آسيان بوست| لماذا تخسر الولايات المتحدة معركتها في مواجهة فيروس كورونا؟


١٣ أبريل ٢٠٢٠

ترجمة - شهاب ممدوح

إن سلوك "راند بول" عضو مجلس الشيوخ عن ولاية "كنتاكي" في الأسبوع الماضي، هو تجسيد لرد أمريكا الخاطئ في مواجهة فيروس "كوفيد19". يعاني "بول" من مرض في رئته، لهذا قرر من منطلق الحرص الزائد أنه ينبغي أن يجري اختبارًا خاصًا بفيروس كورونا، ومنذ إجرائه الاختبار حتى موعد تأكد إصابته بالفيروس بعد ستة أيام لاحقًا، لم يفعل "بول" أي شيء لحماية المحيطين به. على النقيض من هذا، التقى بأعضاء مجلس شيوخ آخرين، وشارك في التصويت داخل غرفة مجلس الشيوخ، ومارس لعبة الغولف في نادٍ خاص، حتى أنه سبح في حوض سباحة مجلس الشيوخ.

في البلدان التي احتوت تفشي فيروس كورونا، لم يتم التسامح مع مثل هذا السلوك، حتى أن ذلك كان يمكن أن يؤدي لسجن "راند بول". بوصفه طبيب (عيون)، كان يتعيّن على "بول" أكثر من غيره، أن يعرف أنه لو كان قلقًا بما يكفي من "كوفيد19" ما جعله يجري اختبارًا له، وكان يجب عليه أيضا أن يكون قلقًا بنفس القدر بشأن الخطر الذي كان يمثله على الآخرين.

إن احتواء انتقال مرض مُعدٍ يتطلب إجراءً صارمًا، لا سيما مرض معدٍ مثل كوفيد19، كما أن الإجراءات الدفاعية، مثل إغلاق الأعمال التجارية أو التباعد الاجتماعي تكون فعّالة فقط في حال اقترنت بجهود صارمة ومنظمة لاستباق انتشار المرض.

في سنغافورة وكوريا الجنوبية ودول أخرى تمكنت من الحدّ من انتشار الفيروس، اتبعت سلطات الصحة العامة عملية بسيطة: أولاً، سمحت الاختبارات واسعة النطاق بالتعرف على المصابين حتى قبل ظهور الأعراض (وهو ما لا يفعله كثيرون). ثانيًا، تمكّنت هذه السلطات عبر تتبّع مخالطي المصاب من التعرف على جميع الأشخاص الذين تواصل معهم المصاب. وأخيرًا، خضع جميع الأشخاص الذين اكتُشفت إصابتهم بالفيروس لحجر صحي مدته 14 يومًا.

لم تنجح هذه العملية فقط في احتواء تفشي الفيروس، لكنها جنّبت هذه البلدان إجراءات الإغلاق التام التي حدثت في أماكن أخرى. إن النجاح في مواجهة الفيروس يكمن في اتباع نهج صارم يتضمن إجراء اختبارات جماعية، وتتبّع مخالطي المصابين، والحجر الصحي الانتقائي، وجمعيها إجراءات فشلت الولايات المتحدة في اتخاذها.

في سنغافورة، اللحظة التي تتأكد فيها إصابة شخص بالفيروس، تنشر السلطات فريقًا مهمته تتبّع الأشخاص الذين تواصلوا مع المصاب. يجلس شخص ما مع المريض لساعات يسأله عن الأماكن التي زارها والأشخاص الذين التقاهم في الأيام السابقة. بينما يتتبع آخرون أسماء الأشخاص وأرقام الهواتف والعناوين وأي شيء آخر يمكن أن يفصح عنه المريض قد يساعد أعضاء الفريق في التعرّف على حالات مصابة بالفيروس.

ثم يرسل الفريق استنتاجاته لوزارة الصحة التي تتأكد من هذه المعلومات عبر اتصالات هاتفية وصور الدوائر التلفزيونية المغلقة وأعمال التقصّي التقليدية، مثل مراجعة إيصالات محلات التجزئة أو فحص تطبيقات النقل الخاص للعثور على السائقين والركاب الذين ربما تواصلوا مع المريض.

بمجرد معرفة المخالطين المحتملين للمريض، يتلقى الجميع مكالمة هاتفية، كما أن الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة بالفيروس، يُجبرون - ولا يُطلب منهم - على حجر أنفسهم صحيًّا لمدة 14 يومًا. اعتمادًا على مدى قُرب التواصل بين المُخالط والمصاب، يُنقل البعض لمكان حجر آمن، بينما قد يُسمح لآخرين بالبقاء في بيوتهم.

في مطلع هذا الشهر، عاد صديق حميم من أوروبا إلى شنغهاي وعاش تجربة الحجر الصحي. بعد ثلاثة أيام من وصوله إلى الصين، تلقى مكالمات هاتفية من الشرطة ومركز بلدية شنغهاي للسيطرة على الأمراض والوقاية منها، ومركز الحي للسيطرة على الأمراض والوقاية منها، يخبرونه فيها أن راكبًا في رحلته الجوية تأكدت إصابته بالفيروس. وضعت السلطات صديقي وزوجته في حجر صحي خاضع لرقابة في فندق جرى تحويله لهذا الغرض. عاش الزوجان في غرفتين منفصلتين، وتلقيا ثلاث وجبات يوميًّا (بالإضافة إلى تسهيلات أخرى)، ومُنعا من المغادرة إلا بعد مرور 14 يومًا منذ بداية اختلاطهما بالمصاب على رحلتهما.

في الصين يُراقب الحجر الصحي عبر تطبيق. يتلقى الجميع رمز استجابة سريع يظهر حالتهم - لون أخضر لو شُفيت من الإصابة، ولون أصفر لو تم الطلب منك البقاء في المنزل، ولون أحمر لو كنت خاضع لحجر صحي. لو كنت تتجول في الشوارع وظهر اللون الأحمر على رمز استجابتك، ستُنقل فورًا إلى الحجر الصحي، أو تدفع غرامة أو تدخل السجن.

ذهبت سنغافورة أبعد فيما يتعلق بتطبيق هذه التقنية، إذ أطلقت تطبيقًا جديدًا اسمه TraceTogether يمكن للناس تحميلة لمساعدتهم على حماية أنفسهم والمحيطين بهم. لو اقترب أحد مستخدمي التطبيق بمسافة مترين من شخص تأكدت إصابته، فإن التطبيق يُبلغ المستخدم فورًا بالخطر.

منذ أواخر شهر يناير، عندما أعلنت سنغافورة عن أول حالة مصابة بـ "كوفيد19"، جرى التعرّف على أكثر من 6 آلاف شخص عبر تتبّع الأشخاص الذين خالطوهم، ووُضع هؤلاء الأشخاص في عزل وحجر صحي. وبفضل هذه الجهود، جرى احتواء الإصابات ولم تشهد المشافي ارتفاعًا كبيرًا في أعداد المصابين الجدد، وتوفي ثلاثة أشخاص فقط بهذا المرض.

على النقيض من هذا، وبالرغم من امتلاك الولايات المتحدة العديد من هذه الوسائل، غير أنها فشلت في استخدامها بفاعلية. درّبت مؤسسة "مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها" ما يزيد على 3.600 محققي أمراض ماهرين في التعرّف على المصابين، وتتبع تاريخ اتصالاتهم، والتقليل من خطر الفيروس على المجتمع. لكنهم كانوا عاجزين عن أداء وظيفتهم بسبب الفشل المبكر في إجراء الاختبارات، وهي مشكلة لم تُحل بعد.

إن تتبّع الأشخاص المخالطين للمصاب هو عملية مكلّفة وتستهلك الوقت حتى في أفضل الأوقات، عندما يكون انتشار المرض ما يزال محدودًا. لكن هذه العملية تصبح مستحيلة تقريبًا لوجستيًّا عندما ينتشر الفيروس على نطاق واسع من دون اكتشافه بسبب نقص الاختبارات.

لكننا لا يجب أن نسمح بمواصلة هذا الفشل. الآن أصبحت الاختبارات متوفرة للمزيد من الأمريكيين، وما يزال ممكنًا أن تساعدنا الاختبارات واسعة النطاق، فضلًا عن تتبّع مخالطي المصاب وعمليات الحجر الانتقائية، في وضع تفشي هذا الفيروس تحت السيطرة مجددًا. وكما قال "راند بول" دفاعًا عن سلوكه المستهتر: "أمريكا قوية. ونحن شعب صامد، لكننا نكون أقوياء عندما نتحد مع بعضنا ونتصرف بمسئولية".  


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق