الجارديان| الأخبار الكاذبة في زمن فيروس كورونا.. ما حجم التهديد؟


٠١ أبريل ٢٠٢٠

ترجمة - آية سيد

في وقت الأزمة، تكثر المعلومات المضللة، مثل أن فيروس كورونا يمكن علاجه بتناول منتجات تنظيف حوض الأسماك، أو أن الفيروس جرى تطويره في مختبرات صينية (أو أمريكية أو فرنسية)، أو أن كريستيانو رونالدو وبابا الفاتيكان أُصيبوا بالفيروس.

لماذا تزدهر المعلومات المضللة؟ هل تعني كل هذه الأخبار الكاذبة أن الناس ساذجون بشكل ميئوس منه، وأن قلقهم يجعلهم متقبلين لهذا الهراء الفاضح؟

نادرًا، أو في كثير من الحالات، يشارك الناس الأخبار الكاذبة على سبيل التسلية. نحن تدغدغنا حكايات مقززة (أن الأمر بدأ بشوربة الخفاش) والنميمة عن المشاهير (رونالدو، والبابا). يتبع هذا نمطًا مألوفًا: في 2018 كان أشهر خبر كاذب على فيسبوك يحكي عن الفائز باليانصيب الذي أغرق حديقة رئيسه السابق بسماد بقيمة 200 ألف دولار، وثاني أشهر خبر كاذب كان عن وفاة باربرا بوش.  

على أية حال، تصديق أن رونالدو أُصيب بالفيروس، أو لأن الفيروس نتج عن تجربة بيولوجية فاشلة ليس بهذه الأهمية: إنه لا يُحدث فرقًا في طريقة تصرفنا. إن المعجبين الذين صدقوا أن رونالدو مريض ربما لا يزالون متحمسين لمصافحته؛ ولن يحاصر أحد مختبرات الفيروسات لكي يطالب بالحقيقة.

لا شك أن الأخبار الكاذبة الأكثر إثارة للقلق فيما يتعلق بكوفيد-19 هي تلك التي تدور حول العلاجات المحتملة. منذ بضعة أيام، توفي رجل بعد تناول منتجًا مُخصصًّا لتنظيف أحواض السمك، حيث إنه يحتوي على الكلوروكين، وهو عقار يجري اختباره حاليًا (بشكل غير حاسم حتى الآن) كعلاج لكوفيد-19، وأشاد به البعض بوصفه علاجًا سحريًّا. لكن حتى هنا، حوادث الأخبار الكاذبة التي تؤثر على السلوك تُعدّ استثناءً. لقد سمع مئات الملايين من الأشخاص عن مزايا الكلوروكين، ومع هذا تبقى محاولات العلاج الذاتي نادرة. في الغالبية العظمى من الحالات، الناس إما يتجاهلون الخصائص العلاجية المزعومة لمواد معينة، أو يستخدمونها لتبرير سلوكيات أرادوا الانخراط بها على أية حال: بصورة مثيرة للشكوك، من ضمن الأدوية الشافية المزعومة، نجد الشاي، واللحوم الحمراء، والكحول، وحتى الكوكايين. 

مع هذا، حتى لو كانت الأخبار الكاذبة ليست بالأهمية التي نخشاها في أكثر الأحيان، فمن الأفضل أن نكون قادرين على كشفها (على الأقل لتجنب أن نبدو حمقى عند مشاركتها على وسائل التواصل الاجتماعي). والعلاج الموثوق هو المصدر: الكثير من الأخبار الكاذبة التي لاقت رواجًا على واتساب عن كوفيد-19 تبدأ بـ"صديق لديه عم في ووهان" أو "صديق والده يعمل في مركز مكافحة الأمراض".

هذا الإسناد إلى صديق كان دائمًا جزءًا أساسيًّا من الشائعات والأساطير الحضرية، وهو طريقة موثوقة للقول بأن الرسالة باطلة. وبصورة عامة، يقدّم البحث على الإنترنت – عن الأسباب أو الآثار أو العلاجات المزعومة لكوفيد-19 – معلومات موثوقة في جميع الحالات تقريبًا، لا سيما إذا اجتمعت عدة مصادر معترف بها.

ومثلما هو الحال في كل حالات الأزمات، القضية الرئيسية ليست أن الناس يتقبلون بسذاجة كل ما يسمعونه. على العكس، المشكلة هي أن الناس يخفقون في استعياب التوصيات. مرارًا وتكرارًا، لم تلق التحذيرات المفيدة أذانًا صاغية وجرى تجاهل النصائح. لماذا؟ لأن الناس ربما يعتقدون أن المعلومات خاطئة، أو حتى مخادعة. إن غياب الثقة في السياسيين مفهوم للأسف، حيث إن عددًا من الحكومات لم تكن تتمتع بالشفافية الكاملة (وهذا تهوين للأمر). مرة أخرى، هذا نمط: عدم الثقة المنتشر في المسئولين – من ضمن عوامل أخرى – دفع 100 ألف من سكان نيو أورلينز لتجاهل تحذيرات الإخلاء وتحمل القوة الكاملة لدخول إعصار كاترينا إلى اليابسة.

والوضع الحالي ليس استثناءً. في اليوم الذي تلا إعلان الحكومة الفرنسية إغلاق جميع المدارس، وحث الناس على التباعد الجسدي، ذهبت عمتي الكبرى – المدخنة ذات الـ 96 عامًا والتي تعاني من مشاكل مزمنة في الرئة – للعب على ماكينة الحظ في الكازينو. وكانت الأسواق الباريسية مزدحمة.

حتى ردود الأفعال الأكثر دلالة على الهلع – مثل تخزين الباستا أو المناديل الورقية – تعكس نقص الثقة: نقص الثقة في وعد السلطات بأن خطوط الإمداد سليمة؛ ونقص الثقة في إحجام الآخرين عن التخزين (وهو ما يجعل التخزين منطقيًّا بالنسبة لنا).

إن البشر بطبيعتهم حذرون بشأن الرسائل التي يستقبلونها. عند تقييم المعلومات، نقارن أولًا ما يتم إخبارنا به (أو ما نقرأه) بمعتقداتنا الحالية: إذا تناسب معها، نتجه لقبول المعلومات. تستغل الأخبار الكاذبة هذا عن طريق تعزيز أحكامنا المسبقة: يعتقد مدمنو الخمر أن الكحول علاج، والعنصريون يلقون باللوم على العلماء الصينيين. على النقيض، أي رسالة تتعارض مع خبرتنا الشخصية، وخاصة إذا تطلبت إجراءً مكلّفًا، تُرفض في البداية. لذلك، كانت التحذيرات المبكرة، بالنسبة للكثيرين، يصعب سماعها: بدا العزل قاسيًا في الرد على تهديد لم يؤثر علينا أو على أي أحد نعرفه حتى الآن.

إن التغلب على رد الفعل المبدئي هذا يتطلب الثقة: إدراك أن أيًّا كان من يخاطبنا فهو كفء، ولا يحاول التلاعب بنا. لهذا السبب التحقق من المعلومات في غاية الأهمية. ليس لأنه يساعدنا في تجنب المعلومات المضللة فقط: معظمنا سيتعرض لقدر ضئيل من المعلومات المضللة في المقام الأول.

بدلًا من هذا، التحقق ضروري لتعزيز إيماننا بالأخبار الحقيقية، وبالنصيحة السليمة. إذا لم تكن مقتنع بأن العديد من أنظمة الرعاية الصحية تنهار تحت ضغط كوفيد-19، أو أن التباعد الاجتماعي، في الكثير من البلاد الآن، ضروري، أو أنك ينبغي أن تغسل يديك باستمرار، من فضلك تحقق بإمعان كما يحلو لك، لكن لا ترفض الاستماع للنصيحة الجيدة. يجب أن نكافح لكي نصبح حذرين، لكن الحذر يكون نافعًا فقط إذا ساعدنا في البقاء منفتحين على المعلومات القيّمة.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق