سيكولوجي توداي| هل يمكن أن تتسبب التأثيرات النفسية الناجمة عن تفشي كورونا في اندلاع الحروب والثورات؟


٠٦ أبريل ٢٠٢٠

ترجمة - بسام عباس

هل يمكن أن يؤدي الاضطراب العاطفي واسع الانتشار الناتج عن وباء ما إلى سلسلة من العمليات النفسية التي تؤدي حتمًا إلى نزاع مسلح؟

وفقًا لنظرية "كبش الفداء" النفسية، تدفعنا تجربة الصدمات السلبية العميقة إلى العثور على آخرين كي نلومهم. غالبًا ما تبدأ مضايقة كبش الفداء نتيجة لذلك، وتبلغ ذروتها في نهاية المطاف بارتكاب فظائع مثل المحارق والحروب.

كانت جائحة "الموت الأسود" أكبر مهلكة في التاريخ الأوروبي. فقد مات 40% من السكان بين 1347 و1352؛ ولكن الأبحاث الحديثة حول "كبش الفداء" سلطت الضوء أيضًا على الاضطهاد المتزايد لليهود الأوروبيين الذي أعقب ذلك.

البكتيريا التي تسببت في الطاعون الدبلي، أو "الموت الأسود"، هي يرسينيا بيستيس، والتي انتقلت للإنسان عن طريق براغيث الفئران السوداء. وفي غضون أقل من أسبوع، تنتشر البكتيريا من لدغة البراغيث إلى العقد اللمفاوية، وتنتج الدمامل أو الكتل المنتفخة التي يطلق عليها الطاعون الدبلي. وقد تسببت العدوى في وفاة 70٪ من ضحاياها في غضون 10 أيام.

وتوضح الحاجة إلى العثور على عدو يُلام خلال هذه الجائحة، وفقًا لبعض الأبحاث الأكاديمية الجديدة التي نُشرت حديثًا في مجلة "النمو الاقتصادي" الأكاديمية، سبب تعذيب اليهود للاعتراف بأنهم بدأوا الطاعون عن طريق تسميم الآبار.

تشير نتائج الدراسة الجديدة إلى أن الأوبئة قد تشعل العمليات النفسية التي تسبب فظائع أكثر فتكًا في وقت لاحق. فقد أدت جائحة "الموت الأسود" إلى أكبر المذابح التي ارتُكبت ضد اليهود قبل الهولوكوست. غير أن البارانويا الناتجة عن العدوى ربما تكون قد مهّدت الطريق لنوع من معاداة السامية وكبش الفداء التي كانت دعامة الحرب العالمية والمحرقة التي حديث فيما بعد.

ومع ذلك، وجدت هذه الدراسة الجديدة، المنشورة في عام 2019، أيضًا أن "كبش الفداء" لم يكن أمرًا حتميًّا أينما وقع الموت الأسود؛ ما يشير إلى أنه يجب أن تكون هناك طرق لتثبيطها. وقد كشفت هذه الدراسة التي جاءت تحت عنوان: "الصدمات السلبية والاضطهاد الجماعي: أدلة من طاعون الموت الأسود"، أنه كلما ارتفع مستوى الوفيات في مدينة أوروبية من العصور الوسطى، كان من المحتمل أن يُضطهد اليهود هناك لاحقًا.

وقد كشف مؤلفو الدراسة بذلك عن ترياق رئيسي لـ "كبش الفداء" وهو أنه: عندما يقرر الناس أنهم بحاجة إلى بعضهم البعض من أجل البقاء على قيد الحياة في مواجهة تفشي الموت، عندئذٍ يتراجع الاضطهاد. فقد كشفت الدراسة أن نصف المدن التي بها جالية يهودية تعرضت لشكل من أشكال الاضطهاد أثناء فترة تفشي طاعون الموت الأسود. في حين كانت المدن التي عانت من تفشي الطاعون الأكثر حدة أقل عرضة لاضطهاد الجالية اليهودية بها.

وهذا ربما يعكس تأثير مستوى اليأس عند بداية الاضطهاد: والذي يمكن أن يكون مهمًا في توقع تأثير تفشي جائحة فيروس كورونا في دفعنا نحو تأجيج الصراع وربما حتى نشوب الحرب.

وهناك عامل إضافي آخر، وهو أن اليهود كانوا أكثر عرضة للإيذاء في المدن حيث كان سكانها بالفعل أكثر معاداة للسامية أو يميلون إلى الاعتقاد بأن اليهود تسببوا في الطاعون، غير أن المدن التي اضطهدت جاليتها اليهودية أكثر أثناء فترة تفشي الموت الأسود نمت بشكل أبطأ أيضًا في القرون التالية؛ ما يشير إلى أن "كبش الفداء" هي أيضًا استراتيجية اقتصادية غير منتجة بشكل عام. فقد كان اليهود أقل عرضة لسوء المعاملة – على الرغم من ارتفاع معدلات الموت بسبب الطاعون – في المدن التي يقدمون فيها خدمات اقتصادية متخصصة، مثل إقراض الأموال أو الخدمات التجارية.

ويخلص مؤلفو الدراسة إلى أن إشراك الأقلية والأغلبية في الأنشطة الاقتصادية التكميلية ربما يكون وسيلة قوية للحد من العنف اللاحق والمتوقع حدوثه بين تلك الجماعات. ولذلك فمن غير المرجح أن نلاحق السكان الأصليين لبلد المنشأ للوباء إذا كنا لا نزال في حاجة إليهم لتوفير أجهزة التنفس الصناعي وأقنعة الوجه وصناعة خطوط الطيران. من ناحية أخرى، إذا اشتبه منظرو المؤامرة في أنهم تسببوا في الوباء؛ لأن هذا يخدم مصالحهم الاقتصادية – بحكم تدميرهم لمصالحنا – عندئذ ربما تصبح الأعمال العدائية المستقبلية أكثر احتمالاً.

تلعب التحيزات المنتشرة والموجودة مسبقًا – سواء كانت ثقافية أو اقتصادية – دورًا كبيرًا ضد "المجموعة الخارجية" قبل إصابة العدوى. وهنا يبدو التوقيت حاسمًا أيضًا؛ فالمدن الأولى التي عانت من العدوى خلال الفترة التي كان فيها المسيحيون أكثر ميلًا لإلقاء اللوم على اليهود لموت المسيح، على سبيل المثال في عيد الفصح، تعرضت أيضًا لمزيد من الاضطهاد. ويبدو أن المسرح مهيأ لمثل هذا العنف عندما توجد تلك التقاليد، كما هو الحال في تولوز في العصور الوسطى، على سبيل المثال، حيث كانت الجالية اليهودية تضطر إلى اختيار أحدها أبنائها كل عام ليتم صفعه على وجهه يوم الجمعة العظيمة.

أيضًا، بحثت دراسة حديثة أخرى بعنوان: "هل الكوارث الطبيعية تعزز الثقة المجتمعية؟" 3799 حدثًا كارثيًا في 105 دول خلال الفترة من 1970 إلى 2000، ووجدت أنه سواء كان الأشخاص مترابطين معًا أم لا في مواجهة انهيار المجتمع فقد كان الأمر متوقعًا بالمثل. وتؤكد الدراسة أنه في حين أن بعض الكوارث التي تحدث بشكل طبيعي– مثل العواصف– يمكن أن يكون لها آثار مدمرة على الإنسان والاقتصاد، ومع ذلك يبدو فإن الفوائد الاجتماعية غير المتوقعة والمحتملة من التعرض للأعاصير تكشف أنه مجتمع أكثر إحكامًا. كذلك يبدو أن بعض الكوارث الطبيعية تتيح الفرصة للمجتمعات للترابط عبر العمل معًا بشكل وثيق لمواجهة التحديات الجماعية.

ومع ذلك، ربما يعتمد ما إذا كان الناس سيتضامنون معًا، بدلًا من التمزق والقتال بين بعضهم البعض، على نوع الكارثة التي يواجهها المجتمع. فالكوارث التي تميل إلى أن يكون لها آثار مختلفة على الأغنياء مقارنة بالفقراء، مثل الفيضانات (المجموعات الأكثر فقرًا عادة ما تكون أكثر تعرضًا)، تؤدي إلى تآكل الشبكات الاجتماعية والثقة فيما بينها. ومن ناحية أخرى، تؤثر بعض أنواع الكوارث – العواصف على سبيل المثال– على الطبقات الاجتماعية دون انتقائية؛ ما يولّد تعاونًا أكبر بين المجتمعات.

تؤكد هذه الدراسة أن الفيضانات تزيد من عدم الثقة في الدولة، بينما تحسن العواصف تلك الثقة.

إلا أن مرضًا معديًا يميل إلى استهداف الناس تاركًا المباني سليمة، ما قد يجعل السكان أكثر جنونًا؛ لأنهم ربما يعتقدون أنهم معرضون لمؤامرة من العدو، وربما حتى لسلاح بيولوجي. وهذا يعني أيضًا أن الأعمال الجماعية، مثل إصلاح الجسور أو دور العبادة أقل احتمالًا لحدوثها، وهي أقل وضوحًا على أي حال، وبالتالي تصبح أعمال التضامن العامة أقل واقعية؛ ما يعني أقل قدر من التماسك الاجتماعي الضروري المشار إليه أعلاه.

فهل الانتشار السريع لظاهرة التصفيق العام لموظفي الرعاية الصحية الذي يحدث في أوقات معينة في جميع أنحاء أوروبا هو مثال جيد على هذه المشكلة؟

يبدو أنه عمل تضامني متحرك، غير أنه ضعيف إلى حد ما. فإذا سُمِحَ للجيران بالترابط مع بعضهم البعض والقيام بشيء أكثر فائدة عمليًا، فربما يؤدي ذلك إلى بناء تضامن المجتمع بشكل أكثر فاعلية وتحصينهم ضد ظاهرة "كبش الفداء". بيد أن التباعد الاجتماعي الشامل له تأثير غير مقصود في منع ذلك.

كما أن التفشي الحالي لأعمال التضامن العشوائية في وسط هذا الوباء يبدو أنه عمل اعتباطي. فهل ينبغي أن تتواجد فرق مكلفة بإنشاء هذه الأنواع من إحداث الترابط بشكل مبتكر في جميع الأماكن، وعبر أنحاء الكوكب، بالنظر إلى تحديات التباعد الاجتماعي؟

ومع ذلك، فإن الدوافع النفسية القوية لظاهرة كبش الفداء قوية لدرجة أن التدخلات الرسمية الخرقاء يمكن أن تزيد الطين بلة. فعلى سبيل المثال، تتهم الصحافة الإيطالية حاليًا روسيا بدس جواسيس عسكريين بين الفرق الطبية التي أرسلتها لمساعدة إيطاليا في مواجهة وباء فيروس كورونا. ويبدو أن الرئيس "فلاديمير بوتين" عرض المساعدة خلال مكالمة هاتفية مع رئيس الوزراء "جوزيبي كونتي". ثم أرسلت موسكو تسع طائرات وأكثر من 100 خبير بالإضافة إلى إمدادات طبية إلى مدينة ميلانو.

بيد أن مصادر إيطالية زعمت أن 80% من المساعدة كانت عديمة الفائدة. لذلك، بدا التسليم وكأنه "ذريعة". وبدلًا من ذلك، هناك مزاعم بأن كتيبة المساعدة الروسية التي بلغ قوامها 104 أفراد، وأرسلتها موسكو إلى روما، كان من ضمنها جواسيس تابعون لجهاز الاستخبارات الروسي.

وفي المقابل، نشرت السفارة الروسية في روما تغريدة للتنديد بالصحافة الإيطالية بسبب "الأخبار المزيفة المناهضة لروسيا". وبينما تتصاعد الحرب الكلامية بين إيطاليا وروسيا، فهي تعطي سببًا آخر لأن يكون لقادتنا مصلحة نفسية قوية للغاية في تشجيع عملية "كبش الفداء".

تاريخيًّا، شجع السياسيون بشكل إيجابي عملية "كبش الفداء" لأنه يساعد على تشتيت الناخبين بعيدًا عن إلقاء اللوم على حكومتهم في حالة الفوضى التي تسببها جائحة ما. وبدلاً من ذلك، ينتج عن "كبش الفداء" بيئة غنية لاستهداف الأعداء الخارجيين. وهذا الارتباك يشتت الانتباه بشكل ملائم بعيدًا عن العدو الداخلي، وهو عدم كفاءة إدارتنا.

إن الفيروس يغزو خلايانا ويستحوذ عليها لإعادة إنتاج نفسه وانتشاره. لكن نفسية الوباء تتعلق بمدى تأثير العواطف القوية وتحويلها لإشعال الحروب والمذابح التي تدمر بعد ذلك أكثر مما يدمره المرض. لكن الدراسة التي ذكرناها هنا توضح أن هناك طريقة لفهم التاريخ حتى نتمكن من تحصين أنفسنا من خطر تكراره.

كم من الوقت يلزم قبل تحول التوترات المتزايدة بين المجتمعات والحكومات– إذا لم يتم كبحها عن طريق الحقن السريع للقاح عقلي يعزز العمل الجماعي كحلٍ أفضل –  إلى صراع مسلح؟


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق