركائنا "حتى يمكننا محاربة روسيا هناك، ولا نضطر لمحاربتها هنا".

لكن لو كان الهدف هو الحفاظ على سلام مستقر في أوروبا، فإن أثر هذه المساعدات العسكرية هو أكثر مدعاة للشك.

على أبسط المستويات، فإن إغراق هذه المنطقة المتوترة أصلًا بالسلاح سيرفع إمكانية حدوث أزمة فيها. عندما ترى روسيا خصومها يحصلون على قدرات مهمة جديدة، سيدفعها هذا لزيادة استثماراتها الدفاعية، وهذا بدوره سيخلق المزيد من الضغوط على الولايات المتحدة وحلفائها لمواصلة حشودهم العسكرية. بمجرد أن تنطلق سباقات التسلح، يكون من الصعب إيقافها - وتشير الأدلة إلى أن مراكمة الأسلحة بشكل كبير يزيد من احتمالية استخدامها.

يمكن لصادرات السلاح أيضًا أن تقلل من قدرتنا على إدارة الوضع الجيوسياسي. إن العداء الحاصل بين شركائنا الأوروبيين الشرقيين، مهما كانت مبرراته، يعكس مصالح متميزة تتضارب غالبًا مع مصالح الولايات المتحدة (على سبيل المثال، النزاع الأخير بين بولندا وروسيا بشأن التدوين التاريخي للحرب العالمية الثانية). إن تعزيز واشنطن للقدرات العسكرية لهذه البلدان، سيدفعها لتحقيق أهداف إقليمية بصورة أكثر عدوانية، وسيجعلها تظن أن خطواتها هذه ستتلقى دعمًا متواصلًا من الولايات المتحدة. وفيما يتعلق تحديدًا بشريكتنا "أوكرانيا" غير العضوة في حلف الناتو، لن يكون بالأمر الحكيم تقديم هذه الالتزامات أو الوفاء بها. 
   
يشير باحثون أيضًا إلى أن تغيير ميزان القوى، يزيد من خطر اندلاع صراع.

لقد كانت هناك تحليلات كثيرة بشأن ما يُطلق عليه "فخ ثوسيديديس"- حيث تسعى قوة مهيمنة منحدرة لمنع صعود خصمها بالقوة - والعلاقات الأمريكية الصينية هي مثال على هذا. لكن هناك ظروف مماثلة توجد في أوروبا الشرقية. إن قوة روسيا لا تضاهي قوة حلف الناتو، لكنها تحتل موقعًا ذا أهمية استراتيجية على حدودها، وهي قوى عظمى نووية، وتمتلك جيشًا تقليديًا قويًّا، ولديها اقتصاد يفوق بكثير اقتصاديات معظم الدول المجاورة، وهي تتمتع بمجال نفوذ كبير في منطقتها. في الوقت ذاته، يتناقص عدد سكانها، ويفتقر اقتصادها الحجم أو الدينامية اللذين يساعدانها في تمويل حضور عسكري عالمي، مثل ذلك الذي تمتع به الاتحاد السوفيتي السابق.

وبالرغم من أن نفوذ روسيا في المنطقة سيبقى حقيقة على المديين القريب والمتوسط، غير أن الفجوة بين القوة الروسية وقوة جيرانها تتضاءل. إجمالاً، فإن المشتريات الكبيرة للسلاح (مثل حصول بولندا على مقاتلات من الجيل الخامس) والمشتريات الأصغر حجمًا (مثل شراء دول البلطيق لطائرات "بلاك هوك" المروحية) تقوّض من تفوّق روسيا الاستراتيجي بصورة أسرع من المتوقع. هذا بالطبع هو هدف المساعدات العسكرية الأمريكية، ويجادل داعمو هذه المساعدات بأنها تردع العدوان الروسي وتقلل من احتمال اندلاع صراع. لكن لو خلصت موسكو إلى أنها لن تستطيع عكس مسار هذا الانحدار النسبي لقوتها، بينما يشير جيرانها إلى استعدادهم للقتال، فسيكون من المغري لها تصعيد أنشطتها الحركية، بينما يظل تفوقها العسكري التقليدي على أوسع نطاق ممكن.      
 
ينبغي تذكُّر أن هذا النوع من التفكير، كان عاملًا مهمًا في الفترة المؤدية للحرب العالمية الأولى: عندما شعر المخططون الاستراتيجيون الألمان أن قوة روسيا تتزايد مع مرور كل عام على حساب القوة الألمانية، دعوا لإطلاق حرب هجومية بينما تمتلك ألمانيا اليد العليا.

إن بقاء التفوق الأمريكي من دون منافسة لعشرات السنين، جعل الولايات المتحدة غير مستعدة لمواجهة التعقيدات والرهانات الخطيرة الناتجة عن سياسات القوى العظمى. ونظرًا لأهمية إدارة علاقاتنا مع روسيا، والمهارة المطلوبة للقيام بذلك، فإن تقديم مساعدات عسكرية هائلة ربما لا يكون قرارًا سياسيًّا مفيدًا. عوضًا عن هذا، ينبغي لنا التركيز على اللعبة الطويلة والعمل على تحقيق تسوية مؤقتة. هذا لا يعني التخلي عن حلفائنا، لكنه لا يعني أيضًا تحرير شيك على بياض.

ينبغي أن تتخلى الولايات المتحدة عن العقلية التي ترى أن تقديم أسلحة متطورة إلى المنطقة يساهم في استقرارها، وفهم أن الإدارة غير الحكيمة لمسألة تقديم مساعدات عسكرية يمكن أن تزيد من خطر اندلاع صراع غير مقصود، وتقلل من سيطرتها الاستراتيجية على الوضع، وتستجلب ردودًا قد تكون مُزعزعة للاستقرار.    
         


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق