الصحافة الفرنسية | اقتصاد باريس في العناية المركزة.. وتحذيرات من مخاطر إنهاء الحجر الصحي


٢٨ أبريل ٢٠٢٠

ترجمة - محمد شما


 كيف يمكن مواجهة الأزمة الاقتصادية الأسوأ منذ عام 1929

في مواجهة الأزمة الحالية المتمثلة في جائحة كورونا، خصّصت الحكومات مئات المليارات من الأموال للخروج من الانهيار الاقتصادي، لكن عملية إعادة التشغيل تبدو شاقة للغاية، وقد طرح موقع "فرانس تي في إنفو" الإخباري تساؤلًا مفاده: كيف سيعود الاقتصاد للصعود من جديد بعد هذه الصدمة؟

ومنذ بداية وباء كورونا، تحدث قادة الكوكب عن الأزمة الأسوأ منذ الحرب العالمية الثانية؛ فوفقًا لصندوق النقد الدولي، الذي توقع أسوأ ركود منذ الكساد الكبير في الثلاثينيات، نحن نشهد حاليًا كارثة نادرة ذات حجم يفوق جميع ما شهدناه في حياتنا. حيث جرى إجبار أو تشجيع 4.5 مليار نسمة، أي 60٪ من سكان العالم على احترام الحجر الصحي الكلي أو الجزئي؛ ما أدى لحدوث انهيار اقتصادي غير مسبوق؛ حتى أن فرنسا ستشهد بسبب الحجر الصحي الذي فُرض في 17 مارس ركودًا لم يسبق له مثيل منذ عام 1945.

ولاحظ "ماتيو بلين"، نائب مدير قسم التحليل والتنبؤ في المرصد الفرنسي للأحوال الاقتصادية، أن الأزمة الاقتصادية هي نتاج لموقف جديد تمامًا، وتابع: "ليست الأزمة الصحية ذاتها هي التي تسببت في الأزمة الاقتصادية، لكن السبب يرجع للاستجابة للأزمة الصحية". وبعبارة أخرى، لأول مرة في التاريخ، أوقفت السلطات العامة النشاط الاقتصادي طواعية بهدف وقف تطور الوباء. فيما قال ألكسندر ديليج، أستاذ الاقتصاد بجامعة ليل: "يبدو الأمر كما لو أننا أغرقنا الاقتصاد في نوع من الغيبوبة الاصطناعية ونحاول الآن إنعاشه".

وتُعدّ البطالة الجزئية، أي دفع الدولة الأجور نيابة عن الشركات التي اضطرت إلى تخفيض نشاطها أو تعليقه، الأداة الرئيسية للحفاظ على الوظائف. غير أن وزارة المالية الفرنسية أعلنت عن إنشاء صندوق تضامُن بقيمة 7 مليارات يورو للشركات الصغيرة والعاملين لحسابهم الخاص، فضلًا عن تأجيل الرسوم والضرائب لإعفاء الشركات من استهلاك إيراداتها. وللسماح للشركات بتخزين النقد، يمكن أن يستفيدوا من قروض بنكية بضمان حكومي يبلغ إجماليه 300 مليار يورو.

تدابير معيبة ولكنها ضرورية

لقد كان الهدف المعلن من قِبل الحكومة واضحًا وطموحًا منذ البداية، ويتمثل في حماية الشركات من الإفلاس وعدم تسريح العمال خلال فترة الحجر. لكن حالات الإفلاس والتسريح من العمل تحدث في جميع الأوقات بسبب وباء كوفيد - 19 أو غيره. وعلى مدى الأسابيع الأربعة الماضية، ارتفع العدد التراكمي لطلبات التسجيل في مكتب العمل بنسبة 12.6٪ مقارنةً بالأسابيع نفسها من عام 2019. وتُقدّر مذكرة صادرة عن المرصد الفرنسي للأحوال الاقتصادية أن 460 ألف موظف من غير المستفيدين من نظام البطالة الجزئية يمكن أن يفقدوا وظائفهم خلال شهرين من الحجر.

وفي فرنسا، يستفيد أكثر من 10 ملايين موظف (نصف عدد الموظفين بالدولة تقريبًا) من برنامج البطالة الجزئية. هذا الرقم الضخم، يثير الشكوك حول احتيال محتمل من جانب أرباب العمل عديمي الضمير الذين يستخدمون البرنامج مع تشغيل موظفيهم عن بُعد. ويؤكد الاقتصاديون أن الإجراءات التي تهدف إلى إبقاء الاقتصاد الفرنسي قويًّا تظل مع ذلك ضرورية، حيث يوضح "فيليب وايشتر"، مدير الأبحاث الاقتصادية في شركة أوستروم لإدارة الأصول المالية، أنه عند استئناف النشاط ستسمح البطالة الجزئية بإيجاد معدل انتعاش قوي جدًّا، كما حدث في ألمانيا بعد أزمة 2009.

انتعاش.. ولكن بأي وتيرة؟

ويلاحظ "وايشتر" أن البنوك المركزية دخلت في وضع الباب المفتوح، وسواء كنا نتحدث عن البنك المركزي الأوروبي أو الاحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة، فإنهما مستعدان لفعل أي شيء لرفع القيود المالية والمضي قدمًا في إعادة شراء الأصول بوتيرة لم يسبق لها مثيل. وفي كل مرحلة جديدة، يضع البنك المركزي الأوروبي بطاقات امتياز جديدة بين الأدوات المتاحة له لطمأنة المستثمرين. لكن أدوات السياسة النقدية دأبت على وضع أسعار الفائدة الرئيسية للبنك المركزي عند الصفر أو قريبة من الصفر منذ سنوات، ولا يمكن تخفيضها أكثر من ذلك.

إن السؤال عن مدى سرعة تعافي الاقتصاد يزعج الحكومات بالفعل. فبعد أكثر من شهر من الحجر الصحي لم يعد منحنى الانتعاش الحاد والقوي هو الفرضية التي تفضّلها غالبية الاقتصاديين؛ حيث يتوقع البعض انتعاشًا أبطأ من الركود. ولأن عملية التحلل التدريجي من الحجر باتت تلوح في الأفق، سيظل احترام تدابير التباعد الاجتماعي موصىً بها بشدة. لكن الأكثر تشاؤمًا من الاقتصاديين يرى أن الاقتصاد لن يكون قادرًا على الانتعاش، بينما يتصور آخرون انتعاشًا يعود إلى مستواه خلال سنوات عدة.

إنعاش الاقتصاد أم إعادة بنائه؟

في أوروبا، تؤدي معايرة تدابير ما بعد الأزمة إلى نقاشات ساخنة؛ حيث يرى البعض أن الأولوية ستكون لاستعادة النمو بشكل سريع؛ بينما يرى آخرون أن أزمة فيروس كورونا ستكون بمثابة فرصة جيدة لتغيير النماذج الحالية.

وفي إحدى الوثائق الموقّعة من حوالي 180 شخصية (وزراء وأعضاء في البرلمان الأوروبي ومنظمات غير حكومية ومراكز فكر وقادة الأعمال..) نُشرت في العديد من الصحف الأوروبية، تدعو الشخصيات الموقعة إلى "تحالف أوروبي من أجل الانتعاش الأخضر"، وكتب الموقّعون: "إن التحول إلى اقتصاد خالٍ من الكربون، به أنظمة زراعية أكثر استدامة وحماية للتنوع البيولوجي، يمكن أن يخلق وظائف ويزدهر ويحسن نوعية حياة المواطنين بشكل سريع".

لقد أقر قادة دول الاتحاد الأوروبي مبدأ خطة الإنعاش وكلفوا المفوضية الأوروبية بمهمة تطوير محتواها ونطاقها، حتى أن أكثر المؤيدين لأرثوذكسية الموازنة والسيطرة على العجز العام حماسة يعتقدون اليوم أن سياسة التحفيز ضرورية، وأن اللجوء لتعزيز التقشف كمرادف لخفض الإنفاق العام أو الزيادات الضرائب سيكون خيارًا انتحاريًّا.

الاقتصاد الفرنسي في غرفة العناية المركزة

وفي السياق، سلّط موقع "ليزايكو" الضوء على معاناة مناخ الأعمال من السقوط المدوي في جميع القطاعات بسبب الحجر الصحي، حيث يحذر المعهد الوطني الفرنسي للإحصائيات والدراسات الاقتصادية من أن الشكوك الناتجة عن الأزمة الصحية لا تبشّر بانتعاش اقتصادي سريع في قطاعي الصناعة والبناء، بالرغم من حدوث انتعاش عام طفيف للغاية؛ فالاقتصاد الفرنسي في غرفة العناية المركزة.

وأوضح متخصصون بالمعهد أن: "الاقتصاد الفرنسي لم يعد ضامنًا لوظائفه الحيوية كالكائن الحي الخاضع للتخدير". فالحجر الذي قررته الحكومة لاحتواء الوباء كان له عواقب وخيمة على الشركات، ويحذر المعهد من أن الخروج من العناية المركزة والاستيقاظ سيكون "تدريجيًّا للغاية"، والشكوك الصحية لا تبشّر بانتعاش اقتصادي سريع.

عودة طفيفة

ولاحظ المعهد حدوث انتعاش طفيف للغاية في النشاط في الأسابيع الأخيرة، لا سيما في قطاعي الصناعة والبناء، حيث استأنفت بعض الشركات جزءًا من نشاطها بعد استحداث أنظمة تضمن السلامة الصحية لموظفيهم. وقد سجلت نسبة انخفاض النشاط في مجال الصناعة نسبة 39٪ مقارنةً بنسبة 43٪ قبل أسبوعين. وأيضًا في قطاع البناء جرى تسجيل انخفاض بنسبة 79٪ مقابل 88٪ في بداية الشهر.

غير أن المعهد يصرّ على أن "الوضع لم يتغير إلا قليلًا منذ فرض الحجر". وبشكل عام، انخفض النشاط الاقتصادي في القطاع الخاص إلى النصف مقارنةً بما قبل الأزمة. وبالتالي فإن تأثير الحجر الصحي يقلّل الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 35 ٪ للشهر الواحد، وهو ما يعادل 3٪ على الأقل للعام.

وعلاوةً على ذلك، انخفض مناخ الأعمال لأدنى مستوى تاريخي له، أي منذ عام 1980، حيث خسر المؤشر 30 نقطة ليصل حاليًا إلى 62 نقطة فقط. ولفت المعهد إلى أن "أقل انخفاض سابق كان 69 نقطة وجرى تسجيله في مارس 2009. أما قطاعات الخدمات وتجارة التجزئة والبناء، فتشهد انخفاضًا مدويًّا يدفع رواد الأعمال المشتغلين بها إلى التشاؤم بشكل كبير. وترى "جوليان بوجيت"، رئيس الدائرة الاقتصادية بالمعهد أن بعض المؤشرات توقفت تمامًا، وكان من المنطقي أن تُغلق قطاعات كاملة من الاقتصاد.

وبالمثل، شهدت توقعات سوق العمل تدهورًا ملحوظًا. يقول فيليب وايشتر، كبير الاقتصاديين في مجموعة أوستروم لإدارة الأصول: سيؤدي الانخفاض الدائم في الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بنهاية عام 2019 إلى إدخال تعديلات قوية على سوق العمل، وستنخفض العمالة ولن تتمكن الإجراءات الحكومية من رعاية البطالة الجزئية مع مرور الوقت، وسترتفع معدلات البطالة وسيؤثر ذلك بشكل أكبر على العمال من أصحاب العقود قصيرة الأجل.

احتمالية التباين

وفي الوقت نفسه، فإن المشكلة الأخرى تتمثل في أن الاقتصاد الفرنسي يبدو أنه يتباطأ أكثر من الاقتصادات المجاورة، حيث سجل مؤشر مديري المشتريات لمعهد ماركيت، الذي يراقب توقعات رواد الأعمال، انخفاضًا في فرنسا أكثر من ألمانيا في شهر أبريل. ومن الواضح أنه من السابق لأوانه تقدير العواقب على النسيج الإنتاجي للبلدين. لكن ألمانيا، التي تسجل فائضًا ماليًا منذ عام 2016، لديها من المقومات المالية ما لا تملكه فرنسا.

ومن هنا تأتي احتمالية التباين بين اقتصاديات الشريكين والمتنافسين الأوروبيين، وهذه إحدى مخاوف الحكومة الفرنسية في نهاية الأزمة، والتي تفسّر إلى حد كبير حقيقة أن باريس تقوم حاليًا بحملة لتجميع الديون على المستوى الأوروبي؛ وإلا فإن أوروبا، وفقًا لوزير الاقتصاد الفرنسي "برونو لومير"، لن تتعافى من هذه الأزمة.

بعد رفع الحظر.. لماذا تريد فرنسا الاكتفاء بفحص ذوي الأعراض فقط؟

من جانبه، طرح موقع "فرانس تي في إنفو" تساؤلًا حول السبب وراء قرار السلطات الصحية الفرنسية البدء في إجراء فحوصات كوفيد – 19 على الحالات التي تظهر عليها الأعراض فقط.

وبعد أن تأخرت كثيرًا شرارة الانطلاق، تزداد سرعة فرنسا تدريجيًّا في السباق نحو الانتهاء من الفحص الجماعي، والهدف: اختبار السكان على نطاق أوسع بهدف البدء في التحلل من الحجر الصحي، وبالتالي التمكن من مكافحة وباء كوفيد - 19 بفاعلية أكبر. وسيتوجب على السلطات الصحية أن تكون قادرة على إجراء 500 ألف اختبار بيولوجي أسبوعيًّا اعتبارًا من 11 مايو، وفقًا لما أعلنه وزير الصحة الفرنسي "أوليفييه فيران". وتقول منظمة الصحة العامة بفرنسا إن الوقت ينفد لأن عدد الحالات المؤكدة لم يعد يعكس بشكل مُرضٍ ديناميكيات الوباء. واليوم، بات من الضروري وجود استراتيجية واضحة لتحقيق استفادة أفضل من قدرات الاختبار التي لا تزال محدودة حتى الآن.

ويقول السيد "أستريد فابريه"، رئيس قسم الفيروسات بمجمع المستشفيات الجامعية التابع لجامعة كاين: "نظرًا لعدم قدرتنا على إجراء 65 مليون اختبار يوميًّا، فنحن بحاجة إلى إجراء معياري مثل المرحلة الثانية من الوباء في الفترة بين 28 فبراير و14 مارس".

وهكذا أعلنت الحكومة أن الاختبارات ستتم قريبًا لجميع الأشخاص الذين يعانون من الأعراض، حتى في حالة ظهور علامات بسيطة كالسعال الخفيف، وآلام الجسم، وما إلى ذلك. ومع ذلك، تبقى حقيقة أن بعض الناس يستطيعون نقل المرض بالفعل قبل 24 أو 48 ساعة من ظهور الأعراض الأولى عليهم. ويقول فابريه: "مهما كانت الاستراتيجية المعتمدة، وطالما الجميع لا يخضع للحجر، فسيكون هناك دائمًا بعض حالات العدوى".

وبالتالي، سيكون رهان الحكومة على ما يلي: من خلال الفحص المنهجي للأشخاص الذين يعانون من الأعراض بعد 11 مايو، سيكون من الممكن تحديدهم، ثم توسيع التشخيص ليشمل مَن حولهم والمخالطين لهم والمتصلين بهم. وانطلاقًا من الحالات التي يمكن التعرف عليها بسهولة سنتمكن من كسر سلاسل انتقال العدوى عبر عزل الأشخاص الذين أظهروا نتائج فحص إيجابية. لكن خلال المراحل الأولى من انتشار الوباء، لم تتمكن هذه الاستراتيجية من الحد من انتشار الفيروس، فهل ستجدي نفعًا في الأسابيع القليلة المقبلة عندما تبدأ عملية فك الحجر؟

من الصعب الإجابة على هذا السؤال؛ لأن الفيروس، الذي لا يزال يكشف الكثير من أسراره، لا سيما حول العدوى والمناعة، بات ينتشر الآن على نطاق واسع بين السكان دون ظهور أعراض على نسبة كبيرة منهم.

فحص العاملين بالخطوط الأمامية

وأوضح أستريد فابريه أنه على الرغم من غياب البيانات، إلا أن البيئات الخاضعة للحجر الصحي هي الأماكن التي يكون فيها احتمالية أكبر للعدوى، مشيرًا إلى مؤسسات الرعاية الصحية ودور رعاية المسنين ومراكز السجون وأماكن الحياة المجتمعية، وغيرها من الأماكن الأخرى.

وبالرغم من عدم اكتمال الأرقام في المستشفى، بيد أن الأكاديمية الوطنية للطب حذرت من خطر إصابة الزملاء وأقارب العاملين في مجال الرعاية الصحية دون ظهور أعراض. وفي بيان صحفي نُشر في منتصف أبريل، دعت الأكاديمية إلى إجراء فحص منهجي لهؤلاء العاملين في الخطوط الأمامية، بعد ملاحظة حالات انتقال كوفيد - 19 إلى أجهزة إدارة الوباء والوحدات الأخرى.

ونظرًا لتخصيص الفحوصات للعاملين في الرعاية الصحية الذين يعانون من الأعراض فقط، فإن الإصابات غير المصحوبة بأعراض تخرج عن السيطرة. ومع ذلك، تكشف دراسات دولية أن الأشكال غير السائدة هي التي تمثل الأغلبية، ولذلك لم تقم فرنسا حتى الآن باللجوء إلى الاختبارات الفئوية، باستثناء الموظفين والمقيمين في دور التمريض بعد ظهور أول حالة مؤكدة. وبينما أعلن رئيس الوزراء الفرنسي إدوارد فيليب عن الإلزام المحتمل لاستخدام الأقنعة في وسائل النقل العام وعدد من الأماكن الأخرى، لم يعلن عن إجراء فحوصات للتعرف على ناقلي المرض المحتملين في قطاعات الخطوط الأمامية. وعلى أي حال، ولكي نحقق الفاعلية المرجوة؛ يجب تكرار هذه الاختبارات بانتظام.

هل يتم اللجوء للفحص المجمع من أجل توفير الفحوصات؟

لتحسين جدوى الاختبارات، وبالتالي توسيع نطاقها، يخطّط بعض الباحثين الأجانب لتجميع عينات من عدة أشخاص وخلطها معًا، ومن ثم إخضاع الكل لاختبار واحد. وإذا كانت النتيجة سلبية، فهذا أفضل بكثير. أما إذا كانت إيجابية، فيجب عندئذٍ إجراء اختبار فردي على جميع المشتركين في هذا الفحص المجمع. وتتميز هذه الطريقة باستخدام اختبار واحد فقط لاستبعاد الشك في العديد من الأشخاص؛ ما يوفر الكثير من الفحوصات والوقت.

ووفقًا لعالِم الأحياء الطبية السيد جيروم جروسجين، تُعد تقنية تحليل "بي سي آر" التي يتم إجراؤها بواسطة مسحة الأنف مثبتة وموثوقة، ولكن من الضروري توفر كمية كبيرة من العدوى الفيروسية بحيث لا يضر التخفيف بالنتائج. وعلى العكس من ذلك، يقول باحثون من معهد علم الفيروسات الطبية بجامعة جوته في فرانكفورت بألمانيا: إن الاختبار المجمع لا يؤثر على الحد الأقصى للفحص، بينما يختبر الباحثون في دول أخرى إمكانية خلط العينات من 32 أو حتى 64 شخصًا.

وفي فرنسا، يقدّر معهد باستور المتخصص في دراسة علم الأحياء والميكروبات والأمراض واللقاحات، أنّ 5.7 ٪ من السكان سيحملون الفيروس بحلول 11 مايو؛ ما يعني أن تقنية التجميع، على الصعيد الوطني، يمكن أن تقلل عدد الاختبارات المطلوبة إلى النصف. وبالنسبة إلى أستريد فابريه، فمن المفترض أن تكون نتائج غالبية السكان سلبية حتى يتثنى تحقيق جدوى هذه الطريقة؛ فكل اختبار جماعي إيجابي، سيعني خضوع كافة المشاركين إلى فحوصات فردية.

 مخاطر التسرع في إنهاء الحجر الصحي بفرنسا

فيما ألقت جريدة "كورييه انترناسيونال" الضوء على تقرير علمي نشرته صحيفة فاينانشال تايمز البريطانية، حذّر من الإنهاء السريع لإجراءات الحجر الصحي في فرنسا؛ حيث إن مناعة الجموع لا تزال بعيدة، وخطر الموجة الثانية للوباء يخيم على فرنسا.

وذكرت صحيفة فاينانشال تايمز أن "إيمانويل ماكرون وعد الفرنسيين، الذين سئموا من الحجر الصحي، بأن إطلاق سراحهم سيبدأ في منتصف مايو"، لكن دون توضيح لهذه الخطوة الجديدة المتوقعة. ويحذر التقرير الصادر من معهد باستور المتخصص في دراسة علم الأحياء والميكروبات والأمراض واللقاحات، من خطر حدوث موجة ثانية من الوباء "إذا جرى إنهاء جميع تدابير المكافحة".

وتوضح الجريدة البريطانية أن بعض العلماء يعتقدون أنه في حالة عدم التوصل إلى لقاح، لن يمكن السيطرة على انتشار الفيروس إلا بفضل مناعة الجموع، أي الحالة التي لا يمكن للفيروس من خلالها الانتشار بسرعة في المجتمع لأن أعدادًا كبيرة من الناس أصيبوا بالفعل به. ويرى سيمون كوشيميز، مؤلف هذه الدراسة أنه لتجنب موجة ثانية من الوباء، يجب أن يصل مستوى المناعة إلى 70٪، ونحن أقل بكثير من هذا الرقم حاليًا. أما العامل المجهول الآخر فيتمثل في طول الوقت الذي ستستمر فيه هذه المناعة الفردية والجماعية. وفي الوقت الحالي، لا يملك العلماء سوى القليل من البيانات لتأكيد ذلك.

خطر الدخول في موجة جديدة

في الوقت الحالي، في فرنسا وفي كاليفورنيا وحتى في ووهان، "يبدو أن عددًا قليلًا نسبيًّا من الأشخاص طوروا أجسامًا مضادة ضد الفيروس"؛ ما يسمح لهم بحماية أنفسهم منه حتى وإن كان لدى هذه البلدان المختلفة - كفرنسا التي تُعدّ واحدة من أكثر الدول تأثرًا بالوباء - عددٌ كبيرٌ جدًّا من الوفيات الناجمة عن كوفيد-19.

وأفادت جريدة فاينانشيال تايمز بأن منظمة الصحة العالمية أدركت أن نسبة المصابين عالميًّا أقل مما كان متوقعًا، وهذا يعني أن جزءًا كبيرًا من السكان لا يزال معرضًا للإصابة، وأن الفيروس يمكن أن ينتشر مرة أخرى. ويرى الطبيب الأرجنتيني ماريو سانجوينا، من القطاع الطبي في فرنسا، أنه بإمكاننا حتى تصور التعرض لموجة ثالثة قبل أن يستقر الوضع، ولكن من الممكن أيضًا أن يفقد الفيروس عدوانيته على مدار الأسابيع المقبلة بسبب إعادة الإنتاج.

الاختبارات الحاسمة

وانتظارًا لحين استقرار الفيروس في الوقت المناسب، تحذر الصحيفة البريطانية من التحدي الآخر الذي سيظهر في فرنسا، والمتمثل في نقص اختبارات الفحص. فبالنسبة للمجلس العلمي المكلف من قِبل الحكومة، تعد القدرة على قياس انتشار كوفيد-19 شرطًا أساسيًّا لنجاح عملية إنهاء الحجر الصحي. من جانبه حذر جان فرانسوا دلفريسي، رئيس المجلس العلمي لمكافحة فيروس كورونا، من أن فرنسا "ستضطر إلى تأجيل تاريخ فك الحظر إذا لم تتوفر اختبارات الفحص بأعداد كافية بحيث تكون قادرة على إجراء 500 ألف اختبار أسبوعيًّا بحلول 11 مايو. مقارنةً بحوالي 150 ألف اختبار فقط أسبوعيًّا في الوقت الحالي".

وتُصرّ الصحيفة البريطانية على أنه في ظل عدم وجود لقاح أو علاج فعّال للفيروس، فإن هذه الاختبارات باتت أكثر أهمية من أي وقت مضى، واختتمت بالقول: "الفحص الشامل وحده هو الذي يمكننا من منع استئناف الوباء، لأننا سنستطيع من خلاله التعرف على المرضى الجدد وعزلهم بسرعة، مع السماح لبقية السكان بالعودة إلى ما يشبه الحياة الطبيعية".


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق