كاب إكس| ما تأثير فيروس كورونا على ثقة قطاع الأعمال حول العالم؟ وكيف سيبدو المستقبل؟


٠١ أبريل ٢٠٢٠

ترجمة - شهاب ممدوح

تقترب أزمة "كوفيد19" من وصول ذروتها الاقتصادية. معظم الاقتصاديات الغربية باتت مغلقة بشكل كبير. وتشهد أسواق الأسهم هبوطًا حادًا منذ أسابيع، وربما تواجه مزيدًا من الهبوط في المستقبل. تشعر الشركات بصدمة وهي الآن تكافح لحماية ما تبقى عبر تقليل التزاماتها في جميع المجالات. لكن هذ الرد الغريزي - أي المحافظة على الوضع الراهن عبر تقليل المخاطر وتوفير المال النقدي - ربما يكون أسوأ شيء يمكن فعله.

لنفكر في حالة التباين بين القطاعين الخاص والعام. نظرت حكومات العالم المتقدم إلى التحدي الذي يمثله "كوفيد19" وقررت استخدام مواردها المالية. وتشير تقديرات إلى أن المحفّزات المالية التي جرى الاتفاق عليها بلغت 4 تريليونات دولار حتى الآن، لكن من المتوقع ارتفاع هذا الرقم. إن هذه المحفزات تعد أكبر عملية إنفاق حكومية منذ الحرب العالمية الثانية.

هذا ما كان ليحدث إذا لم يذهب الاقتصاد الخاص في الاتجاه المعاكس. هناك استثناءات، مثل خطة شركة أمازون المزعومة لتوظيف 100 ألف موظف جديد، لكن معظم الشركات تقلّص أعمالها: إغلاق المصانع والمكاتب، وإغلاق سلاسل التجزئة، وتقليل حجم شبكات التوزيع.

تخيلوا المكان الذي يجلس فيه فريق إدارة الأزمات في شركة كبيرة اليوم. تمتلك معظم الشركات الكبيرة بالفعل هيكل فريق وبرتوكولات كجزء من تخطيطها الروتيني للتعافي من الكوارث. وتجري هذه الشركات عمليات محاكاة لانتشار الأوبئة، فضلًا عن كوارث أخرى مثل هجمات إرهابية تشمل هجومًا بقنابل قذرة، وحوادث نووية، وإطلاق مواد بكتيرية، وطقس سيء. ربما يكون لديهم ملفات نفسية تتعلق بطريقة رد الموظفين المحتمل، وخرائط صمود توضح مدى قوة أو ضعف شركائهم الآخرين. وسيكون لديهم قادة أزمة محددين (عادة ليس الرئيس التنفيذي الذي من المرجح أن يُكلف بمهمة إدارة ما تبقى من العمل المعتاد)، وفرق الخط الأمامي المكلفة بإرسال بيانات لمكتب إدارة الأزمة.

غير أن الشيء الأهم الذي كانت تحتاجه فرق الأزمات في الأسابيع القليلة الماضية كان مفقودًا، وهذا الشيء المفقود هو المعلومات. إن قائمة المجاهيل المعلومة كانت طويلة للغاية. ما المعدل الحقيقي للوفيات لكوفيد19؟ ما معدل انتقال العدوى؟ إلى متى سيستمر الوباء. وأين سيظهر في المرة المقبلة؟ وما توجيهات وسياسات الحكومة اليوم؟ وماذا ستكون غدا؟ في ظل دوامة عدم اليقين هذه، سيكون الميل نحول التصرف بسرعة وبطريقة دفاعية قويًّا للغاية.

تظهر البيانات الموثقة أن الشركات بدأت بالفعل في القيام بهذا. انخفض "مؤشر مديري المشتريات" الذي يقيس نوايا الإنفاق في اقتصاد الشركات، والذي يعدّ مؤشرًا جيدًا للأنشطة التجارية المستقبلية، إلى أدنى مستوياته في أوروبا والولايات المتحدة. وهذه القراءات مبنية على بيانات جرى جمعها قبل أن تشتد قبضة فيروس "كوفيد19" بالكامل على العالم.

عمليًّا، باتت الأعمال التجارية قصيرة المدى للغاية، وتبخرت الثقة طويلة الأمد. المال النقدي هو كل شيء، وفي غضون هذا يجرى تعليق الموازنات التي لم تُخصص بعد، كما جرى تأجيل المشاريع والتوظيف والإنفاق المالي لأنه وبسبب حالة عدم اليقين الشديدة، فإن أي شيء يتجاوز نهاية الشهر يمثّل خطرًا.

ستقول الشركات إن هذا هو الوضع الذي يجب أن تكون عليه، لأنه ليست لديها فكرة عن مستوى إيراداتها في المستقبل. لكن هل هذا ما يجب أن تكون عليه الشركات؟ هناك أدلة على أن الشركات التي تواجه هبوطًا في نشاطها بسبب تقليصها الشديد والسريع لاستثماراتها ومواهبها ومشاريعها الجديدة ربما لن تبلي بلاءً حسنًا عندما يتعافى الاقتصاد. ربما لن تبقى هذه الشركات حتى على قيد الحياة أصلًا.

منذ بضع سنوات، درست كلية هارفارد لإدارة الأعمال الطريقة التي تعاملت بها الشركات مع عدة أزمات، من بينها حالات الكساد في الثمانينيات والتسعينيات، وأزمة الـ "دوت كوم" في عام 2000 والأزمة المالية العالمية. قاس البحث كيف غيّرت الشركات استراتيجياتها الاستثمارية، وعمليات توظيفها وتمويلها. إجمالًا، جرى عمل سجل تاريخي لنحو 4 آلاف شركة وفقًا لردود أفعالها على الكساد (تذكروا أن المملكة المتحدة وبقية أوروبا والولايات المتحدة باتت الآن تقريبًا في أوضاع كساد، غير أن الكساد التقني لن يُعلن عنه إلا بعد جمع بيانات فصلين متتاليين).

في دراسة جامعة هارفادر، قُسِّمت الشركات لفئات وفقًا لشكل الإجراءات الدفاعية التي اتخذتها أثناء الركود وبعده. قللت الشركات ذات الإجراءات الأكثر دفاعية التكاليف أسرع وأعمق أثناء الركود، وتمسكت بهذه الاستراتيجية لوقت أطول، وكانت هذه الشركات هي الأقل احتمالًا في النجاح أثناء فترة التعافي. بعض الشركات نجحت، لكن نحو 75 بالمائة من الشركات التي تتبع استراتيجيات دفاعية محضة لم تُبلِ بلاءً حسنًا من ناحية الأداء المالي أو المبيعات أو نمو العائدات، مقارنةً مع المعدل المتوسط.

لنأخذ مثالًا على هذا، وهو شركة "سوني" اليابانية العملاقة للإلكترونيات. كانت هذه الشركة يومًا ما رائدة في مجال الأجهزة الإلكترونية الشخصية في العالم، كانت منتجاتها مرغوبة ومبتكرة وجميلة الصنع (مَن منا لم يرغب في الحصول على جهاز "Walkman" عندما ظهرت جديدًا في الأسواق؟). كانت منتجات "سوني" البراقة أغلى وأكثر ربحًا من منتجات منافسيها.

أما اليوم؟ ليس كثيرًا. ماتزال "سوني" شركة مهمة، خصوصًا لأن "سوني بلاي ستايشن" هي أنجح منصّة لألعاب الفيديو في العالم، ولكن لم يعد هناك أجهزة Walkman في الأسواق. كما أن هواتف سوني الذكية لا تثير حماسة الناس بشكل كبير، وتكافح كاميرات سوني لجذب الانتباه، ولم تعد حواسيب سوني هي أول ما يفكر فيه المستهلكون.. ماذا حدث؟!

أثناء الأزمة المالية العالمية، كانت سوني من بين الشركات التي قلصت نشاطها بشكل كبير، وأغلقت مصانعها وسرّحت 16 ألف من موظفيها، وأجلت الاستثمارات. كان ذلك تكرارًا لاستراتيجية الشركة عقب أزمة "الدوت كوم" في وقت سابق، عندما تم إجراء تقليص حاد في قوة العمل والبحث والتطوير والاستثمارات الرأسمالية. حقق ذلك التقليص الحاد هدفه المقصود وهو تحسين هامش الأرباح فورًا، لكن كان له أثر غير مقصود تمثل في تقليل نمو المبيعات بصورة هائلة (من 11 إلى 1 بالمائة في حالة التباطؤ الاقتصادي عام 2000).

إن السبب وراء فشل الاستراتيجيات الدفاعية المحضة في تحقيق نتائج إيجابية هو مسألة محل نقاش. يوضح باحثو جامعة هارفارد أن السبب ربما يعود إلى أنه عندما يكون تخفيض التكاليف هو الشيء الوحيد الذي تفعله شركة ما، تترسخ حالة تشاؤم منهجية يصعب التخلص منها.

يصبح تقليل التعرض للمخاطر هو الاستراتيجية الأساسية، بغض النظر عما إذا كانت المخاطر تستحق الخوض فيها.    
  
إن الحديث عن الاستثمار والابتكار والإبداع وسط أكبر أزمة صحية عامة منذ قرن، ربما يبدو أمرًا منفرًا، لكن التجربة تشير إلى أن التخطيط للتعافي يكون عادة الجزء الأضعف لأي أزمة أو استراتيجية صمود، وكثيرًا ما يُترك لوقت متأخر للغاية. عندما يركز الجميع على المشاكل والحلول العملية، من بينها نهج "السلامة أولًا" فيما يخص الأعمال التجارية والحياة، فقد يكون من الصعب تذكّر أن الأداء الحقيقي نادرًا ما يولّد تشاؤمًا شديدًا. 

إن التعافي يتطلب رؤية واستعدادًا لتقبّل المخاطر، ولا شك أن الشركات غير الراغبة في المراهنة على المستقبل المحتمل ربما تدفع ثمنًا باهظًا في المستقبل الحقيقي.     


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق