مودرن دبلوماسي| تركيا تُصدِر قانونًا جديدًا يحمي أنشطتها غير الشرعية


١٣ مايو ٢٠٢٠

ترجمة - شهاب ممدوح

يسمح القانون التركي الجديد (رقم 7242) للسلطات الحكومية التركية، من بينها الاستخبارات وأجهزة تطبيق القانون، بإخراج المعتقلين والمتهمين من السجن لمدة 15 يومًا. هذا القانون المثير للجدل، الذي سيدخل حيز التنفيذ في الخامس عشر من أبريل 2020، ينطبق على السجناء الذين وُجِّهت إليهم تهم الإرهاب والجريمة المنظمة. إن السبب وراء هذا التغيير المثير للجدل وتداعياته المحتملة هو أمر مهم ويستحق التحقيق. وعند البحث عن إجابات ممكنة على هذا السؤال، من الضروري النظر للخلفية التاريخية لنظام حزب العدالة والتنمية الحاكم.

إن الخطاب المدافع عن القيم العالمية وترسيخ الديمقراطية، والذي كان جزءًا أساسيًّا من سياسات حكومة حزب العدالة والتنمية في بداية حياتها السياسية، بدأ ينحرف بعد الاستفتاء الدستوري عام 2010، وتسارع انحرافه في أعقاب أحداث "حديقة غيزي" في مايو 2013 وقضية الفساد في مايو 2013. واكتسبت عملية الانحراف عن القيم الأساسية بالتدريج زخمًا وبلغت ذروتها بعد محاولة الانقلاب المشكوك فيها في الخامس عشر من يوليو 2016. ويمكن القول إن فوضى انعدام القانون في السنوات الست الأخيرة رسّخت السلوك غير الشرعي بوصفه مبدأ أساسيًّا تنتهجه هذه السلطة الحاكمة منذ زمن طويل في هذا البلد. وبالرغم من أن انتقال حزب العدالة والتنمية من الديمقراطية المحافظة إلى الديكتاتورية الفوضوية بدا وكأنه ناجم عن محاولته تغطية جرائمه، غير أن هذا الانتقال كان دومًا نتيجة حتمية لطول فترة حكم الحزب وغياب الرقابة على سلطته. بالتالي فإن تغطية الجرائم بمزيد من الجرائم لم يكن أمرًا صعبًا لهذا النظام الفوضوي. وصل الأمر بنظام أردوغان في عام 2020 أن يُضفي طابعًا مؤسسيًّا على جميع أنواع الخروج عن القانون وانعدام الشرعية، كما أصبح التعذيب المنهجي جزءًا عاديًا من التحقيقات الجنائية ضد المعارضين.

ورغم أن هذا التشريع جرى تفسيره في وسائل الإعلام التركي بأنه "يمنح جهاز المخابرات التركي سلطة إخراج السجناء من السجن"، إلا أن بقاء بند "طلب السلطات المختصة" غامضًا في نصّ القانون، يُظهر أن "أي كيان حكومي" يمكنه أن يطالب بإخراج أي سجين من السجن تحت سلطة نظام حزب العدالة والتنمية. وهذا يعني شيئًا واحدًا، وهو أن ذلك البند صيغ عن قصد بلغة غامضة، بدلًا من أن يشير القانون بصورة واضحة إلى كيان حكومي محدد، أو عبر وضع بند مُقيِّد يشير إلى "وحدات الاستخبارات" أو "وحدات تطبيق القانون".

والسؤال الذي يثير مخاوف في هذه المرحلة هو ما الوكالات الحكومية أو الجهة المخوّل لها إخراج السجناء من السجن لأسبوعين؟ وفي محاولتنا للبحث عن إجابة، فان أول ما سيتبادر إلى أذهاننا هو مصلحة نظام أردوغان مع الجماعات الجهادية في مناطق الصراع وأنشطة هذا النظام في تلك المناطق. لو تذكرنا جيش أردوغان البديل، أي شركة SADAT للاستشارات الدفاعية، ومشاركتها في تدريب الجماعات الجهادية المتطرفة، وعملياتها التي نفذتها بالتعاون مع الجماعات الجهادية التي دربتها في مناطق الصراع مثل سوريا وليبيا، سنجد أنه من المحتمل للغاية أن هذا القانون سيُمكّن الحكومة التركية من إخراج المسجونين لتدريبهم واستخدامهم بطريقة غير شرعية في عمليات قصيرة الأمد في الخارج، أو حتى في الداخل التركي. وما يزيد من المخاوف هو أن شركة SADAT وكيانات أخرى مماثلة، يعملون بشكل مباشر تحت إمرة أردوغان ومن دون سيطرة برلمانية أو قضائية عليها. وعبر استغلاله للقانون الجديد، سيتمكن نظام أردوغان بسرعة من تدريب وتنظيم جماعات جهادية ومتطرفة في مناطق الصراع.

وحتى لو جرى تفسير القانون الجديد وفقًا للتفسير الذي تروّج له وسائل الإعلام التركية، أي السماح للاستخبارات التركية بإخراج السجناء مؤقتًا، هناك سؤال مهم يبرز وهو: لماذا يحتاج جهاز استخبارات إخراج سجناء لمدة 15 يومًا في حين أنه من المتاح بالفعل الآن إجراء مقابلة معهم في السجن؟

إن نصّ القانون الجديد الذي يقول "فيما يتعلق بالجرائم المُرتكبة في إطار أنشطة الإرهاب والجريمة المنظمة" يُظهر أن نطاق القانون ليس مقصورًا على الإرهاب، لكنه قد يشمل أيضًا الجريمة المنظمة (المافيا). مع هذا، وتحت الظروف العادية، يتم إجراء تحقيقات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة من جانب الشرطة والجندرمة لصالح الادعاء. بعبارة أخرى، لا يُعدّ جهاز الاستخبارات وحدة تطبيق قانون ولا يملك سلطة إجراء تحقيقات قضائية؛ فما السبب الذي يجعل جهاز استخبارات يُخرج مسجونًا من السجن وما تداعيات هذا الأمر؟   

إن المخاوف بشأن شركة SADAT للاستشارات الدفاعية تنطبق أيضًا على جهاز الاستخبارات التركي. وتمامًا مثل شركة SADAT، فإن جهاز الاستخبارات لديه مصلحة وعلاقات وثيقة مع الجهاديين في مناطق الصراع، ويمكن لهذه المصالح والعلاقات الوثيقة أن تتحول لفضائح في حال لم يُسيطر عليها. على سبيل المثال، عندما نتذكر أزمة جهاز الاستخبارات في عام 2012 (7 فبراير) وحادثة شاحنات جهاز الاستخبارات عام 2014، سنجد أن وحدات الاستخبارات يمكن أن تنزلق في أنشطة غير شرعية في حال توفرت لها الفرصة. لهذا السبب نجد أنه في المجتمعات الديمقراطية تخضع الأنشطة الاستخباراتية لآليات سيطرة متعددة الأوجه مثل الرقابة القضائية والتشريعية. مع هذا، يرغب نظام أردوغان في استخدام الاستخبارات في أنشطة غير شريعة بما يتلاءم مع مصالحه وأغراضه الشخصية، وذلك مع انحدار هذا النظام نحو الاستبداد، إذ قضى أردوغان على الضوابط والموازين الخاضع لها جهاز الاستخبارات، وطرح قواعد قانونية هدفها حماية الأشخاص المتورطين في أعمال غير قانونية. 
    
على سبيل المثال، وفقًا للقانون رقم 6532 والذي أصبح ساريًا في السادس والعشرين من فبراير عام 2014، جرى توسيع الولاية القضائية للاستخبارات وأصبحت غامضة للغاية. إن فقرة "تنفيذ الواجبات التي كُلف بها جهاز الاستخبارات من مجلس الوزراء في قضايا متعلقة بالأمن الخارجي ومكافحة الإرهابي والأمن الوطني" الواردة في المادة الأولى لهذا القانون، تجعل مجلس وزراء الحكومة الحالية (وليس البرلمان) هو من يحدّد تعريف جهاز الاستخبارات. كما منح هذا الترتيب القانوني أيضًا حماية خاصة لأعضاء جهاز الاستخبارات وأعفاهم من السيطرة القضائية، عبر عدم السماح للمدعين بفتح تحقيق مع أفراد الاستخبارات إلا بعد الحصول على موافقة من المؤسسة التي تخضع للتحقيق. وتنص المادة رقم 6 للتعديل القانوني رقم 6532 على ما يلي:  

"عندما يتلقى المدعون العامون أي شكاوى أو اتهامات فيما يتعلق بواجبات وأنشطة جهاز الاستخبارات الوطني أو أعضائه، أو عندما يعلمون بوجود وضع كهذا، فعليهم إبلاغ جهاز الاستخبارات الوطني. لو ذكر جهاز الاستخبارات أو شهد أن هذا الأمر مرتبط بواجباته أو أنشطته، لا يُتخذ إجراء قضائي إضافي، ولا تُفرض إجراءات حماية قضائية".

عقب الانقلاب المشكوك بأمره في الخامس عشر من يوليو 2016، استخدم أردوغان وحدات الاستخبارات بصورة واسعة في أنشطته غير القانونية وانتهاكاته الحقوقية ضد معارضيه. وفي هذا السياق، وعند أخذ مزاعم المحامين ونقابات المحامين والبرلمانيين المعارضين في الاعتبار، ستصبح النقاط التالية أكثر وضوحًا لنا:

-    تأسيس غرف تعذيب داخل أقسام الشرطة.
-    تعذيب الكثير من الأشخاص أثناء عملية الاعتقال وأثناء احتجازهم لدى الشرطة.
-    مشاركة أفراد الاستخبارات في التعذيب إلى جانب أفراد الشرطة.
-    فقدان أو اختطاف ما مجموعه 28 شخصًا منذ عام 2016.
-    الأشخاص المخطوفون جرى ترحيلهم إلى "مديرية الأنشطة الخاصة" المعروفة باسم مزرعة تعذيب جهاز الاستخبارات.
-    جرى إجبار هؤلاء الأشخاص تحت التعذيب على الاعتراف بجرائم لم يرتكبونها.
-    بعض الأشخاص المخطوفين تُركوا أمام مراكز الشرطة وهم يعانون من آثار تعذيب جسدية وعقلية، فيما لم ترد أخبار عن المختطفين الآخرين.

وبالرغم من أن هذه المزاعم جرى الإبلاغ عنها باستمرار من جانب مجالس الدفاع عن المتهمين ونقابات المحامين مدعومة بأدلة ملموسة، غير أن نظام أدوغان تجاهلها! حتى أن السلطات لم تكلف نفسها عناء مراجعة هذه المزاعم أو التحقيق فيها، كما رفضت حكومة أردوغان باستمرار طلبات تأسيس لجان بحث قدّمها برلمانيون معارضون للبرلمان بخصوص مزاعم الاختطاف والتعذيب.

 وفي حال مُنح جهاز الاستخبارات (غير الخاضع لأي نوع من الرقابة القضائية أو البرلمانية والذي يعمل خارج سيطرة المدعين والقضاة) السلطة لإخراج سجناء من أي نوع من السجن، فإن هذه السلطة ستتسبب في حصول المزيد من حوادث التعذيب، ليس فقط أثناء الاحتجاز لدى الشرطة ولكن أيضًا أثناء عملية الاعتقال. من الواضح أن هذا سيجعل التعذيب الممنهج أكثر شيوعًا وسيؤدي لحصول انتهاكات شديدة لحقوق الإنسان، والأهم أن هذا سيمنح ضمانة قانونية للمتورطين في هذه الأنشطة غير الإنسانية وغير القانونية تحت ستار أداء واجبات رسمية.

وبالرغم من أن نظام أردوغان مرّر هذه القوانين لحماية أفراده المتورطين في هذه الممارسات الفاسدة وغير الإنسانية، إلا أن تلك التعديلات القانونية تنتهك روح حكم القانون والقيم العالمية، ولن تحمي الأفراد الذي تورطوا في جرائم وعمليات تعذيب دولية.

وفي النهاية يجب التذكير بأن الجمهورية التركية بذلت جهدًا كبيرًا لترسيخ القيم الديمقراطية والوصول لمعايير الاتحاد الأوربي، وما من شك أن تركيا ستعود مجددًا لقيمها الأساسية عقب رحيل نظام أردوغان. وعندما يأتي هذا الزمن، لن تكون هذه العراقيل القانونية قادرة على وقف مساءلة هذه الأنشطة الظالمة وغير القانونية التي تتناقض تمامًا مع روح القانون.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق