ذا هيل| جائحة كورونا تشعل حرب هيمنة ناعمة بين الولايات المتحدة والصين


٠٥ أبريل ٢٠٢٠

ترجمة - شهاب ممدوح

تخوض الولايات المتحدة والصين الآن حربًا للفوز بدور القوة الناعمة المهيمنة في العالم. لحسن الحظ، لا يستخدم البلدان الرصاص - أو حتى الرسوم الجمركية - في هذه الحرب. لكن الأكيد هو أن هناك حربًا تجري على قدم وساق. في الوقت الذي أُصيب فيه ما يزيد على مليون إنسان بفيروس "كوفيد19" ووفاة نحو 50 ألف على مستوى العالم، تخوض الولايات المتحدة والصين حرب علاقات عامة حول الجهة التي تتحمل مسئولية انتشار المرض.

في الولايات المتحدة، تفيد تقارير أن وزير الخارجية "مايك بومبيو" أصرّ على أن قرار مجلس الأمن الدولي ينبغي أن يتضمّن نصًا يذكر أن الفيروس نشأ في الصين وتاريخ ظهوره. يتنافس أعضاء مجلس شيوخ جمهوريون مع بعضهم لإظهار مَن هو الأكثر تشددّا في إلقاء اللوم على الصين، مع دعوات لـ "جعل الصين تدفع الثمن". كما لم يتخلّ الرئيس ترامب عن وصف الفيروس بـ "الفيروس الصيني" إلا مؤخرًا.

في غضون هذا، تعمل الصين على الترويج لنظريات مؤامرة على الساحة الدولية لإلقاء ظلال من الشك على مصدر "كوفيد19"، وعلى الساحة المحلية، تفيد وسائل إعلام حكومية أن حالات الإصابة جرى تقليلها إلى الصفر. هذا بالرغم من حقيقة أن الصين لا تضع في الحسبان الحالات التي بدون أعراض في حصيلتها الرسمية للإصابات، ما يثير شكوكًا بشأن مصداقية مزاعم الصين بشأن عدم تسجيل حالات إصابة محلية جديدة. علاوة على هذا، أصبحت الصين، بدوافع خيرية أو العكس، خزينة دواء العالم، ناقلة عبر الجو معدات ضرورية للغاية لدول تكافح فيروس كورونا، مثل إيطاليا وفرنسا بطريقة تذكّرنا بزمن حرب.

اتخذت بكين في الثامن والعشرين من مارس قرارًا بحظر دخول الأجانب إلى أراضيها، وهي خطوة لافتة من دولة تزعم هزيمتها للفيروس. من الناحية الظاهرية، تحرّكت بكين لقطع مصدر حالات انتقال جديدة للفيروس، غير أن إغلاق الحدود هو إشارة من الصين بأن الأجانب هم سبب الحالات الجديدة، بالرغم من تصريح وزارة الخارجية الصينية في الرابع والعشرين من مارس أن 90 بالمائة من الحالات المصابة القادمة للصين تعود لأشخاص يحملون جوازات سفر صينية.

إن الإجراء الصارم بإغلاق الحدود يوضح أن المسئولين الصينيين قلقون للغاية بشأن ظهور موجة جديدة من الإصابات. حتى الأسبوع الأخير من شهر مارس، صنّفت بكين حاملي الفيروس الذين لا تظهر عليه الأعراض بأنهم حالات غير مؤكدة، حتى لا تغرق مؤسساتها الطبية بأشخاص لا يحتاجون رعاية طبية عاجلة. لكن مع عودة نحو 75 مليون شخص لأعمالهم في مدن مثل شنغهاي وشينزين -بعد تصديقهم لدعاية الحكومة بأن كل شيء على ما يرام - فإنه من المؤكد حدوث حالات انتقال عدوى في الداخل الصيني.

على المدى القريب، يهدف الحزب الشيوعي لتحقيق عدة إنجازات، أبرزها عقد الاجتماع السنوي للمؤتمر الوطني الشعبي. يُوصف هذا المؤتمر بـ "الجلستين"، وهو أبرز حدث سياسي في العام. يُجري مسئولو الحزب الشيوعي استعدادات لاستضافة المؤتمر- ربما في مطلع شهر مايو- بعد تأجيله عدة أشهر. سيُعقد هذا المؤتمر وسط ظروف استثنائية، لكن بكين مصممة على إرسال رسالة لقواعدها الشعبية مفادها أن الحكومة تؤدي كامل مهامها. وبالمثل، يأمل مسئولون صينيون في مساعدة المصدّرين الصينيين الذين يعانون عبر استضافة معرض "كانتون" في مدينة "غوانغزو". لكن نظرًا لتوقف حركة السفر الدولية وفرض حظر على دخول الأجانب للبلاد، ستحتاج المصانع الصينية لإيجاد مصادر جديدة للأعمال التجارية.

في ظل الأزمة التي يعيشها اقتصادها، تجد بكين اليوم نفسها في وضع يجبرها على مضاعفة حملاتها الدعائية لحشد التأييد الوطني في الداخل، والترويج لنجاح برنامجها للحجر الصحي في الخارج.

إن حصول موجة إصابة جديدة بالفيروس سيوجّه ضربة شديدة لرسالة بكين أن الصين باتت مفتوحة للأعمال التجارية مجددًا، رغم أن البلد لا يزال مشغولًا في إحصاء التكاليف الاقتصادية والاجتماعية لعملية الإغلاق التي خضعت لها البلاد لمدة شهرين. ولعل الأهم من ذلك، أن أي موجة ثانية للإصابات قد تشكك في فاعلية النهج المتدرج من الأعلى للأسفل الذي يعتمد عليه الحزب الشيوعي في إدارة الأزمات، ناهيك عما سيشكله هذا من اختبار لصبر الشعب الصيني.

لقد أدّى تفشي فيروس "كوفيد19" لتسليط الضوء على المسار المدمّر الذي تتجه نحوه العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة والصين. بعد مرور شهر على تفشي الفيروس في الولايات المتحدة، لم تطلب واشنطن رسميًّا بعد مساعدة من الصين، بالرغم من عروض الصين لتقديم إمدادات طبية مهمة. بمجرد أن تهدأ الأوضاع، ستستخدم إدارة ترامب الأوامر التنفيذية للضغط على الشركات الطبية الأمريكية لسحب استثماراتها من الصين، بينما ستضاعف بكين من استثماراتها في مبادرة "الحزام والطريق".

السؤال الحقيقي الآن هو كيف ستتعاطى بقية دول العالم مع صراع القوة الناعمة بين واشنطن وبكين؟

مع تفاقم تفشي فيروس كورونا في الولايات المتحدة، كسبت الصين ميزة استراتيجية. وخلافًا لمعظم الحروب التقليدية، ربما لن يكون هناك رابح واضح في هذه المعركة، على الأقل في الوقت الراهن.    
 


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق