إندبندنت| رغم ظهور كورونا بنفس التوقيت.. لماذا تضرر الاقتصاد الأمريكي أكثر من كوريا الجنوبية؟


٠٦ أبريل ٢٠٢٠

ترجمة - شهاب ممدوح

من الصعب المبالغة في تقدير مدى سوء الأخبار المتعلقة بالوظائف في الأيام الثمانية الماضية، حيث أفادت تقارير صادمة يوم الخميس أن 6.6 ملايين أمريكي تقدموا بطلبات إعانة بطالة الأسبوع الماضي، ما يضاعف عدد 3.3 مليون عاطل أمريكي جرى تسجيلهم الخميس الماضي. وتشير تلك الأرقام إلى أن عدد الوظائف التي خسرناها في ثلاثة أسابيع يساوي عدد تلك التي خسرناها في فترة الكساد العظيم في الفترة بين 2007-2009.

والأمر سيزداد سوءًا، بل وسيتفاقم. مع توقع صدور تقرير وظائف شهر مارس يوم الجمعة المقبل، فإن الأرقام الرئيسية لن تبدأ حتى في إعطائنا صورة واضحة عن حجم الضرر. إن معدل البطالة والتقديرات الخاصة بخلق الوظائف شهريًّا تستند إلى دراستين استقصائيتين أُجريتا في الأسبوع المنتهي في 12 مارس، أي قبل أسبوع من اشتداد أزمة الفيروس وقبل إغلاق معظم الولايات المتحدة لمكافحة تفشي كورونا.

وهناك أيضا 10 ملايين وظيفة فُقدت، بالإضافة إلى  6 ملايين شخص قالت وزارة العمل إنهم كانوا عاطلين عن العمل في فبراير، مقسومًا على 165 مليون أمريكي في قوة العمل، يعني أن معدل البطالة في إبريل من المرجح أن يكون حوالي 9.9 بالمائة أو 10 بالمائة. هذا فضلًا عن الوظائف التي تمت إضافتها في محلات السوبر ماركت وقطاع تقديم الخدمات، والأشخاص الذين فقدوا وظائفهم لكنهم لم يسجلوا أسماءهم كعاطلين عن العمل. هذه هي الأرقام التي نبحث عنها.   

أسبوع واحد آخر مثل الأسبوعين الماضيين - نتحدث هنا عن رقم يتراوح بين 3.3 ملايين و6.6 ملايين - سيدفع معدل البطالة لشهر إبريل إلى 12.1 بالمائة، أو 13 بالمائة، في حال كانت الأرقام أقرب إلى أرقام هذه الأسبوع. في عام 2009، لم يتجاوز معدل البطالة نسبة 10 بالمائة، كما أن صافي عدد الوظائف المفقودة والبالغ 8.7 ملايين استغرق سنتين تقريبًا لكي يتحقق. في الواقع، يتضمن موقع مكتب إحصائيات العمل على الإنترنت بيانات تعود لعام 1948، ووفقًا لهذه البيانات لم يتجاوز معدل البطالة مطلقًا نسبة 10.8 بالمائة التي جرى تسجيلها عام 1982. حتى أثناء فترة الكساد، لم يتجاوز معدل البطالة نسبة 10 بالمائة حتى عام 1931.

كتبت "هايدي شيرولتز"، مديرة معهد السياسة الاقتصادية على موقع تويتر: "هذا الرسم البياني يرسم صورة كارثية"، مضيفة "لقد قضيت العشرين سنة الماضية في دراسة سوق العمل، ولم أرَ مطلقًا شيئًا كهذا. إن طلبات التأمين ضد البطالة في الأسبوعين الماضيين مذهلة حقا".

سنسمع الكثير من الحديث حول فترات الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات مع ترشح دونالد ترامب لإعادة انتخابه، لكن هذا لا يعود فقط إلى أن الرئيس ومرشح الحزب الديمقراطي المفترض "جون بايدن" وُلدا في الأربعينيات. سنسمع بالتأكيد الكثير من المقارنات بين ترامب و"هيربرت هوفر". لكن الأهم من ذلك أننا سنسمع الكثير عن الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، وكيف تعاملت كل منهما مع ظهور فيروس كورونا. لكن هذه المقارنة لن تكون في صالح الرئيس. اكتشفت الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية أول حالة مصابة بفيروس كورونا لديها في اليوم ذاته: العشرين من يناير. لكن ردودهما ونتائجهما مختلفة كثيرًا.    

في كوريا الجنوبية، أفادت وكالة رويترز أن الحكومة استدعت جميع مُصنّعي الاختبارات في البلاد لحضور اجتماع في السابع والعشرين من يناير، وطالبتهم بتطوير اختبار للفيروس فورًا. صادقت جهات تنظيمية حكومية على التصميم الفائز في الرابع من فبراير وجرى شحن الاختبارات في غضون أيام. أصبح ذلك العمود الفقري لبرنامج الاختبارات الصارم، بالإضافة إلى تتبع مخالطي الأشخاص الذين تأكد إصابتهم بالفيروس في الأيام الأولى للوباء، حتى يجري عزلهم قبل إصابة أصدقائهم وعائلاتهم وجيرانهم والمارّة العشوائيين.

في الولايات المتحدة، طوّرت مؤسسة "مراكز السيطرة على الأمراض" اختبارها الخاص، والذي لم يعمل، ما حرمنا من استراتيجية فعّالة وشاملة للاختبار حتى منتصف مارس. بحلول ذلك الوقت، كانت حرائق الغابات متواصلة، وحتى الآن ما تزال الاختبارات في الولايات المتحدة غير منتظمة. أنا أعلم هذا. فأنا أكتب هذه المقالة من مكان عزلي، لأنني من المفترض مصاب بفيروس كورونا بناءً على أعراضي التي ظهرت - أُصبت بحمى يوم السبت، صاحبها احتقان في الصدر وضيق في التنفس. وجميع هذه الأعراض خفيفة في حالتي، ولهذا السبب أنا لم أجر اختبارًا للفيروس. هذا فضلًا عن نصيحة طبيبي الذي أخبرني أن غرفة ضيافتي أكثر أمانًا من غرفة الانتظار في عيادته.

في غضون هذا، قضى ترامب شهرين وهو يقلل من خطورة هذه المشكلة، قائلاً إنها مشكلة سوق أسهم أو خديعة من الحزب الديمقراطي. وأن الطقس الدافئ أو معجزة ستحل المشكلة.

لا، الاختبارات هي ما كانت ستحل تلك المشكلة لو كانت جاهزة في وقتها، كما كان الحال في كوريا. كان من الممكن أن تساعد أجهزة التنفس والأقنعة على الأقل في أدارة الأزمة. لكن أمريكا لم يكن لديها تلك الأجهزة أيضًا.

والآن، دعونا نقارن نتائج الرد الصارم مقابل اللامبالاة وإلقاء اللوم على الآخرين.

في كوريا، كان العدد مقتصرًا على 9.976 حالة إصابة و169 حالة وفاة، وفقًا لكلية الطب في جامعة "جونز هوبكينس". وفي الولايات المتحدة، التي يفوق تعداد سكانها ستة أضعاف سكان كوريا تقريبًا، يقترب عدد الحالات من 225 ألفًا وقد زاد هذا العدد بعد تسجيل 25 ألف إصابة يوم الأربعاء. توفي نحو 5.100 أمريكي، ما يمثّل تقريبًا ستة أضعاف مجموع الوفيات في كوريا.

وسيتفاقم الوضع أكثر في أمريكا، كما يعترف ترامب الآن، حيث اتفق هذا الأسبوع وهو مُكره مع تقديرات مستشاريه بأن ما بين 100 إلى 240 ألف أمريكي سيموتون من هذه المشكلة التي حصدت أرواح أقل من 200 كوري. هذا العدد أكبر حتى من عدد الأمريكيين الذين ماتوا في حروب أمريكا في فيتنام، وفي كوريا الجنوبية في مطلع الخمسينيات.

هذا الجزء مألوف بما يكفي. لكن الجزء الذي لم يُسلَّط عليه قدرٌ كافٍ من الضوء هو الضرر الاقتصادي القليل الذي لحق بكوريا بسبب الفيروس. في الواقع، هبط مؤشر "كوسبي" للأسهم بنسبة 8 بالمائة فقط بين 20 يناير و5 مارس، عندما سجلت كوريا أكبر عدد من حالات الإصابة. (عدد الإصابات التي تسجلها كوريا الجنوبية مؤخرًا هو 100 حالة في اليوم). يبلغ معدل البطالة في كوريا الجنوبية 3.3 بالمائة، لأن الاختبار والاحتواء المبكرين للفيروس لم يدفعا كوريا لإغلاق البلاد للمحافظة على سلامة الناس، كما فعل حكّام الولايات الكبيرة في أمريكا بينما كان ترامب يلهو ويشاهد التلفاز.

لكن البيانات الحقيقية لكوريا ليست ورديّة بالكامل - انخفضت مبيعات التجزئة وثقة المستهلكين، وتعمل الشركات على إعادة هيكلة نفسها لتعويض الأرباح المفقودة - لكن هذا لا يُقارن بالضرر الذي لحق بأمريكا، وهذا الأمر سيكون جزءًا من رواية "بايدن" ضد ترامب في حملة الانتخابات هذا الخريف.

بحلول شهر أكتوبر، ستكون الحقائق الأساسية بشأن اقتصاد كوريا الجنوبية معروفة في الولايات المتحدة مثل طعام الـ "كيمتشي"، وستتسبب هذه الحقائق في إصابة الرئيس بعُسر هضم.                
               


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية كورونا في أمريكا

اضف تعليق