لوفيجارو | بعد توكل كرمان .. هل يمكن الوثوق في مكافحة فيسبوك للمحتوى العنيف؟


١٦ مايو ٢٠٢٠

ترجمة - محمد شما

انضمت مؤخرا توكل كرمان، الحاصلة على جائزة نوبل للسلام،والمقربة من جماعة الإخوان المسلمين، إلى مجلس حكماء فيسبوك مما تسبب بإثارة القلق لدىالسيدة ناتالي جويله، النائبة باتحاد الديموقراطيين والمستقلين بالبرلمان الفرنسي عن دائرة أورن، ورئيسة لجنة التقصي بشأن التنظيم ووسائل مكافحة الشبكات الجهادية في فرنسا وأوروبا.حيث سيتمتع موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك بموجب قانون آفيا،بامتيازات كبيرة في مجال مكافحة المحتوى العنيف.

وتشكل مكافحة الخطاب العنيف على شبكة الإنترنت تحديا حاسما في مجال مكافحة الإرهاب منذ سنوات حيث يتوجب تحقيق التوازن بين السيطرة والأمن وحرية التعبير. وفي هذا الصدد، شهدت الأيام القليلة الماضية حدثينهامين: اعتماد ما يسمى بقانونآفيا(Avia) والإعلان عن تشكيل مجلس حكماء فيسبوك.

قانون آفيا، خطير وغير قابل للتطبيق

وعلى نطاق واسع، اعترض مجلس الشيوخ على تبني الجمعية الوطنية في 13 مايو، قانون يهدف إلى مكافحة المحتوى الذي يحرض على الكراهية والمعروف باسم قانون آفيا. حيث تشكل المادة الأولى من هذا القانون، والتي قد تبدو للوهلة الأولى جديرة بالثناء لأنها تهدف إلى معاقبة أي منصة تروج لمحتوى يحض على الكراهية، خطرًا كبيرا على حرياتنا العامة ولا سيما حرية التعبير.

في الواقع، سيتم منح المنصات -عبر تقريريتم إرساله إليهم- مهلة لحذف المحتوى الذي يتم الإبلاغ عنه أو تعطيل الوصول إليهبحيث تمتد هذه المهلة لأربع وعشرين ساعة للمحتويات العنصرية ومحتويات التحريض على الكراهية ورهاب المثلية، وساعة واحدة للمحتوىالإرهابي. وإن لم تفعل فسيتم بعد المهلة، توقيع غرامات قاسية تصل إلى ربع مليون يورو.

وبسرعة، سيصبح حذف جميع المحتويات المُبلغ عنها أكثر جدوى من دراسة حقيقة الكراهية أو الخطورة. وبالتالي، سيشكل هذا الإجراء أداة رقابة شبه تلقائيةبعيدة عن التدخل القضائي، بحيث يؤول تقدير مفهوم حرية التعبير إلى هذه الشركات الكبرى- عديمة الجنسية – وإلى نموذجها الاقتصادي. "هذا النص خطير وغير قابلللتطبيق" وفقا لشرطة الإنترنت بمجموعة الخمس الكبار الأمريكية للإنترنت والمسماة (جافام).

وإذا تم إصدار النص كما هو، فسوف نفقد السيطرة وجزء من سيادتنا على الأدوات الرقمية اليومية والمنصات التي تحتفظبأسرارها واختصاصاتها. وبينما اعترف فيسبوك، عقب الهجوم الخسيس في كرايستشيرش في مارس 2019، بأنه تم نشر 300 ألف فيديو إرهابي عبره، وأن فريقًا يتألف من أكثر من 150 شخصًا عمل منذ ذلك الحين على إزالة هذا المحتوى، توجب إزالة أكثر من 4 ملايين محتوى يحرض على الكراهية في الربع الأول من عام 2020. وقام موقع فيسبوك بتشديد شروط استخدامه، عبر التوقف عن إتاحة استخدام خاصية البث المباشر وإغلاق كافة المجموعات التي تدعم أو تبارك الإرهاب، والتي تقوم بجمع التمويل عبر الإنترنت.

قوة فيسبوك تستطيع ويجب أن تثير الهلع

كل هذه الجهود تستحق الثناء، فهي ضرورية بالنظر إلى المكانة التي تحتلها هذه الشبكة في الحياة اليومية لملايين المستخدمين، الذين يمكنهم إساءة استخدامالشبكة عبر المحتوى المنشور. وهكذا وفي ظل الحرب ضد كوفيد-19، فإن قوة فيسبوك باعتباره وسيلة لنشر التدليس، تستطيع ويجب أن تثير الهلع. وللاقتناع بهذا الأمر يكفي التعرف على الأرقام التي نشرتها الشركة بنفسها. يقول مارك زوكربيرج مؤسس شبكة فيسبوك : "المستخدمون الذين ينقرون على أخبار زائفة عن كوفيد-19 أو يعلقون عليها أو يشاركونها باتوا يتلقون من الآن فصاعدا رسالة تشجعهم على زيارة مصادر موثوقة مثل موقع منظمة الصحة العالمية."

وبينما تكثر الشائعات، يشير موقع فيسبوك إلى أنه أعاد بالفعل توجيه ما يقرب من 2 مليار مستخدم، أو جميع أعضائه تقريبًا، إلى معلومات من سلطات الصحة العامة، من خلال مركز معلومات كوفيد-19 المتاح على الصفحة الشخصية الخاصة بكل مشترك. ونتيجة لذلك نقر أكثر من 350 مليون مستخدم على الرسائل التعليمية على منصتي فيسبوك و انستجرام للتعرف على المزيد.

توكل كرمان، الشهيرة بانخراطها في العمل النسوي في الشرق الأوسط، شخصية مثيرة للجدل بشدة
لذلك من المؤكد أن فيسبوك يتمتع في هذا المجال كما في مجالات أخرى، بدراية كاملة بمدى قوة أداته والأضرار التي قد تنتج عن سوء استخدامها. وفي سياق الظروف الراهنة، أقدم فيسبوك على تشكيل "مجلس مراقبة المحتوى" الذي تم الإعلان عنه مسبقا في سبتمبر 2019.

ويتألف هذا المجلس من عشرين شخصية مستقلة، مسؤولة عن ضمان التوازن بين حرية التعبير والأمن، ومن بين هذه الشخصيات رئيسة الوزراء الدنماركية السابقة السيدة هيلي ثورننغ شميدت، والمحرر السابق بصحيفة الجارديان، السيد ألآن روسبريدجر، والقاضي السابق في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان،السيد أندرياس ساجو. وبسبب الظرف الذي نعيشها في فرنسا من خروج من مرحلة الحجر الصحر،مرت المعلومة التاليةمرور الكرام: فهناك أيضًا من بين الشخصيات فائزة سابقة بجائزة نوبل للسلام، إنها توكل كرمان التي أثار اختيارها ضجة في جزء كبير من العالم العربي وفي وسائل الإعلام الأنجلو ساكسونية. هذه الشخصية اليمنية، المعروفة بتوجهاتها النسوية في الشرق الأوسط، هي أكثر من مثيرة للجدل، ولا سيما بسبب مواقفهاالعديدة المؤيدة لجماعة الإخوان المسلمين.

ويجب الإشارة إلى أن حركة الإخوان المسلمين محظورة في العديد من الدول وأن زعيمها يوسف القرضاوي، وهو لاجئ في قطر حاليا، مطلوب في الولايات المتحدة، وممنوع من الإقامة في فرنسا وبريطانيا العظمى، وغير مرغوب فيه في دول عربية مثل مصر والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية. وبالنسبة للإخوان المسلمين، يقدر عدد الحسابات على شبكات التواصل الاجتماعي المرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بالجماعة في مصر بأكثر من 2 مليون حيث يظل الإنترنت القناة المفضلة لنشر هذه الأيديولوجية المثيرة للجدل. بالإضافة إلى ذلك هناك آلاف الحسابات المرتبطة بالإيديولوجيات المتطرفة بمختلف أطيافها، من جماعات تفوق البيض وحتى جماعات التطرف الإسلامي.

الحصول على جائزة نوبل لا يضمنالالتزام بالقيم الإنسانية مدى الحياة

لقد أوضحت الأحداث الجارية أن الحصول على جائزة نوبل لا يضمن الالتزام بالقيم الإنسانية مدى الحياة. فقضية أونغ سان سو كي تضرب مثالا أكثر من صريحا على وجهة النظر هذه حيث لم ترقى ردة فعلها على الإبادة الجماعية لمسلمي الروهينغيا إلى قدر الحدث. وضحية الأمس صار جلاد اليوم.وبكل أسف يمتلئ التاريخ بمثل هذه التناقدات في المواقف.

إذن، كيف يمكننا أن نفهم ونقبل أن مجلس مراقبة المحتوى على شبكة فيسبوك، التي تستقبل ما يقرب من 2.6 مليار مستخدم شهريًا، بخلاف المليار مستخدم لشبكة انستجرام، يضم مثل هذه الشخصة المثيرة للجدل والمتهمةبتأييدها المؤكد لجماعة الإخوان المسلمين، المعروفة بترويجها للخطابات المتطرفة والمعادية للسامية بشكل علني؟ كيف لنا أن نأمل في أن يكون لهذا المجلس أي جدوى في قمع رسائل الكراهية بينما أحد أعضاؤه متهم بتأييدها؟

يمكننا أن نفهم بشكل أفضل معارضة مجلس الشيوخ والمتخصصين لهذا القانون بسبب خداع هذا النص الخطير ونحن في انتظار إحالته إلى المجلس الدستوري. لكن الإشارة التي أرسلها فيسبوك هذا الأسبوع في تعيينات مجلس مراقبة المحتوى التابع له تثير الشكوك حول مصداقيته في مكافحة الإيديولوجياتالتي تعتبر خطيرة في العديد من البلدان.

في النهاية، يجب القول أن تعيين شخصية تحمل أيديولوجية مثيرة للجدل في مثل هذه المنصة هو أمر يستدعي الانتقاد على أقل تقدير. وفي رأيي، هذا خطأ جثيميستدعي توخي المزيد من الحذر والمزيد من عدم الثقة تجاه عمالقة الإنترنت الذين غزوا حياتنا.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق