روسيا ماترز| كيف يمكن التغلب على حرب أسعار النفط في المستقبل؟


٢٩ مارس ٢٠٢٠

ترجمة - بسام عباس

سيطر موضوعان كبيران على التحليلات حول فشل "أوبك بلس" في التوصل إلى توافق جديد بشأن تخفيضات إنتاج النفط في 6 مارس 2020. فالأول يستكشف مصادر الخلاف بين السعودية وروسيا التي تسببت في الانقسام. فيما يبحث الثاني في تداعيات الفشل، مع افتراض أن الدول المستهلكة هي الطرف الرابح في هذا الوضع بفضل انخفاض فواتير استيراد النفط. أما الموضوع الأقل استكشافًا فهو الموضوع الثالث، وهو مسارات حل حرب أسعار النفط.

وفي حين أن الموضوع الأول قد تم استكشافه جيدًا بالفعل، غير أن الموضوعين الآخرين لم يأخذوا حظهم، وسيسعى هذا المقال لسد هذه الفجوة. وسيركز على وجه الخصوص على الإجابة على ثلاثة أسئلة رئيسية تتعلق بهذين الموضوعين.

أولًا: هل الصين هي المستفيد الرئيسي من حرب أسعار النفط؟

ثانيًا: إلى أي مدى سيصمد أطرف الخلاف الرئيسيين، مثل روسيا والسعودية؟

أخيرًا: هل ستلعب قوى السوق دورًا حاسمًا في إنهاء حرب أسعار النفط؟

أولاً: هل الصين هي المستفيد الرئيسي؟

كقاعدة عامة، يُعد انخفاض الأسعار أمرًا جيدًا للدول المستوردة للنفط وسيئًا لمصدّري النفط. ففي أثناء انهيار أسعار النفط في 2014-2016، على سبيل المثال، وفرت الصين – أكبر مستورد للنفط في العالم – ما متوسطه 2.1 مليار دولار سنويًّا مع كل انخفاض في سعر النفط. لذلك، فمن الناحية النظرية، إذا كان متوسط أسعار النفط الخام الآن 30 دولارًا في عام 2020 بدلاً من 60 دولارًا، فستكون الصين قادرة على توفير نحو 300 مليون دولار يوميًّا من قيمة النفط المستورد بناءً على توقعات الطلب من قبل إدارة معلومات الطاقة الأمريكية ومؤسسة مورجان ستانلي. وكما تقول الحكمة التقليدية فإن انخفاض أسعار النفط يحفز كلًا من طلب المستهلك والانتعاش الاقتصادي. ونتيجة لذلك، يجب أن تكون الصين قادرة على الاستفادة من انخفاض أسعار النفط لتلبية احتياجاتها الكبيرة من استيراد النفط وإعادة النشاط الاقتصادي في البلاد. لكن هذا المنظور المتفائل يحتاج إلى أن يكون دقيقًا.

1- يعتمد الانتعاش الاقتصادي الصيني على الطلب في أماكن أخرى. فعلى سبيل المثال، هي مورد رئيسي للمكونات الوسيطة للشركات الموجودة في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان وكوريا الجنوبية. حيث يتمركز نحو 20% من التجارة العالمية في تصنيع المنتجات الوسيطة في الصين، بعد أن كانت 4% عام 2002. إلا أن عمليات الحظر الحالية في الولايات المتحدة وأوروبا، فضلًا عن ارتفاع حالات الإصابة بفيروس كورونا القادمة من الصين، ستثبط من فوائد انخفاض أسعار النفط.

2- قد يؤثر انخفاض أسعار النفط سلبًا على القطاعات الرئيسية في الاقتصاد الصيني المستقلة عن المستهلكين فيما وراء البحار. ويمكن أن تخفض شركات النفط الصينية – التي تعاني من انخفاض العائدات – النفقات الأولية، وبالتالي تقويض أوامر رئيس الدولة بزيادة أمن الطاقة.

3- كان التباطؤ الاقتصادي في الصين يسبق تفشي فيروس كورونا. إن العقبات الهيكلية، بما في ذلك انخفاض إنتاجية العمالة ورأس المال وهشاشة القطاع المالي، تحتاج إلى معالجة كافية قبل أن تتمكن الصين من جني الفوائد الكاملة من انخفاض أسعار النفط. على أي حال، تشير تجربة اقتصادات النمور الآسيوية إلى أن معدل النمو الأكثر اعتدالًا يمكن أن يكون المعيار الجديد للصين.

وأخيرًا: فإن تجار النفط ومالكي الناقلات هم المستفيدون المباشرون من حرب أسعار النفط أكثر من الصين. وبناءً على افتراض اتساع فرق السعر بين النفط الخام الذي تم شراؤه الآن ولكن تم تسليمه لاحقًا، قام تجار النفط بتأمين مرافق التخزين في البر والبحر للمعاملات التي ستؤدي إلى أرباح هائلة على المدى القصير. حيث عانى مالكو الناقلات من الارتفاع الكبير في أسعار استئجار الطائرات نتيجة للحجز التنافسي من تجار النفط والمنتجين الخليجيين العازمين على إغراق السوق بالنفط الخام الرخيص. ومع ذلك، حتى قبل حرب أسعار النفط، كان أصحاب الناقلات يستفيدون بالفعل من الضغط على توافر ناقلات النفط بسبب العقوبات الأمريكية ضد الشركات الناقلة التابعة لشركة "كوستكو" الصينية.

ثانيًّا: مدى تحمل الألم والقدرة على الصمود

لا يوجد فائزون بين منتجي ومصدري النفط الرئيسيين. والسؤال هنا هو: من هو الأسوأ حالاً والذي سيكون أول من ينسحب؟

ينقسم الخبراء حول قدرة صمود اللاعبين الثلاثة الرئيسيين: روسيا والسعودية وشركات النفط الصخري الأمريكية.

فمن ناحية، فإن ربط العملة السعودية بالدولار الأمريكي يعطيها مرونة أقل من الروبل الذي يتميز بسعر صرف عائم. كما أن ميزانية روسيا المعتمدة على النفط تحصل على 70 مليار روبل إضافية مقابل كل انخفاض للروبل مقابل الدولار، حيث يتم تسعير النفقات المتعلقة بالنفط في الغالب بالروبل، لكن عائدات النفط يتم كسبها بالدولار.

وبينما تبيع السعودية النفط إلى أوروبا بسعر 25-28 دولارًا للبرميل، غير أنه قد يكون من الصعب التغلب على شبكات التوزيع الراسخة في روسيا، وأوقات التسليم الأسرع، و4 دولارات للبرميل. ومن ناحية أخرى، وعلى الرغم من أن العجز المالي في السعودية البالغ 15% من الناتج المحلي الإجمالي يقارن بشكل غير متناسب مع العجز الروسي الصفري مع وصول سعر النفط الخام 35 دولارًا في عام 2020، إلا أن احتياطيات النقد الأجنبي الأكبر في السابق يمكن أن تحافظ على تمويل العجز لمدة خمس سنوات على الأقل. كما يمكنها الوصول إلى أسواق الديون الخارجية على عكس روسيا التي حاصرتها العقوبات، على الرغم من أن الصين قد تتدخل بعرض جديد للقروض مقابل النفط. وفي النهاية، يبدو أن روسيا والسعودية على قدم المساواة من حيث العوازل الاقتصادية والمالية، لا سيما وأن التاريخ يشير إلى أن حرب أسعار النفط هذه من غير المرجح أن تستمر لأكثر من عامين.

أما فيما يتعلق بالمجال الاجتماعي السياسي، يمكن القول إن روسيا أكثر مرونة. ففي موسكو، يتميز الاستقرار بأن له الأولوية على النمو؛ حيث تدرك النخب الروسية أن الإصلاحات النظامية لتنشيط الاقتصاد ربما تغضب أصحاب المصلحة المحليين الرئيسيين وتخفف سيطرة الكرملين على السياسة الروسية. وحتى مع تراجع ثقة الجمهور بالرئيس "فلاديمير بوتين"، يبدو أنه من المقرر أن يكون رئيسًا مدى الحياة. ومن المرجح أن تكون عقلية الحصار في الثقافة الروسية مصدرًا لتحمل تداعيات تدني أسعار النفط. وفي المقابل، يبدو أن ولي العهد السعودي الأمير "محمد بن سلمان" أقل أمانًا من الناحية السياسية. فمع تراجع الاستثمار الأجنبي والسياحة الداخلية – التي يعتمد عليها برنامج الإصلاح الخاص به – بشكل حاد بسبب تفشي فيروس الكورونا، قد يكون الجمهور السعودي أقل استعدادًا لتحمل تكاليف حرب أسعار النفط. وعلى الرغم من ذلك، فقد اشترى نحو 20% من المواطنين السعوديين أسهمًا في شركة النفط الوطنية، أرامكو السعودية، التي كانت أسهمها أقل بنسبة 11% من سعر التعويم في ديسمبر 2019.

أما بالنسبة لمنتجي النفط الصخري في الولايات المتحدة، الذين يعاني أكثرهم من ديون ضخمة خارج الحوض البرمي، قد لا يمكنهم تحمل أسعار النفط المنخفضة. وفي ظل هذا الواقع، يمكن أن يؤدي سعر النفط الذي بلغ 35 دولارًا في عام 2020 إلى فقدان أكثر من 3 ملايين برميل يوميًا من الإنتاج مقارنة بعام 2019. ومع ذلك، أثبت منتجو النفط الصخري كفاءة ومرونة، فقد زادوا نسبة الإنتاج في عام 2019 على الرغم من الانخفاض الكبير في عدد منصات الحفر؛ ونتيجة لذلك، انخفض متوسط سعر التكافؤ للنفط الصخري من 68 دولارًا للبرميل في عام 2015 إلى 46 دولارًا اليوم، وصولاً لأفضل الأسعار عند 20 دولارًا. وسيستفيد البعض ماليًّا من التحوط لانخفاض أسعار النفط إلى ما دون 40 دولارًا للبرميل. ومن المرجح أيضًا أن تتخطى أسعار النفط العالمية الكبرى – التي تمثل خمس الإنتاج في الحوض البرمي – الأسعار المنخفضة، ومن ثَمَّ تستحوذ وتعود أدراجها على المنتجين المستقلين الصامدين.

ثالثًا: ما دور قوى السوق في إنهاء حرب أسعار النفط؟

إن حرب أسعار النفط في عام 2020 مدعومة بصدمات متزامنة في العرض والطلب، وهو ما يجعلها غير مألوفة بشدة، رغم أنها ليست غير مسبوقة، كما أن أطراف الخلاف الرئيسيين قد انشقوا قبل ذلك، وذلك عندما تسبب قرار السعودية – عام 1985 – بزيادة الإنتاج خمسة أضعاف في انخفاض أسعار النفط إلى 10 دولارات؛ ما وضع ضغطًا ماليًا إضافيًّا على الاتحاد السوفييتي، الذي انهار في عام 1991. ولكن الشيء المختلف الآن هو النطاق العالمي وعمق الانخفاض في الطلب وسط مخاوف من ركود عالمي؛ حيث يمكن خفض الطلب على النفط بمقدار 10 مليون برميل يوميًّا في الأشهر القليلة المقبلة. ولكن هناك ثلاث طرق يمكن أن تنتهي بها حرب أسعار النفط:

الأول: هو انتعاش الطلب، لا سيما في الصين، التي شكَّلت ثلاثة أرباع نمو الطلب على النفط في عام 2019، وربع إجمالي النمو العالمي وحوالي خُمس الناتج المحلي الإجمالي العالمي. ومع ذلك، كما أشرنا سابقًا، فإن دور الصين كوسيلة يخفف من دورها كوسيط في سلاسل التوريد العالمية وأوجه القصور الهيكلية الخاصة بها. لذلك من المستبعد – إلى حد كبير– إجراء إصلاح سريع يعتمد على انتعاش الطلب.

سيكون القضاء على إمدادات النفط المتراكمة هو الطريقة الثانية لإنهاء حرب أسعار النفط. ومع ذلك، أعلن منتجو النفط الخليجيون وروسيا عن نواياهم لزيادة إمدادات النفط للفوز بحصتها السوقية المفقودة عبر قيود إنتاج أوبك بلس. وفي الولايات المتحدة، فإن الشراء المحتمل للخام المنتج محليًّا لملء احتياطيات البترول الاستراتيجية التابعة لوزارة الطاقة الأمريكية يماثل خفض الإنتاج. ومع ذلك، فإن الحجم لا يتجاوز إنتاج النفط أسبوعًا؛ ومن هنا يبدو أن فائض العرض العالمي كبير للغاية في هذه المرحلة ولا يمكن استيعابه بسرعة.

وهذا يترك إعادة التفاوض على اتفاقية "أوبك بلس" باعتبارها الطريقة الأكثر واقعية لإنهاء حرب أسعار النفط. وربما يرسو طريق العودة إلى فيينا في الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان. بالاعتماد على إعلان الخليج الوحيد للشراكة الاستراتيجية مع روسيا، حاولت دولة الإمارات تقليص المسافة بين السياسات الروسية والخليجية فيما يتعلق بالحرب في سوريا وليبيا. على سبيل المثال، اتجهت المملكة العربية السعودية إلى الإمارات العربية المتحدة في ديسمبر للتأثير على روسيا لصالح مزيد من تخفيض الإنتاج، كما يمكن لعُمان أيضًا أن تستفيد من دورها الخاص كوسيط إقليمي. ومع الديون العامة التي تتجاوز بالفعل أصول صندوق الثروة السيادية، فهي الأقل قدرة على تحمل فترة طويلة من انخفاض أسعار النفط بين دول الخليج.

ويمكن للإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان أن تشجعا من الرسائل التصالحية بين روسيا والسعودية التي تركت الباب مفتوحًا لاتفاقية أوبك بلس المستقبلية. إن ميول الولايات المتحدة لتخفيف العقوبات على إيران وفنزويلا بحجة تخفيف الصعوبات أثناء فترة تفشي الوباء يمكن أن تسهل عملية انضمام روسيا، كما أن الوعد الأمريكي بالنظر بشكل إيجابي إلى بيع طائرات F-35 إلى السعودية والإمارات يمكن أن يحفز أيضًا عقد مزيد من الصفقات.

في هذه الأثناء، ستستمر سياسة حافة الهاوية والكبرياء الزائف وانهيار الطلب في إزكاء نيران حرب أسعار النفط لعام 2020.



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق