نيويورك تايمز| لماذا فشلت الولايات المتحدة في الاستعداد للكارثة حتى من قبل تولي ترامب؟


٣٠ أبريل ٢٠٢٠

ترجمة - بسام عباس

من الواضح أن الحكومة الأمريكية فشلت في التصدي لفيروس كورونا بشكل فعّال، فكما تساءل أحد خبراء الصحة عندما سئل عن الخطأ الذي حدث: "ما الذي حدث بشكل صحيح؟"، ويحاول الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" الآن استبدال نفسه بشيكات تحفيز شخصية للأمريكيين. فهل ستجدي نفعًا؟

سلسلة إخفاقات الإدارة معروفة جيدًا. لقد فشلت مراكز مكافحة الأمراض في اختبارها الأول، فيما وضعت إدارة الغذاء والدواء عقبات أمام الاختبارات البديلة، وانتظر المئات من سكان ولاية نيو جيرسي المحمومين في الطابور طوال الليل في مراكز الاختبار، يومًا بعد يوم.

علمت وزارة الصحة والخدمات الإنسانية في منتصف يناير أن توريد أقنعة (N95) لا يلبي سوى 1% فقط من الطلب المتوقع، ولكن في 30 مارس لم يتمكن وزيرها من تحديد موعد وصول المزيد. فيما صرح مسئولو وكالة إدارة الطوارئ الفيدرالية بأن جهود تحديد الأقنعة تشبه "مطاردة الأرانب في حقل مفتوح"، بينما ظلت " كومفورت"، السفينة المستشفى التابعة للبحرية، فارغة تقريبًا في هدسون، حيث توفي الآلاف من سكان نيويورك في المستشفيات المكتظة على بعد أميال فقط.

ومع ذلك، فالتخطيط السيئ للكوارث لا يقتصر على إدارة ترامب، إنه عجز نظامي للحكومة الفيدرالية.

مما لا شك فيه أن هذا البيت الأبيض فاشل وظيفيًّا بشكل خاص؛ فالعديد من مناصبه العليا كانت شاغرة أو يشغلها معيَّنون غير مؤهلين لمدد قصيرة. فعلى سبيل المثال، مدير مراكز مكافحة الأمراض واتقائها، الذي جرى تعيينه العام الماضي، لم يكن خبيرًا في الصحة العامة. وكذلك لم يعرف وزير الأمن الداخلي بالإنابة عدد أجهزة التنفس المتاحة حتى في نهاية مارس. وكما كتب العالم السياسي "ديفيد لويس" وزملاؤه، فإن "إدارة الدولة الإدارية مع المسئولين بالإنابة يشبه إلى حد ما إدارة مدرسة مع فريق من المعلمين البدلاء".

كما أن السيد ترامب كانت جاهزيته قليلة التمويل مقارنة بأسلافه. حيث اقترح إجراء تخفيضات على تمويل مراكز مكافحة الأمراض واتقائها في جميع الميزانيات، وكانت الميزانية الأخيرة منخفضة بنسبة 20% تقريبًا.

غير أن فشل الحكومة الفيدرالية في الاستعداد للكوارث خلق كوارث جديدة أمام ترامب، من بيرل هاربور إلى إعصار كاترينا. فلماذا لم تكن الحكومة الأمريكية مستعدة بشكل أفضل؟

لتوضيح السؤال، ضع في اعتبارك هذه الحقيقة: كل دولار واحد تنفقه الحكومة الفيدرالية على الاستعداد يقلل من الأضرار بأكثر من 15 دولارًا على المدى الطويل، وفقًا لدراسة أجراها علماء الاجتماع "أندرو هيلي" و"نيل مالهوترا". ومع ذلك، تنفق الحكومة عادةً خمسة سنتات على الاستعداد لكل دولار تنفقه على الإغاثة. ومع أن تجنب الكارثة هو أكثر فاعلية من حيث التكلفة من الاستجابة بعد ذلك، فلماذا تفشل الحكومة في القيام بهذا الاستثمار؟

الجواب يكمن في ثلاث سمات تتميز بها الحكومة الأمريكية:

أولاً: البيروقراطية في الولايات المتحدة لامركزية، حيث يمنع التجزؤ التنسيق اللازم للتخطيط للكوارث، كما يخلق عدم الثقة ويمنع مشاركة المعلومات.

ففي بعض الأحيان، يعرف المسئولون تفاصيل حيوية عن فيروس كورونا من وسائل الإعلام بدلًا من بعضهم البعض.  فيما لا تصدق الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ إحصاءات الولايات، حيث لا تصرف أجهزة التنفس الصناعي إلا بعد أن تجيب الولايات على "سلسلة من الأسئلة الصعبة" المصممة لتحديد "الحاجة الماسة". ووفقًا لصحيفة (واشنطن بوست)، فإن مجلس السياسة المحلية، المشرف على الأجندة المحلية للرئيس، "لا يثق" في كيفية استخدام وزار ة الصحة والخدمات الإنسانية للأموال في التصدي لفيروس كورونا.

هناك مئات الوكالات في الحكومة الفيدرالية ما زالت تفتقر إلى تسلسل قيادي مركزي للأزمة. وفي خضم كل هذا، فإن الشك المضلل في "الحكومة الكبيرة" يضعف قدرتنا على تنسيق الخطط وتنفيذ الاستجابات.

ثانيًا: الحكومة الأمريكية لا تخدم الأشخاص الضعفاء، ولم تكن الكوارث استثناءً؛ فالإصابات الخطيرة تظهر بشكل غير متناسب بين الأشخاص الذين نسيناهم في دور الرعاية التمريضية التي تفتقر إلى العمالة الكافية. والوفيات تصيب المجتمعات الملونة، حيث ينتشر المرض في السجون المزدحمة، والتي غالبًا ما تكون مليئة بالسجناء من الأقليات والأشخاص الذين لا يستطيعون تحمل الكفالة الباهظة.

وبالنسبة للكثير من المسئولين، تبدو الكارثة أقل كارثية عندما تضرب الفقراء، ويبدو أن الموت ثمن يستحق دفعه عندما يتم إيواء الضحايا في مؤسسات منعزلة وأحياء معزولة، حيث لا يتم احتساب أصواتهم. ولا يُكافأ التأهب للكوارث عندما يكون من يتحملون وطأة الكوارث من الفئات المحرومة.

يخفف السياسيون من الكارثة بقوة أكبر بالنسبة لدوائرهم الانتخابية. وإذا كان الرئيس و"ميتش ماكونيل"، زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ، غير مهتمين بـ "عمليات الإنقاذ في الولاية الزرقاء" [الولايات التي تدعم الديمقراطيين]، فإن سكان نيويورك سيكونون محظوظين. فمن وجهة نظر ترامب، من المفترض أن يقوم الحاكم "أندرو كومو" بشراء أجهزة التنفس الخاصة به.

يقدر علماء الاجتماع أن ما يقرب من نصف الإنفاق على الكوارث هو إنفاق سياسي وليس على أساس الحاجة، حيث يرسل الرؤساء 18% من أموال الإغاثة إلى المقاطعات التي تدعمهم سياسيًّا أكثر من المقاطعات التي تعارضهم بشكل غير متوازن.

وأخيرًا: تُضخِّم الديمقراطية التحيز البشري للأعمال المرئية، ولا يمكن للناخبين تقييم ما لا يعرفونه؛ لذا يكافئ الناخبون حزب الرئيس عندما ينفق بعد كارثة. ولكن يبدو أنهم لا يعرفون أو يهتمون على الإطلاق بما تفعله الحكومة قبل وقوع الكارثة. وكما خلص الأستاذان هيلي ومالوترا إلى أن "الناخبين يقدمون حافزًا ضئيلًا للرؤساء لمتابعة الإنفاق على الاستعداد الفعال من حيث التكلفة، لكنهم يشجعونهم على إرسال وحدات الإنقاذ بعد وقوع الكارثة وفقدان الأرواح".

والكوارث الطبيعية تتطلب جهدًا جماعيًّا لتجنبها، وحكومة اتحادية ممولة بشكل جيد ومزودة بموظفين أكفاء يمكنها منع الأضرار الناجمة عن العواصف أو الحرائق أو الزلازل أو الأوبئة.

وهذا هو المكان الذي يجب أن يلعب فيه الصحفيون دورهم الأساسي؛ فالناخبون مشغولون للغاية في حياتهم اليومية عن تتبع ما يجري داخل العاصمة. هل تخفف واشنطن من تآكل الشواطئ وهندسة السدود المقاومة للفيضانات؟ كيف حال المخزون القومي من أجهزة التنفس الصناعي؟ المواطن العادي لا يطرح مثل هذه الأسئلة حول مائدة العشاء.

ولكن في ديمقراطية سليمة، يمكن لوسائل الإعلام أن تقوم بهذا الدور. إن وظيفة الصحفيين هي محاسبة الحكومة عما هو غير مرئي للغاية: كيف تستعد لاستباق الكارثة التي لن نشعر بها؟

إن الإنفاق لمساعدة الضحايا ضروري أحيانًا بالطبع، فشيكات التحفيز والانتعاش لها مكانها، ولكن الإنفاق على الإغاثة لا يقود الحكومة إلى الاستعداد بشكل أفضل لكارثة مستقبلية، ولا شك أن الاضطرار إلى الإنفاق على الإغاثة لا يفرض الحساب الذي يؤدي بدوره إلى زيادة الإنفاق من أجل الاستعداد في المستقبل. وعلى النقيض من ذلك، فإن زيادة الإنفاق على التأهب بمقدار دولار واحد فقط لكل أمريكي سيوفر أكثر من 4 مليارات دولار من إجمالي الإنفاق المستقبلي على الكوارث.

لدى الحكومة الأمريكية عيوبها، فهي مجزأة ومنحازة تجاه الجماعات ذات السلطة. لقد أُعْمِىَ الناخبون بسبب قيودهم البشرية البحتة، لكن يمكن للصحفيين طرح الأسئلة الصعبة قبل وقوع الكوارث، وهذه هي الطريقة التي يمكن للنظام السياسي الأمريكي من خلالها توفير مبالغ هائلة من المال، ومنع المعاناة وإنقاذ الأرواح. ففي دولة ديمقراطية، يكون للناخبين القول الفصل، ويجب على الصحفيين أن يعلمونا من يحمينا في وقت مبكر، وليس فقط من يفشل في الاستجابة للكارثة.



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق