أتلانتك| هل سيزيد ترامب تهميش الولايات المتحدة في ظل أزمة كورونا؟


٣١ مارس ٢٠٢٠

ترجمة - بسام عباس

إن الضياع على خلفية كارثة فيروس كورونا هو انهيار للدبلوماسية الأمريكية، وينبغي أن تكون الولايات المتحدة هي السلطة المنظمة والمنسقة في الرَّد على تهديد عالمي يودي بحياة مواطنيها الآن. ولكن بدلاً من ذلك، سعت إدارة ترامب إلى زيادة العداء في الخارج، حتى مع أقرب أصدقائها، فقد فرض البيت الأبيض حظرًا على السفر من أوروبا، دون مشاورة أو إخطار الحلفاء الأوروبيين، حتى أثناء طلب تلك الدول الإمدادات لحماية العاملين الصحيين الأمريكيين، قامت الإدارة بشن هجوم يومي على المنافسين والأعداء، مثل الصين وإيران، حتى عندما أنكرت أن معدل الإصابة في أمريكا ينمو بشكل كبير، تؤكد منظمة الصحة العالمية الآن أن الولايات المتحدة ربما تصبح قريبًا المركز العالمي للوباء.

سيأتي وقت الاتهامات بمجرد هزيمة الفيروس، ولكن مع تسارع وتيرة الإصابات الأمريكية الآن، تتشكل لدى الولايات المتحدة مصلحة عاجلة في ملء فراغ القيادة العالمية للمساعدة في تنسيق الاستجابة لهذه الكارثة التي لا تنتمي لأي دولة. وعلى الرغم من اجتماع مجموعة العشرين تقريبًا الأسبوع الماضي، لم تكشف إدارة ترامب أبدًا عمَّا إذا كانت الولايات المتحدة ستجمع الشركاء والمنافسين – وحتى الخصوم – لتبادل أفضل الممارسات، ووضع المعايير الدولية، وزيادة الموارد الأساسية لدعم مناطق التفشي. وقد حجبت الولايات المتحدة بيانًا مشتركًا لوزراء خارجية مجموعة السبع هذا الأسبوع؛ لأنه لم يكن هناك دعم لمطلبها من جانب واحد بأن يستخدم البيان اسم "فيروس ووهان" بدلًا من المصطلحات العلمية المتفق عليها لفيروس كورونا أو كوفيد 19. وهذا المطلب ذو المردود العكسي هو أزمة بحد ذاته، عندما تكون الأولوية هي جمع القوى الكبرى معًا لإنقاذ الأرواح.

إن لديَّ بعض الخبرة في بناء التحالفات، فقد ساعدتُ في بناء أحد أكبر التحالفات في العالم لمواجهة تنظيم داعش، فقبل خمس سنوات فقط، سيطر تنظيم داعش على 8 ملايين شخص، وجنّد 40 ألف عنصر من أكثر من 100 دولة، وأنشأ فروعًا في ثلاث قارات، ونظم هجمات في جميع أنحاء العالم. وبينما يروّج "دونالد ترامب" لحملة للتحالف العسكرية، فإن مبادراته الدبلوماسية، والتي تتضمن: تفويض الأمم المتحدة لإيقاف المقاتلين الأجانب؛ وبرامج الرسائل المضادة؛ والتعاون مع القطاع الخاص لإزالة المحتوى المتطرف على الإنترنت؛ وتوصيل الموارد الإنسانية؛ وتبادل المعلومات السريع بين الاستخبارات الشريكة ووكالات تطبيق القانون، قلَّلت أيضًا من المخاطر الجماعية، وأنقذت عددًا لا يُحصى من الأرواح.

ولا يزال الرئيس ترامب يتباهى بنجاح هذا التحالف، وهي إحدى المبادرات الدبلوماسية القليلة التي قام باستئنافها بعد سلفه. والتحالف الذي يضم الآن أكثر من 80 شريكًا دوليًا، جرى بناؤه من خلال ما كان يعرف في السابق بالقوة الرائعة للدبلوماسية الأمريكية، إلى جانب رغبة جميع دول العالم في قيادة أمريكية ثابتة لمواجهة التحديات المشتركة.

وهذا النموذج في مجال الأمن ليس فريدًا. فحتى أثناء ذروة الحرب الباردة، قادت الولايات المتحدة العالم وتعاونت مع الاتحاد السوفيتي لإنتاج لقاح شلل الأطفال والقضاء على الجدري المتكرر طبيعيًّا. كذلك فقد أسس الرئيس "جورج دبليو بوش" تحالفًا عالميًا لمعالجة أزمة الإيدز في أفريقيا، وحشد أكثر من 50 دولة، وجمع أكثر من 80 مليار دولار لمكافحة هذا الوباء. كما أسس الرئيس "باراك أوباما" شراكة دولية لمكافحة الإيبولا في غرب أفريقيا، وحشد أكثر من 60 دولة وخصص مليارات الدولارات لاحتواء انتشاره ووقفه. وهاتان المبادرتان الأخيرتان معًا أنقذتا ملايين الأرواح بفضل القيادة الأمريكية والمبادرة والدبلوماسية المضنية لتنشيط العالم ومواجهة التحديات بشكل مباشر، وأنقذت مبادرة الرئيس بوش وحدها 17 مليون شخص.

لم يفت الأوان بعد على ترامب للبناء على هذه النماذج السابقة، بيْدَ أنه بحاجة إلى سرعة التصرف الآن؛ فعليه أن يعيّن على الفور منسقًا كبيرًا لتوجيه استجابة دولية بقيادة أمريكية. وهذا المنسق يجب أن يقدم تقاريره إلى الرئيس، وأن يشارك في فرق العمل التي تم إنشاؤها لإدارة استجابتنا المحلية. وهدف هذا المنسق هو إنشاء تحالف من الدول والمنظمات الدولية في أسرع وقت وأن يدير اجتماعات بشكل يومي تقريبًا.

وينبغي بعد ذلك أن تنسق مجموعة الاتصال هذه مع الدول المتضررة، وخبراء من منظمة الصحة العالمية والأمم المتحدة، وكيانات القطاع الخاص، ويمكن للعديد من الهياكل القائمة أن توفر الأساس لهذه المبادرة، بما في ذلك مجموعة السبع ومجموعة العشرين، وكذلك الكيانات ذات الصلة بالصحة العامة، مثل تحالف ابتكارات التأهب للوباء (CEPI) وأجندة الأمن الصحي العالمي (GHSA).

وهذه المنظمة الجديدة ستكون منفصلة عن المنظمات السابقة، مع إبقاء تركيزها فقط على احتواء جائحة فيروس كورونا، على غرار الطريقة التي انخرط بها الاتحاد الأوروبي والإنتربول وحلف الناتو في إطار تحالف هزيمة تنظيم داعش، ولكن كان لها مهمة ثابتة ومحددة.

إن مهام مثل هذا التحالف حيوية لحماية مواطنينا. فعلى سبيل المثال، يمكن للتحالف أن يضع معايير مسح للمطارات الدولية، وتعبئة الموارد العالمية لتطوير اللقاح واختباره ونشره بسرعة، وجمع أفضل الممارسات من دول العالم، مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة، التي تعاملت مع الفيروس بشكل فعَّال، وينبغي أن تعمل الشراكة على تعبئة وتوجيه الموارد من أجل الإنتاج الضخم ونشر مجموعات الاختبار إلى مناطق التفشي المحتملة، بما في ذلك مخيمات النازحين في الشرق الأوسط حيث يمكن أن يظهر الفيروس مرة أخرى، والضغط من أجل التبادل الحر للمعلومات من الخبراء الطبيين والعلماء، والحفاظ على مثل هذه التبادلات الحاسمة فوق المنافسات الجيواستراتيجية، والمساعدة في تحديد وتنظيم وإرسال المعدات الأساسية إلى المناطق التي تعاني من نقص حاد، بما في ذلك المدن الأمريكية.

ويمكن لأعضاء هذا التحالف الجديد وضع معايير للحصول على معلومات تم التحقق منها، وفضح الأخبار المزيفة التي تُعرّض حياة الأشخاص للخطر، ودعوة شركات وسائل الإعلام الاجتماعية للمشاركة، كما يمكنهم أيضًا الضغط من أجل وضع معايير لتقليل مخاطر التكرار، وذلك من خلال تنظيم أو إلغاء "الأسواق الرطبة" للحيوانات البرية في الصين – حيث من المحتمل أن يكون الفيروس قد نشأ هناك – حتى أثناء اكتساب الخبرة الصينية والعلماء والإنتاج الضخم للسلع الأساسية.

وهذه ليست اللحظة المناسبة للولايات المتحدة لإلقاء محاضرة على العالم وتسجيل نقاط بلاغية. إن غياب القيادة الأمريكية يخلق بالفعل مأساة مشتركة، حيث يسعى كل فاعل – من الدول القومية إلى المحليات – لمصالحه الخاصة في أزمة مشتركة على حساب الجميع.

والواقع أن بناء التحالفات ليس خيريًّا، ولطالما استخدمت الولايات المتحدة الدبلوماسية لبناء شراكات في الأزمات منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؛ لأنها تساعد في حماية الأرواح والمصالح الأمريكية؛ ولذلك ينبغي على المجموعة الجديدة المقترحة هنا وضع بروتوكول لمواجهة تفشي المرض في المستقبل قبل أن ينتشر، سواء كان تفشي فيروس كورونا جديد في وقت لاحق من هذا العام أو شيء ما أسوأ منه. فوفقًا لتحالف ابتكارات التأهب للوباء، فإذا كان الفيروس المميت المستقبلي يحمل عاملًا مسببًا للمرض منقولاً عبر الهواء (على عكس فيروس كورونا)، فقد يقتل أكثر من 30 مليون شخص، ولم يكن هذا النوع من الإحصاءات متصورًا يومًا ما. ولكن من الواضح أن الولايات المتحدة غير مستعدة الآن.

إن الدبلوماسية والقيادة العالمية سمات طويلة الأمد للقوة الأمريكية، ويخاطر ترامب بإهدار كليهما. ففي الأيام الأخيرة، تواردت أخبار بأن إدارته ناشدت كوريا الجنوبية للحصول على الإمدادات الأساسية حتى بعد أن قضت عامًا تبتز "سيول" لدفع مليارات الدولارات لإبقاء القوات الأمريكية هناك، وفاتورة هذه السياسات قصيرة النظر قادمة؛ ففي لحظة أزمة مشتركة، يتخلى ترامب عن دور أمريكا التقليدي للآخرين، بما في ذلك الصين، وهو ما سيجعل الولايات المتحدة أضعف وأكثر عزلة مع تراجع الأزمة. وفي ظل وجود الكثير من البشر حول العالم يائسين ويبحثون عن مخرج، تبدو واشنطن مهمشة وغير فعّالة.

وهناك مجموعة أدوات دبلوماسية مؤكدة متوفرة للعمل على عكس هذه الاتجاهات، فهل سيأخذ بها الرئيس؟


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق