مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية| منافسة أم تنسيق.. فيروس كورونا في العالم النامي


٢٩ مارس ٢٠٢٠

ترجمة - آية سيد

في وقت الأزمات، لطالما تولت الولايات المتحدة دور القيادة العالمية. وفي ضوء فيروس كورونا المنتشر، ينبغي أن تقود مرة أخرى ائتلافًا عالميًّا لمواجهة الأزمة في العالم النامي. ينبغي أن يضم هذا الائتلاف بعض حلفائها المقربين، مثل فرنسا واليابان وأستراليا وكندا والمملكة المتحدة والدنمارك وكوريا الجنوبية وألمانيا. تمر الولايات المتحدة أيضًا بأزمة غير مسبوقة، وتصارع من أجل التركيز على المشاكل الداخلية، ناهيك عن المشاكل الخارجية، لكن لا ينبغي أن تتجاهل دورها العالمي المركزي، ولا ينبغي أن تنسى الولايات المتحدة أن لديها الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ووزارة الخارجية ذات الامتداد العالمي، والخبرة العميقة في مجال الصحة، وآلاف المحاربين القدامى لحالات التفشي السابقة، مثل إتش1 إن1، وإيبولا، وأنفلونزا الطيور وغيرها، وينبغي أن توظفهم. ينبغي أن تساعد الولايات المتحدة البلدان النامية، ليس فقط لأن هذا هو الشيء الصحيح الذي يجب فعله؛ بل أيضًا لأنه في مصلحتها أن تفعل ذلك؛ حيث إن جائحة فيروس كورونا تؤثر بشكل مباشر على السياسة الخارجية ومصالح الأمن القومي الأمريكية.

فيروس كورونا في العالم النامي

سوف يضرب فيروس كورونا الدول النامية بقوة في غضون بضعة أسابيع، في ظل تأكيد الموجة الأولى من الحالات في أفريقيا وارتفاع عدد الحالات في أمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا. إن أنظمة الرعاية الصحية في العالم النامي تعاني بالفعل من نقص التمويل، ونقص الموظفين، وعدم الجاهزية للتعامل مع التدفق المرتفع للمرضى. أوردت منظمة الصحة العالمية أن 40% من سكان العالم ينقصهم الوصول إلى وسائل غسل اليدين الأساسية (الماء والصابون)، والأغلبية العظمى منهم في العالم النامي. لا يستطيع الكثير من الأشخاص تحمل تكلفة معقم اليدين.

إن السكان الأكثر عرضة للخطر في الكثير من هذه البلاد هم الأشخاص النازحون داخليًّا واللاجئون، ويشملون الروهينجا في بنجلاديش والفنزويليين في كولومبيا والمنطقة الأوسع، والسوريين في الأردن، وغيرها من البلاد. هؤلاء الأشخاص ليس لديهم مكان للذهاب إليه ويكونون في أكثر الأحيان عالقين في مخيمات حيث لا يوجد انعزال عن جيرانهم. وفي ظل القيود على السفر، سوف تجد المنظمات غير الحكومية والمنظمات الدولية، مثل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشئون اللاجئين، صعوبة متزايدة في الوصول لهؤلاء السكان لتوصل لهم الطعام والمؤن الأساسية، ناهيك عن معالجة التفشي المحتمل لفيروس كورونا.

سوف تكون عواقب فيروس كورونا محسوسة في أنحاء العالم النامي وتتجاوز حصيلة الخسائر الهائلة الحالية في الأرواح البشرية. وعلى الرغم من أن عدد الحالات في أفريقيا أقل حاليًا من بقية العالم، إلا أن الكثير من القادة الأفارقة قلقون بشأن التأثير الذي قد يُحدثه الفيروس على أنظمة الرعاية الصحية الهشة لديهم. لقد رأوا التأثير المدمر لإيبولا ويحاولون منع تكراره، فقد اتخذت نيجيريا، على سبيل المثال، قرارًا بغلق جميع المدارس بعد الإبلاغ عن ثماني حالات فقط.

تتخذ الدول في الشرق الأوسط والمنطقة المجاورة إجراءات قوية أيضًا. قرر الأردن تطبيق حظر تجول إلى أجل غير مسمى لحماية مواطنيه البالغ عددهم 10 ملايين نسمة واللاجئين السوريين البالغ عددهم 1.3 مليون شخص المقيمين بالدولة والمعرضين للخطر بصورة خاصة. وأعلنت الحكومة اللبنانية حالة طوارئ طبية، جزئيًا لحماية اقتصادها الضعيف، الذي كان يمر بتراجع منذ خمسة أشهر، وهو ما دفع الحكومة للتخلف عن سداد دينها المُقدر بـ90 مليار دولار. وتسبب فيروس كورونا في زيادة تعقيد عملية السلام المضطربة في أفغانستان، حيث تنشغل الحكومة الآن بفيروس كورونا وتوقفت الاجتماعات بين الحكومة الأفغانية وحركة طالبان.

في أمريكا اللاتينية، تبدأ المكسيك الآن اتخاذ إجراءات في مواجهة كورونا. بمجرد أن ينتشر الفيروس على نطاق أوسع في المكسيك، قد يحدث انهيارًا في التصنيع والأنشطة الزراعية وهو ما يؤثر على الاقتصاد الأمريكي وإمداد الغذاء، نظرًا لحجم الترابط بين البلدين. وعلى الرغم من أن نجل الرئيس البرازيلي بولسونارو حمّل مسئولية انتشار الفيروس لاستبدادية الصين، تجاوز البلدان هذا الخلاف وزادا التجارة الثنائية، ووافقت الصين أيضًا على مساعدة البرازيل بالإمدادات الطبية، والمساعدات التقنية لمكافحة الفيروس.

طريق الحرير "الصحي" الصيني

إن الصين مُنتِج رئيسي لأجهزة التنفس الصناعي والأقنعة ومعدات الاختبار، والسترات الواقية التي تحتاجها البلاد أثناء هذه الأزمة وتبيع هذه الإمدادات وتجعلها متاحة على أساس المساعدة الخارجية والدبلوماسية العامة. تطور الصين ببطء "طريق الحرير الصحي"؛ وبالتالي توطد العلاقات على المستوى العالمي، ويشمل ذلك مع بعض حلفاء الولايات المتحدة. في الاتحاد الأوروبي، كان هناك القليل من التضامن في محاربة الفيروس، لذلك تتجه الدول إلى الصين. إيطاليا، البؤرة الجديدة للفيروس، وجدت التضامن والمساعدة من الصين. وصل مسئولون صينيون إلى روما يوم 12 مارس بإمدادات أساسية، تشمل أجهزة تنفس، وأقنعة، وأدوية. وحيث إن الصين تدّعي أنها أوقفت انتشار الفيروس داخل البلاد، تبحث إيطاليا عن رؤى حول كيفية تحقيق هذا. ذهب رئيس صربيا إلى المطار لاستقبال شحنة من الإمدادات الطبية من "أخيه وصديقه" الرئيس شي. وحصلت جمهورية التشيك أيضًا على إمدادات.

وإذا تولت الصين القيادة في مواجهة فيروس كورونا، أو الأسوأ، اعتُبرت الدولة الوحيدة التي تساعد العالم النامي بينما لا تفعل الولايات المتحدة شيئًا، ربما تخسر الولايات المتحدة "رخصة عملها" كمهيمن عالمي. قد تُمنح هذه الرخصة للصين، وقد يؤدي هذا التحول إلى تجاذب اقتصادي وسياسي وأمني متوسط أو حتى طويل الأمد من بعض هذه البلدان تجاه الصين. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة في عصر منافسة على القوة الاستراتيجية مع الصين، ربما يكون من الحكمة المشاركة في تنسيق استراتيجي عندما يتعلق الأمر بفيروس كورونا.. تنسيق ينبغي أن تقوده الولايات المتحدة. 

الولايات المتحدة ينبغي أن تقود

بعيدًا عن علاقتها مع الصين، ينبغي أن تتقدم الولايات المتحدة وتصبح قائد العالم في هذه الأزمة العالمية، وإلا سيترتب على هذا عواقب غير مقصودة. إن خطر فشل عشرات الأنظمة الصحية في العالم النامي سيكون له عواقب سلبية على مصالح الأمن القومي والسياسة الخارجية الأمريكية. تشمل هذه العواقب: (1) عجز هذه البلدان عن مشاركة العبء في التحديات الأمنية العالمية لأن جيوشها مشتتة داخليًّا أو منهكة جدًا لتساعد. (2) انخفاض ضخم في قدرة هذه البلاد على شراء البضائع والخدمات الأمريكية بسبب الأزمة المالية التي سببتها أزمة الصحة العامة. (3) طرد عشرات الملايين من الفقراء من عملهم في البلدان النامية في أفريقيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية، وهو ما قد يخلق إغراءً للهجرة بدافع أسباب اقتصادية إلى أوروبا أو الولايات المتحدة أو غيرها من الأماكن. (4) إمكانية زعزعة استقرار الحكومات الصديقة وتآكل النظام المدني أو حتى الانقلابات بسبب فشل الحلفاء في مواجهة الأزمة بطريقة ملائمة.

ما ينبغي على الولايات المتحدة فعله لمواجهة فيروس كورونا في العالم النامي

إن الولايات المتحدة قوى عظمى من ناحية الصحة ومواجهة الكوارث العالمية والتنمية العالمية. ومن دون التشتت عن حالة الطوارئ المُلحة في الداخل، ينبغي عليها تقديم المساعدة، والتي ستؤدي إلى منافع متعددة، من ضمنها منافع استراتيجية متعلقة بالدبلوماسية العامة. إن الإجراءات الحاسمة في الكوارث الطبيعية في الماضي منحت الولايات المتحدة منافع استراتيجية، بالإضافة إلى كونها التصرف الصحيح، ولا شك أن اتخاذ إجراء حاسم لمساعدة الدول الأخرى سيكون له تأثير مباشر على الرأي العام، وربما يساعد الولايات المتحدة في "إعادة ضبط" علاقتها مع الدول.

بمجرد أن تسيطر الولايات المتحدة على الفيروس في الداخل، ينبغي أن تتخذ إجراءات ملموسة مع حلفائها لدعم العالم النامي في مواجهة فيروس كورونا. أولًا: ينبغي أن تعيد الولايات المتحدة توظيف بعثات الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية بالخارج لكي تركز على الفيروس، كما ينبغي أن يشمل هذا توصيل الإمدادات الطبية الأساسية التي تحتوي على الأقنعة، وأجهزة التنفس الصناعي حول العالم. ثانيًا: ينبغي أن يتولى مكتب الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية للمساعدة الخارجية في الكوارث القيادة في نشر فرق الاستجابة للمساعدة في الكوارث في الكثير من البلدان.

يجب أن تزيد الولايات المتحدة أيضًا مشاركتها مع المنظمات غير الحكومية والمنظمات الدولية، لا سيما تلك التي تساعد الأشخاص النازحين داخليًّا واللاجئين. وفي ظل وقف السفر الدولي، سوف يصارع برنامج الأغذية العالمي في الانتقال بين البلاد في ظل انتشار الفيروس. وبالتالي، يمكن أن تزيد الولايات المتحدة التمويل لبرنامج الأغذية العالمي، الذي يقدم المساعدة للأشخاص في مخيمات النازحين داخليًّا. تستطيع الحكومة الأمريكية أيضًا أن تعمل مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشئون اللاجئين لمساعدة هؤلاء الأشخاص المعرضين للخطر بصورة خاصة. 

لماذا هذا مهم؟

إنه الشيء الصحيح الذين يجب فعله. معظم مناطق العالم النامي لديها أنظمة رعاية صحية هشة أقل استعدادًا من الولايات المتحدة للتعامل مع فيروس كورونا. يجب أن تتدخل واشنطن لإنقاذ ملايين الأرواح. إنها أيضًا فرصة دبلوماسية صحية والتي يمكن أن يكون لها تأثير فوري وإيجابي على الرأي العام، وبالإضافة لذلك، القيام بهذا يصب في مصلحة الأمن القومي الأمريكي. قد يزعزع فيروس كورونا استقرار الشرق الأوسط، وهي منطقة متقلبة بالفعل، عن طريق الإضرار باقتصاداتها، ويشمل ذلك واحدًا من الحلفاء الأقرب للولايات المتحدة في المنطقة، وهو الأردن، وقد يوقف لأجل غير مسمى محادثات السلام المهمة في أفغانستان، قد يثير فيروس كورونا زيادة في الهجرة من البلدان النامية إلى الولايات المتحدة وحلفائها إذا انهارت الاقتصادات. إن تفشي فيروس كورونا في أنحاء العالم النامي قد يكون له آثار عرضية في الولايات المتحدة.

وأخيرًا، في عصر منافسة القوة الاستراتيجية مع الصين، يجب أن يُنظر للولايات المتحدة على أنها القائد خلال هذه الأزمة، حتى لو كان هذا يعني التنسيق مع الصين. بخلاف ذلك، قد تصبح خطوات المساعدة الصينية المبكرة علامة على انتهاء القيادة العالمية الأمريكية. 


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق