معهد الشرق الأوسط| خامنئي ونهاية الحركة الإصلاحية اليائسة في إيران


٠٩ مايو ٢٠٢٠

ترجمة - بسام عباس

تمر الحركة الإصلاحية في إيران، التي كانت واعدة في السابق، بدوامة مميتة. وليس ذلك لأن فكرة الإصلاح فقدت جاذبيتها. على العكس، فالمواطن الإيراني العادي يتلهف اليوم للتغيير السياسي كما كان دائمًا، ولكن ليس لديه سبب للاعتقاد بأن الإصلاح التدريجي ممكن، وهذا التشاؤم لا يرتكز فقط على سجل الفشل الطويل لحركة الإصلاح في إحداث تغيير على أرض الواقع، ولكنه يتفاقم أيضًا بسبب الحالة الحالية من شيطنة قيادة الحركة.

وعندما تم انتخاب الإصلاحي "محمد خاتمي" رئيسًا عام 1997، اعتقد القادة الغربيون وأغلبية الإيرانيين الذين صوّتوا لصالحه، بنسبة 70% تقريبًا، أن الجمهورية الإسلامية ربما تكون قادرة على تغيير نفسها من الداخل. وقد لا تكون هناك حاجة لثورة دموية أخرى كما حدث في عام 1979، أو تدخل عسكري أجنبي، أو أي شيء بينهما، حيث إنه من المؤكد أن الإصلاح السياسي في طهران سيكون تدريجيًّا، ولكن تبين أن هذا كان مجرد أمنية، وبعد أكثر من عقدين، يمارس نفس المرشد الأعلى غير المنتخب "علي خامنئي"، المدعوم بأذرع الحرس الثوري، سيطرة سياسية مطلقة.

لقد أصبحت قوة صناديق الاقتراع في الجمهورية الإسلامية مجرد وهم. وفي هذه الأثناء، وبدلا من مواجهة "خامنئي"، يوجه قادة حركة الإصلاح سكاكينهم ضد بعضهم البعض، ما يمهّد الطريق للمرشد الأعلى لمواصلة أجندته السياسية كما يرى ويهوى.

الإصلاحيون والمعتدلون يقاتلون بعضهم البعض

لا تدور المعركة داخل المعسكر الإصلاحي والمعتدل اليوم حول أفكار جديدة؛ بل تدور رحاها حول من يجب أن يتحمل اللوم على الفشل الذريع لقادة الحركة في التغيير. وهناك شخصيتان محوريتان في هذه المعركة هما الرئيس "حسن روحاني" والرئيس السابق خاتمي. فبعد سبع سنوات من مساعدة روحاني للمرة الأولى على الفوز بالرئاسة، لا يوجد سبب لحركة الإصلاح للوقوف إلى جانب الرئيس الزئبقي الآن؛ لأنه لم يفعل أي شيء لدفع قضية الإصلاح السياسي في إيران.

وبما أن الشخصيات الإصلاحية نأت بنفسها عن روحاني، حيث أعرب الكثيرون صراحة عن أسفهم العميق لدعمهم له في عام 2013، فلم يعد هناك أي اتفاق الآن حول من يجب أن يتولى زعامة معسكر الإصلاح، وهنا يظهر اسم خاتمي كمنظم فكري للحركة أو حتى كرئيس محتمل للعودة. فالرئيس خاتمي– الذي تولى الرئاسة لفترتين (1997، 2003) – كان شخصية خلافية، ليس فقط بين عموم الإيرانيين، بل حتى بين القادة الإصلاحيين والمعتدلين.

ببساطة، يرى أنصاره أنه المرشح الأكثر قدرة على الاستمرار في حمل راية الإصلاح السياسي. وفي المقابل، يرى منتقدو خاتمي فيه أنه وديع للغاية، ويحترم خامنئي، وبعيد عن التواصل مع الجيل الأصغر من الإيرانيين الذين لم يكونوا قد ولدوا حين أصبح رئيسًا لأول مرة في عام 1997.

وبشكل عام، تعترف الشخصيات الإصلاحية البارزة علانية أنها لم تعد تروق للجمهور الإيراني. ويُعتقد أن الشباب– على وجه الخصوص– قد تخلوا عن فكرة الإصلاح التدريجي، وبدلًا من ذلك، يتجهون بشكل متزايد إلى الرسائل السياسية – التي عبرت عنها المعارضة السياسية في الشتات الإيراني الكبير – والتي تتحدث عن عدم قدرة النظام على الإصلاح، وضرورة استبدال الجمهورية الإسلامية تمامًا.

من جانبه، يواصل آية الله خامنئي تأجيج هذا الشعور الغاضب. ففي الانتخابات الأخيرة للبرلمان الإيراني في فبراير الماضي، منع مجلس صيانة الدستور، الذي يسيطر عليه خامنئي، معظمَ النواب الإصلاحيين الحاليين والمرشحين الطموحين من الترشح.

إلى أي مدى سيواصل الإصلاحيون أداء دورهم المزعوم؟

على الرغم من الإخفاقات المؤكدة للحركة، لا يزال القادة الإصلاحيون يدعون - فيما يبدو أنها حملة متعمدة - أهميتهم السياسية، فهم يتعهدون باستمرار بالكشف عن توجه استراتيجي جديد في برنامجهم السياسي، كما أن الاعتراف بضرورة "الاقتراب من الناس" هو اعتراف صريح من المعسكر الإصلاحي بأنه فقد ثقة الجمهور. ومع ذلك، وعلى الرغم من الحديث عن تعديل التوجه الاستراتيجي، فإن حركة الإصلاح لا تتمتع إلا بالسلطة التي يسمح آية الله خامنئي بها.

وخلال الأشهر القليلة المقبلة، من المحتمل أن نرى تقارير إعلامية إيرانية عن انقسامات داخل المعسكرات الإصلاحية والمعتدلة. وستُذكر أسماء مثل "محمد رضا عارف" و"غلام حسين كاراباشي" و"مصطفى كافاكيبيان" كجزء من النضال لتشكيل الأجندة الإصلاحية. وهؤلاء من بين أعلى الأصوات في إيران التي تتبنى أفكارًا إصلاحية، ولكنهم دائمًا لا يتفقون في الرأي. وربما يكون لهذا الصراع تأثير على اتجاه الإصلاحيين كمعسكر سياسي، ومع ذلك فلن يكون لمعسكرهم أي تأثير على سياسات الجمهورية الإسلامية.

ويعيدنا هذا الواقع إلى آية الله خامنئي، محرك العرائس الأول في الجمهورية الإسلامية. وربما يبحث المرشد الأعلى عن شتى السبل لإقناع العالم بأنه لا يشرف على نظام دكتاتوري، بل على نظام ديمقراطي "إسلامي"، وفي هذا الإطار ربما يضطر إلى إثارة بعض القضايا السياسية في الفترة التي تسبق الانتخابات الرئاسية عام 2021. وإذا كان الأمر كذلك، فمن المحتمل أن يرغب في إبقاء بعض الشخصيات الإصلاحية البارزة في الانتخابات كدليل على أن الانتخابات تنافسية. وهذا، بالطبع، خدعة كل مرة.

وربما يفكر خامنئي في إعادة "محمود أحمدي نجاد"، الشعبوي اليميني الذي وقف في فترته الرئاسية الثانية (2009-2013) ضد خامنئي. ومع ذلك فسيحرص المرشد الأعلى على عدم فوز أحمدي نجاد بالرئاسة، إلا أنه يعلم أنه حتى مجرد ذكر اسم أحمدي نجاد قد يزيد الاهتمام بانتخابات عام 2021. ورغم كل ما حدث، لا يزال أحمدي نجاد يحتفظ بقاعدة صغيرة من الدعم الشعبي في المجتمع الإيراني، ذلك لأن خامنئي لا يرغب في أن تفقد الانتخابات الإيرانية مصداقيتها بالكامل، رغم أن هذا قد حدث بالفعل.

وفي رأيه، فإن فقدان مصداقية الانتخابات سيجعل الجمهورية الإسلامية لا تختلف عن حركة طالبان في أفغانستان، وسيكون هو مثل الملا عمر. وهذا ليس نوع المكانة السياسية التي يرغب خامنئي في تبوؤها.

يرغب خامنئي بشدة في أن تحافظ الجمهورية الإسلامية على واجهة "الجمهورية" (أي إجراء انتخابات عامة يُنظر إليها على أنها تنافسية). وهذا هو السبب في رغبته في رؤية بعض المرشحين المرتبطين بالإصلاح أو المنشقين مثل أحمدي نجاد متواجدين على خشبة المسرح، وهذا كله جزء من العرض السياسي الذي يديره، وبالرغم من ذلك، يتم تحدي خطه الأحمر بشكل متكرر. فعلى سبيل المثال، شكك "علي مطهري" و"محمود صادقي"، وهما عضوان في المجلس، في مدى قوة المرشد الأعلى وأثارا مشكلة الفساد المستشري التي تجاهلها خامنئي لسنوات.

وكانت النتيجة أن مُنع الرجلان من الترشح للبرلمان مرة أخرى، وفي حالة صادقي، حُكم عليه بالسجن لمدة 21 شهرًا. ولكن إذا أدى كل طرف دوره جيدًا، دون تجاوزٍ لخطوطه الحمراء، فإن خامنئي يرى قيمة في الحفاظ على تصور أن هناك سوقًا حقيقيًا للأفكار السياسية طالما أنه يمكنه تنظيمها والتأكد من أنها لا تنقلب عليه.

ويبدو أن القادة الإصلاحيين والمعتدلين الخاضعين لإيران سيؤدون دورهم المنوط بهم؛ حيث إنهم ليسوا معنيين بتقديم نتائج فعلية للناخبين، ولا يظهرون إلا كما لو كانوا مهمين، ولطالما انتشرت الشائعات في طهران بالحديث عن أن الإصلاحيين قد يطلبون من وزير الخارجية "جواد ظريف" الترشح للرئاسة في عام 2021، حيث ينظر إليه على أنه إصلاحي وليس لدى الإصلاحيين شخصيات بارزة أخرى يقدمونها في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

ولأن حركة الإصلاح فشلت مرارًا في الوفاء بوعودها السياسية– التي وعد بها كل من خاتمي وروحاني بأكثر مما يمكن أن يفيا به – فإن الأمل الوحيد الباقي لديهم الآن هو خلق بعض الإثارة حول شخصية معروفة.

ومن المؤكد أن ظريف شخصية عامة معروفة، ويعتبر أقرب إلى المعسكر الإصلاحي، غير أنه أيضًا جندي مخلص لخامنئي، ولن يختلف كرئيس عن روحاني أو خاتمي في تلبية رغبات المرشد الأعلى. وهذا هو بالضبط السبب الذي يجعل رئاسة ظريف ممكنة؛ لأنها لا تشكّل تهديدًا لخامنئي.

في الواقع، ربما يرحب خامنئي بترشيح ظريف للرئاسة لإلهاء الجمهور عن حقيقة أنه مسئول بغض النظر عمَّن هو الرئيس. وفي الوقت نفسه، إذا وافق مجلس صيانة الدستور على ترشح ظريف، فمن غير المرجح أن يقاطع الإصلاحيون انتخابات 2021، كما حثهم البعض على ذلك.

سيعود خامنئي إلى نقطة البداية وسيظل المحرك الرئيسي للدمى الذي يلعب بجميع الأوتار، وربما يكون هذا النوع من التمثيلية السياسية كافيًا لجعل قادة الإصلاح المفترضين يشعرون بالأهمية، رغم أنهم قد فقدوا شعبيتهم منذ فترة طويلة.



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق