مودرن دبلوماسي| تأثير جائحة كوفيد 19 على الهيكل الاقتصادي العالمي


٢٣ أبريل ٢٠٢٠

ترجمة - شهاب ممدوح

أدّى تفشّي جائحة كوفيد 19 في جميع أنحاء العالم إلى الإخلال بالهياكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية والمالية للعالم بأكمله؛ حيث باتت أكبر اقتصاديات العالم في الولايات المتحدة والصين والمملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا وإيطاليا واليابان على حافة الانهيار. بالإضافة إلى هذا، تلقت أسواق الأسهم حول العالم ضربة قوية وانهيارات أسعار النفط. في خلال أسبوع واحد، ليس ذلك فحسب؛ بل تقدم 3.3 مليون أمريكي بطلبات للحصول على إعانات بطالة، ولاحقًا بعد أسبوع بدأ 6.6 مليون أمريكي آخر البحث عن وظائف. كما حذر عدد من خبراء المال والاقتصاد من تفاقم وضع الهيكل الاقتصادي والمالي العالمي، من بينهم "كريستالينا جورجيفا"، مديرة صندوق النقد الدولي، التي حذرت من حصول "كساد لا يقل سوءًا عن الكساد الذي شهده العالم أثناء الأزمة المالية العالمية، أو أسوأ". علاوة على هذا، يلحق كوفيد 19 ضررًا بالاقتصاد العالمي لأن العالم يشهد أصعب وضع اقتصادي منذ الحرب العالمية الثانية. إن التكلفة البشرية لجائحة كورونا لا يمكن تقديرها، وبالتالي ينبغي لجميع دول العالم أن تتعاون وتنسق مع بعضها لحماية البشر والحدّ من الأضرار الاقتصادية. على سبيل المثال، قلّص

الإغلاق العديد من الأعمال التجارية، مثل السفر، لاحتواء الفيروس، وبهذا توقفت الأعمال التجارية فجأة حول العالم.

وفي ضوء هذا الوضع المتردّي، دعت دول مجموعة العشرين لاجتماع طارئ لمناقشة الأوضاع المتدهورة ولإعداد استراتيجية لمكافحة الجائحة بهدف تقليل الخسائر، ويتسارع تفشي الجائحة وهذا يتسبب في المزيد من الأضرار الاقتصادية. وذكر مسئول في البنك الفيدرالي الأمريكي أن معدل البطالة في الولايات المتحدة سيصل إلى 30 بالمائة وأن اقتصادها سينكمش إلى النصف. أما بالنسبة لوظائف الناس العاديين، هناك خطر حقيقي من خسارة هؤلاء لوظائفهم لأنه مع إغلاق الشركات لأعمالها، ستعجز هذه الشركات عن دفع رواتب عمالها، ما سيدفعها في نهاية المطاف لتسريحهم. وفيما يتعلق بسوق الأسهم، فقد تضررت للغاية من كوفيد 19، مثل سوق الأسهم في الولايات المتحدة التي انخفضت بمعدل 30 بالمائة. وعند النظر إلى أوضاع العديد من الأعمال التجارية، سنجد أن معظم المستثمرين سحبوا 83 مليار دولار بالفعل من الأسواق الناشئة منذ تفشي الجائحة. لهذا، فقد كان تأثيرها شديدًا على الهيكل الاقتصادي العالمي وذلك لأن الناس لا ينفقون المال، ما يعني أن الشركات لا تحصل على عوائد، وبالتالي تغلق معظم الأعمال التجارية أبوابها.

من الملاحظ أيضًا أن التعافي الاقتصادي من هذا المرض القاتل لن يتحقق إلا في عام 2021 لأن الجائحة تركت آثارًا شديدة على الاقتصاد العالمي، وستواجه الدول مصاعب عديدة لإعادته لوضع مستقر. تمر معظم الدول بحالة ركود وانهيار في هيكلها الاقتصادي. وفي إشارة إلى مدى صعوبة وضع هذه الدول، طلبت 80 دولة تقريبًا مساعدة مالية من صندوق النقد الدولي. مثال على هذا، طلب رئيس وزراء باكستان "عمران خان" أيضًا من صندوق النقد الدولي مساعدة إسلام آباد لمكافحة فيروس كورونا. علاوة على هذا، هناك حالة عدم يقين بشأن تفشي الفيروس؛ لهذا صرّحت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن النمو العالمي قد يتقلص للنصف ويصل 1.5 بالمائة عام 2020 في حال استمر الفيروس في الانتشار، كما توقع معظم خبراء الاقتصاد بالفعل بحدوث ركود بسبب غياب حالة اليقين، ولأن ما من أحد يعرف إلى متى سيستمر التأثير الضار لهذه الجائحة، يقول "بيرنارد وولف" الأستاذ في كلية "شولش" لإدارة الأعمال: "الوضع كارثي ولم نر مطلقًا شيئًا كهذا، فيما يخضع جزء كبير من الاقتصاد والسكان لحالة إغلاق وهو ما سيكون له تأثير هائل على ما يتم إنتاجه أو لا يتم إنتاجه".

لقد تسبب كوفيد 19 بالفعل في إغلاق العديد من الأعمال والمحال التجارية التي تبدو اليوم فارغة. بالتالي، يتخوف عدد من خبراء الاقتصاد أن تؤدي الجائحة لحدوث تضخم. على سبيل المثال، يحذر موقع بلومبورج لشئون الاقتصاد من أن "نمو الناتج المحلي الإجمالي على مدار العام بأكمله قد يهبط للصفر في أسوأ سيناريو لهذه الجائحة". هناك قطاعات واقتصاديات عديدة يبدو أنها أكثر انكشافًا بسبب هذه الجائحة، فمثلًا تضرّر العرض والطلب بالفيروس، ونتيجة لتدهور النشاط الاقتصادي، قد ينخفض تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة بنسبة 5 إلى 15 بالمائة. بالإضافة إلى هذا، كانت القطاعات الأكثر تضررًا هي السياحة والصناعات المرتبطة بالسفر والفنادق والمطاعم والمناسبات الرياضية والأجهزة الإلكترونية الاستهلاكية والأسواق المالية والنقل، فضلًا عن زيادة الأعباء على الأنظمة الصحية. وتوضح "ديان سونك" كبيرة خبراء الاقتصاد في شركة "غرانت ثورنتون" للاستشارات أن "العديد من الدول تمتلك شركات متعددة الجنسيات تعمل حول العالم بسبب الطابع العالمي للاقتصاد اليوم. على سبيل المثال، تمتلك الصين نقاط اتصال في كل اقتصاد في العالم، وهي جزء من سلسلة التوريد العالمية؛ لذا يمكن لطرف

أن يوقف الإنتاج في الولايات المتحدة عبر وقف الإنتاج في الصين". وتشير مديرة صندوق النقد الدولي "كريستالينا جورجيفا" إلى أن هناك أربعة أشياء يجب فعلها لمكافحة كوفيد 19 وتجنّب الخسائر أو التقليل منها: أولاً، الاستمرار في إجراءات الاحتواء الأساسية ودعم النظام الصحي. ثانيًـا، تحصين الأشخاص والشركات المتضررة عبر إجراءات مالية محددة وفي وقتها المناسب. ثالثًا، تخفيف الضغط على النظام المالي. رابعًا، ضرورة التخطيط للتعافي والتقليل إلى أدنى حدّ من آثار التخويف المحتملة للأزمة عبر اتخاذ إجراءات سياسية. وفيما يتعلق بالأوضاع الخطيرة والمتفاقمة حول العالم، ينبغي للدول التعاون والتنسيق فيما بينها، بطرق من بينها اتّباع الناس سلوكًا عقلانيًّا وناضجًا لمكافحة فيروس كورونا بفاعلية. وبخلاف ذلك، ونظرًا للطابع العالمي والمترابط للاقتصاد، فإن الإجراءات والسياسات الخاطئة التي تتخذها أي دولة ستترك ضررًا شديدًا على الدول الأخرى أيضًا. هذا ليس وقت تصفية حسابات سياسية أو الدخول في صراع مع بعضنا الآخر، وقد حان الوقت لأن تتعاون الدول وتنسق وتساعد بعضها الآخر لهزيمة هذه الجائحة القاتلة لإنقاذ الهيكل الاقتصادي والمالي للعالم.                   


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق