مؤسسة الحرب على الصخور| مناورة ترامب الأخيرة تجاه إيران خطيرة ومليئة بالتناقضات


٠٥ مايو ٢٠٢٠

ترجمة - شهاب ممدوح

"خياري هو أن أحصل على الكعكة وألتهمها أيضًا" هكذا علّق وزير الخارجية البريطاني "بوريس جونسون" ساخرًا وذلك في تأكيده عام 2016 أن المملكة المتحدة يمكنها بطريقة ما تقييد الهجرة من أوروبا والبقاء في الوقت ذاته في اتحاد جمركي مع الاتحاد الأوروبي. وبعد مرور أربع سنوات، لم تحصل الحكومة البريطانية على الكعكة، بالطبع، لكن المزحة راودتني هذا الأسبوع بعد إعلان إدارة ترامب خططها لمطالبة مجلس الأمن الدولي إعادة فرض عقوبات على إيران لانتهاكها الاتفاق النووي الذي انسحبت منه الولايات المتحدة منذ عامين. ومن غير المرجح أن يكون ترامب أكثر نجاحًا من جونسون في محاولة الجمع بين خيارين متناقضين. والأسوأ من هذا، أن مناورة ترامب يمكن أن تدفع إيران للتخلي عن جميع القيود النووية، ما يقوّض مجلس الأمن الدولي، وينفّر شركاء أمريكا الأوروبيين، ويضرّ بمصداقية الولايات المتحدة لزمن طويل.

السبب المباشر لجهود الولايات المتحدة الجديدة هو الانتهاء المقرر لحظر السلاح الأممي المفروض على إيران في شهر أكتوبر المقبل. وبما أن هذا الحظر فُرض في الأساس على إيران عام 2010 كجزء من الجهود الرامية لإقناعها بالموافقة على اتفاق نووي، طالبت روسيا والصين وإيران برفعه فورًا عندما جرى التوصل للاتفاق النووي عام 2015، بالرغم من اعتراضات إدارة أوباما وشركائها الأوروبيين. وكحل وسط، دعم قرار صادر من مجلس الأمن الدولي تمديد العمل بحظر السلاح لخمس سنوات إضافية حتى أكتوبر 2020. لم يؤثر الحظر بشكل كبير على قدرات إيران العسكرية وسلوكها الإقليمي أو قدرتها على تسليح وكلائها، لهذا، وبصفتي منسقًا للبيت الأبيض لشئون الشرق الأوسط في ذلك الوقت، اتفقت مع الرئيس أوباما وزملائي في الإدارة على أن السماح بانتهاء الحظر في نهاية المطاف كان ثمنًا يستحق الدفع من أجل اتفاق سيضمن عدم تطوير إيران أسلحة نووية. 

اليوم، وفي ضوء تصميمها على زيادة الضغط على إيران ومنعها، على الأقل نظريًا، من شراء أسلحة تقليدية ثقيلة، تخطط إدارة ترامب لطرح قرار يمدد الحظر، وهو إجراء من المؤكد ستمنع موسكو تمريره. وعندما تفعل ذلك، سيضغط ترامب على الدول الأوروبية المشاركة في الاتفاق النووي -المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا - للاحتكام إلى بند في الاتفاق يسمح لأي طرف مشارك يزعم عدم التزام الطرف الآخر، بالدعوة لإجراء "فرض تلقائي" لعقوبات مجلس الأمن وتمديد حظر السلاح بعد عملية تستمر ثلاثين يومًا. من بين الدول الأوروبية الثلاث المشاركة في الاتفاق، ربما تكون المملكة المتحدة هي الأكثر احتمالًا لتأييد هذه الخطوة. ربما ينفذ رئيس الوزراء بوريس جونسون طلب ترامب لأنه بحاجة ماسة لعلاقات جيدة مع واشنطن ولعقد صفقة تجارية معها في مرحلة ما بعد البريكست. لكن هذا ليس مضمونًا: ربما يعترض جونسون لأنه يعلم أن إعادة فرض العقوبات على إيران قد تقضي على الاتفاق النووي الذي ما تزال تدعمه المملكة المتحدة. عند تلك النقطة، ونظرًا لنفاد البدائل لديها، ستلجأ الولايات المتحدة لمناورة قانونية بداعي أنه لأجل تطبيق الاتفاق، فإنها ستظل "طرفًا مشاركًا" فيه، وذلك بالرغم من إنهاء

مشاركتها فيه بعد ضجة إعلامية كبيرة عام 2018.

يصرّ بومبيو على أن تفسيره لقرار مجلس الأمن ليس "ممارسة قانونية خيالية" لكنه مجرد "قراءة عادية"، بالرغم من أن معظم "القارئين" لا يعتبرون الولايات المتحدة طرفًا مشاركًا في اتفاق لم تعد تلتزم به بعدما صرّحت مرارًا وتكرارًا أنها تخلت عنه. في حين جادل الممثل الأمريكي الخاص بإيران "برايان هوك" في الثلاثين من أبريل أن قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2231 لا يشترط أن يكون أطرافه مشاركين في الاتفاق النووي مع إيران.

إن مناورة الإدارة ليست فقط متعجرفة، لكنها ستأتي بنتائج عكسية وربما تكون خطيرة. ونظرًا لأن هذه الخطوة تستند إلى أرضية قانونية هشّة (حتى معظم شركاء أمريكا الأوروبيين يرون أن هذا المنطق معوج) ربما تتجاهل روسيا والصين ودول أخرى نتائج أي إجراء صادر من مجلس الأمن الدولي حول هذا الأمر. ونظرًا للفقر الذي أصابها بسبب العقوبات الأمريكية وانخفاض أسعار النفط، فإن إيران ليست في وضع يسمح لها أصلًا بشراء كميات كبيرة من السلاح (كما كان الحال قبيل تبنّي قرار الحظر عليها)، لكن حتى لو كانت قادرة على شراء السلاح، فإن هذا القرار الذي تعتبره دول قليلة شرعيًّا لن يحدّ كثيرًا من قدرتها على الشراء. إن إيران أقل تسليحًا بكثير من الولايات المتحدة ومعظم منافسيها الإقليميين، وبالرغم من أن الحظر الأممي ينطبق على الأسلحة التقليدية الثقيلة، غير أنه لا يغطي أنواع الأنظمة التي تثير قلق مخططي الدفاع الأمريكيين والإقليميين، مثل أنظمة الدفاع الجوي المتطورة. لهذا، لن تسفر حيلة ترامب عن تغيير كبير في التوازن العسكري الإقليمي، بينما ستؤدي في الوقت ذاته لإضعاف جميع عقوبات وقرارات مجلس الأمن الدولي السابقة والمقبلة، ما سيلحق الضرر بمصداقية الولايات ا

لمتحدة، ويخلق سابقة يكون من الممكن بموجبها للدول التي انسحبت من التزاماتها في الاتفاقيات الدولية، أن تحاول الاستفادة من الحقوق التي تمنحها هذه الاتفاقيات. إن إدراج الحق الانفرادي في إعادة فرض العقوبات تلقائيًّا في نص قرار مجلس الأمن كان إنجازًا فريدًا ومهمًا لإدارة أوباما في عام 2015. لكن لو انتهكت الولايات المتحدة القرار الآن، فلن تحصل على إنجاز مماثل مجددًا.  

إن الاحتكام من جانب واحد إلى "الفرض التلقائي للعقوبات" من دون أساس قانوني صلب، بعد رفض الأوروبيين اتخاذ هذه الخطوة بالرغم من امتلاكهم حقًا واضحًا لفعل هذا، سيكون ضربة قوية أخرى للعلاقات الأطلسية الهشة بالفعل. هذا وقد ألحق ترامب بالفعل ضررًا شديدًا بالتحالف الأطلسي عبر تشكيكه في المادة رقم خمسة المتعلقة بالدفاع المشترك، وانسحابه من اتفاق باريس للمناخ وسحب القوات الأمريكية من سوريا من دون استشارة الحلفاء الذين لديهم قوات أيضًا هناك، وقيامه بفرض رسوم من جانب واحد على الصلب والألومنيوم بناءً على حجج "أمن قومي" واهية، وانسحابه من الاتفاق النووي مع إيران بالرغم من المناشدات الأوروبية اليائسة لدعم الاتفاق. إن إقدام ترامب على خطوة أخرى تهدد بتدمير الاتفاق النووي وبالتالي إضعاف القانون الدولي وتقويض مجلس الأمن الدولي، لن يساهم إلا في زيادة الشكوك بشأن مستقبل التحالف.

ولعل الأهم من كل هذا، أن هذه المحاولة الأمريكية الانفرادية الأخيرة لتعديل الاتفاق النووي لصالحها، ربما تكون هي الضربة القاضية لهذا الاتفاق. وبالرغم من الألم الاقتصادي الذي تسببت فيه حملة "الضغوط القصوى" التي يقودها ترامب - والتي فشلت في التوصل لاتفاق نووي جديد أو في تغيير النظام - اختارت إيران البقاء طرفًا في هذه الاتفاق، وإن رفضت تطبيقه بشكل كامل. لم تنسحب طهران من الاتفاق في وجه العقوبات الأمريكية لأنها لا تزال تأمل في أنه لو فاز مرشح ديمقراطي في انتخابات الرئاسة في نوفمبر2020، فسيجعل الولايات المتحدة تعود للالتزام بالاتفاق مقابل استعداد إيران لفعل الشيء ذاته. لكن لو نجحت الولايات المتحدة في إعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة عبر استخدام بنود اتفاق هي نفسها انتهكته، فمن المرجح أن تنسحب إيران من الاتفاق بالكامل، وسيحررها هذا من كل القيود وإجراءات التحقق. سيكون ترامب قادرًا على الزعم أنه قضى على "أسوأ اتفاق في التاريخ"، لكن إيران ستكون حرّة في توسيع برنامجها النووي من دون رقابة دولية، إلا إذا كانت الإدارة الأمريكية مستعدة لاستخدام القوة العسكرية لمحاولة منع إيران من القيام بذلك.

إن النظام الإيراني يزعزع المنطقة ويهدد جيرانه ويسيء معاملة مواطنيه. فينبغي للولايات المتحدة أن تسعى لمنع هذا النظام من امتلاك أسلحة متطورة عبر العمل بصورة وثيقة مع شركائها الأوروبيين وشركائها العالميين الآخرين، وتطبيق طيف واسع من عمليات حظر توريد السلاح الإقليمية الحالية، واستخدام نفوذها الدبلوماسي على روسيا والصين، حتى لو تطلب الأمر فرض عقوبات على الدول أو الشركات التي تسهل امتلاك إيران للسلاح. وما لا ينبغي للولايات المتحدة عمله هو السعي لاحتواء إيران بالاستناد إلى نظرية قانونية مُختلقة لن تساعدها كثيرًا في تحقيق هدفها وستضر كثيرًا بوضع الولايات المتحدة ومصالحها في العالم.    
 


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق