الجارديان| ليست الصين وحدها السبب في تفشي كورونا.. بل السياسيون والاقتصاديون أيضًا


٢٦ مارس ٢٠٢٠ - ٠١:٠٢ م بتوقيت جرينيتش

ترجمة - بسام عباس

عندما أشعر بالتوتر، تظهر بقعة إكزيما حمراء مزعجة في الجزء العلوي من ذراعي الأيمن، وحينها يعطيني الطبيب بعض الكِريم لأدلّكها به، لكنني أعلم أيضًا أنه لمنع ظهورها مرة أخرى، يجب أن أتعامل مع المشكلة الأساسية.

إنك تفكر كثيرًا في المعلومات، لكن دعني أقارن ذلك. السبب في عدم تسمية فيروس كورونا الذي سبب هذا البؤس العالمي بـ "الفيروس الصيني" هو نفس السبب الذي يجعلني لا ألوم ظهور الإكزيما على ذراعي: من الواضح أن هناك ضعفًا سطحيًّا هناك، ولكن السبب الحقيقي يوجد في مكان آخر.

تشير جميع الأدلة التي جُمعت حتى الآن إلى أن "الأسواق الصينية الرطبة" سيئة السمعة حاليًّا – حيث تُباع الحيوانات الحية والميتة للاستهلاك البشري – توفّر فرصة للفيروسات التاجية للانتقال السلس من الحيوانات إلى البشر. حدث ذلك مع فيروس سارس في 2002–2003، والذي جرى احتواؤه قبل أن يتسبب في حدوث جائحة، وحدث مرة أخرى مع قريبه كورونا في الفترة الحالية.

ولكن لفهم سبب تسارع ظهور مثل هذه الأمراض الحيوانية – العدوى البشرية من أصل حيواني– في العقود الأخيرة، عليك أن تفهم القوى التي تضع تلك الفيروسات على طريقنا. إنهم سياسيون واقتصاديون. ويتعلق الأمر بارتفاع مخاوف الزراعة على المستوى الصناعي في الصين، وما ينتج عنها من تهميش الملايين من صغار المزارعين، الذين اتجهوا – سعيًا وراء لقمة العيش – إلى إنتاج مزيدٍ من الأنواع الغريبة، ومنها الحيوانات التي يتم تناولها مرة واحدة فقط دفعًا للموت جوعًا والعيش على الكفاف. لكن العمليات الأكبر دفعت المزارعين إلى الخارج جغرافيًّا أيضًا، حيث استولوا على المزيد من الأراضي الزراعية الرئيسية. فيما أجبر أصحاب الحيازات الصغيرة على الاقتراب من مناطق غير قابلة للزراعة مثل الغابات، حيث تكمن الخفافيش، التي تعد مخازن الفيروسات التاجية جميعها. وهكذا توافقت النجوم مع بعضها، بطريقة غير جيدة، لانتقال الفيروسات من الخفافيش عبر مضيفين ثديين، مثل آكل النمل البنجولي، إلى البشر.

ومع ذلك، وهنا ألعب دور محامي الشيطان للحظة، لا يزال من الممكن اعتبار المشكلة صينية بحتة. ولكن هناك سببان لعدم صحة ذلك:

أولًا: مع انفتاح الصين، لم تعد الأعمال التجارية الزراعية مملوكة بالكامل للصينيين، فقد باتت الصين واحدة من أكبر المستفيدين من الاستثمار الأجنبي المباشر.

ثانيًا: وكما أشار خبير الجائحة الأمريكي، "ديفيد مورنز"، وزملاؤه في الشهر الماضي في مجلة (نيو إنجلاند جورنال أوف ميديسين)، فإننا نشاهد دراما مشابهة تتكشف على نطاق زمني أطول بكثير مع الإنفلونزا – وهو المرض الذي تسبب في المزيد من الأوبئة عبر تاريخ البشرية أكثر من الأمراض الأخرى.

لقد انتشرت فيروسات الأنفلونزا التي تصيب الحيوانات، بما في ذلك الدواجن والخنازير، بشكل دوري بين البشر منذ أن قمنا بتدجين تلك الحيوانات منذ آلاف السنين. لكن المزارع الصناعية التي تنتج طعامنا اليوم تزيد من ضراوة فيروسات الأنفلونزا هذه قبل أن تنتشر. وقد تم توثيق هذا الارتفاع في أوروبا وأستراليا والولايات المتحدة أكثر مما تم توثيقه في الاقتصادات الفقيرة أو الناشئة، وهو ما أدى إلى ظهور آخر جائحة أنفلونزا في عام 2009. وقد تم تسجيل الحالات الأولى لهذا الوباء في كاليفورنيا، ولكن لا أحد يدّعي أنها الأنفلونزا الأمريكية، وهذا صحيح، ذلك لأن المزارع الأمريكية لم تكن مملوكة بالكامل للولايات المتحدة. فالصين، على سبيل المثال، استثمرت فيها.

ليست الصناعات فقط التي تنتج طعامنا هي التي تخلق الظروف الملائمة التي تظهر فيها الأمراض الحيوانية المنشأ الجديدة؛ حيث يساهم قطع الأشجار والتعدين وبناء الطرق والتحضر السريع، ويتم أيضًا تقاسم الأرباح من تلك الصناعات على المستوى الدولي. وقد كتب مورنز وآخرون: "لقد أنشأنا نظامًا بيئيًّا عالميًّا يسيطر عليه الإنسان وهذا النظام يعمل بمثابة ملعب لظهور الفيروسات الحيوانية وانتقالها إلى المضيف".  وبينما تظل الأمراض الناتجة ذات تأثير محلي في البداية، كما يتجلى من أسمائها – مثل فيروس إيبولا وزيكا والحمى النزفية البوليفية على سبيل المثال لا الحصر – غير أن المفارقة هي أن البعض منها، مثل فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز) وفيروس كورونا، تستمر لتصبح فيروسات عالمية الانتشار.

في عام 2015، أصدرت منظمة الصحة العالمية مبادئ توجيهية حول كيفية تسمية الأمراض، والتي نصت على أن هذه الأسماء يجب ألا تفرد مجموعات بشرية أو أماكن أو حيوانات أو طعام معينة. غالبًا ما تكون الأسماء التي تكون كذلك خاطئة على أي حال، ولكن بحلول الوقت الذي يتضح فيه الضرر بالفعل. أدى نقص المناعة المرتبط بالمثليين أو (جريد)، وهو الاسم الأول للإيدز، إلى وصم مجتمع المثليين أثناء البحث في كيفية تأثير المرض على المجموعات الأخرى. كما أن وصف الرئيس ترامب لفيروس كورونا بأنه "الفيروس الصيني" غير مُجدٍ أيضًا. ففي الوقت الذي كانت فيه المراكز الرئيسية لمواجهة عدوى فيروس كورونا خارج الصين، حيث يمكن للأمريكيين والأوروبيين تعلم دروس قيمة من الصينيين، تبادل ترامب الإهانات مع السياسيين الصينيين الذين اتهموه بالعنصرية وألمحوا إلى أن الجيش الأمريكي هو من جلب الفيروس إلى الصين. وهذه المشادات الكلامية تتناسب مع ترامب الذي يريد تشتيت الانتباه عن سوء إدارته للوباء في البلاد، إلا أنه لا يخدم أحدًا آخر.

وهذا لا يعني أنه لا ينبغي مساءلة الصين عن عيوبها؛ فالأمريكيون يعرفون أين نقاط ضعفهم – وهي تشمل المعارض الزراعية حيث يجتمع الخنازير والبشر– ويراقبونهم بشراسة. ويمكن لخبراء الأمراض المعدية لديهم اكتشاف الفيروس المنتشر في القطيع وتوليد لقاح له في غضون ساعات. لقد تحسن الصينيون في الآونة الأخيرة، وهم الآن يقومون بتلقيح الدواجن ضد فيروس أنفلونزا الطيور الخطير الذي أصاب البشر لأول مرة في عام 2013، على سبيل المثال. ولكن بعد ما يقرب من 20 عامًا من انتشار السارس في الأسواق الرطبة، لا تزال هذه الأماكن هي المسئولة عن انتشار مثل هذه الفيروسات.

من الواضح أن التحكم في هذا الترابط بين الحيوانات والإنسان أمر مهم، ولكن لا ينبغي أن يعمينا عن المشكلة الأكبر، وهي تلك الصناعات المعولمة. يستخدم الاقتصاديون مصطلح "مأساة المشاعات" لوصف مورد مشترك – أرض رعي مشتركة على سبيل المثال – يفسده الأفراد الذين يعملون لمصالحهم الذاتية. لقد تم تطبيقه على أزمة المناخ، ولكن كما أشار الخبير الجغرافي بجامعة كولومبيا البريطانية "لوك بيرجمان" وزملاؤه، فإنه لا يتناسب تمامًا مع ما حدث هنا. ففي حالة هذه الصناعات، سيكون من الأكثر دقة أن نقول إنها استبعدت ما يقرب من 8 مليارات نسمة ممن يعتمدون على المشاعات من المشاركة في حكم تلك المشاعات. ومع ذلك، فإننا نتحمل تكاليف استغلالهم الصناعي، ولكن في شكل مرض وبائي.

إن لدينا حصتنا من المسئولية، كأفراد، في الأطعمة التي نختار تناولها وخيارات نمط الحياة التي نتخذها بشكل عام، وهناك الكثير منا على هذا الكوكب ولكن بقاءنا مكلف للغاية. ولكن كما اتضح بشكل متزايد، فصلت هذه الصناعات نفسها عن اختيار المستهلك. إنهم يقودونها بدلًا من الاستجابة لها.

لقد حان الوقت لاستعادة المشاعات؛ ما يعني أن علينا التصويت للسياسيين الذين سيحاسبون تلك الصناعات بدلًا من أولئك الذين يتجاهلون إلقاء اللوم عليها. إننا بحاجة إلى قادة يفهمون أن علاج اندلاع هذه الفيروسات لا يمكن أن يكون موضوعيًّا فقط، بل يجب أن يكون نظاميًّا أيضًا.




للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق