الجارديان | رغم تطوره الهائل.. الذكاء الاصطناعي لا يزال عاجزًا عن اتخاذ قرارات مصيرية تمسّ حياة البشر


١٧ مايو ٢٠٢٠

ترجمة - شهاب ممدوح

يبحث الذكاء الاصطناعي عن عقار لمكافحة كوفيد19، كما ساعدنا على تتبّع الوباء وجمع معلومات عنه. هو يشخّص المرضى ويفرزهم ويتعرّف على مَن يحتاجون عناية مركّزة قبل تدهور حالتهم.

هناك الكثير من الضجيج والمبالغة بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي لمكافحة فيروس كورونا. وبعضٌ من هذا مبرر، فقدرة الذكاء الاصطناعي على فرز كميات هائلة من البيانات والتعرف على الأنماط هو أمر ذو قيمة عظيمة، غير أن بعض هذا الضجيج مجرد مديح مُخادع؛ إذ لم يتوقع الذكاء الاصطناعي، كما زعم البعض، انتشار الوباء قبل أن يكتشفه البشر. إن المزاعم المتضخمة بشأن قدرة الذكاء الاصطناعي على تشخيص كوفيد19 مثلًا ينبغي أن تكون سببًا للشك وليس الاحتفاء.  

إن بعض استخدامات الذكاء الاصطناعي تثير حالة من القلق - مثل استخدام الذكاء الاصطناعي في المراقبة الجماعية، كما أن بعض جوانب الوباء كشفت عن أوجه قصور الذكاء الاجتماعي. وقد وجدت الخوارزميات، مثل تلك التي يستخدمها بائعو التجزئة على الإنترنت، والمدربة على السلوك البشري العادي، أن سلوك الناس تغير تمامًا عندما يتعلق الأمر بالتسوق أو السفر، وهو ما أصاب تلك الخوارزميات بالارتباك.

يشير هذا كله إلى الحاجة أن نكون أكثر وضوحًا بشأن الأمور التي تجيدها الآلات والأمور التي يجيدها البشر. يوضح عالم الحاسوب والفيلسوف "برايان كانتويل سميث" هذا الفرق عبر التمييز بين ما يسميه "الحساب" و"التمييز" (reckoning and judgment).

إن الحساب في الأساس يعني القدرة على التلاعب في البيانات والتعرف على الأنماط، بينما يُشير التمييز إلى شكل من أشكال "التفكير التداولي" المرتكز على الالتزام الأخلاقي والعمل المسئول، والملائم للموقف الذي يُستخدم من أجله".

يرى "سميث" أن "التمييز" ليس مجرد وسيلة للتفكير بشأن العالم، لكنه ينشأ من علاقة خاصة يمتلكها الإنسان مع العالم ولا تمتلكها الآلات. إن البشر مجسّدون ومترسخون في العالم. نحن نستطيع التعرف على العالم باعتباره شيئًا حقيقًا وموحّدًا، ولكننا نستطيع أيضا تفكيكه إلى أشياء وظواهر مميزة، ويمكننا تمثيل العالم، لكن يمكننا أيضًا إدراك الفرق بين التمثيل والحقيقة. والأهم من ذلك هو أن البشر لديهم التزام أخلاقي تجاه الحقيقة على حساب التمثيل. فالأمر المهم أخلاقيًّا ليس الصورة أو التمثيل العقلي الذي أمتلكه عنك، ولكن حقيقة أنك موجود في هذا العالم. يؤكد "سميث" أن النظام المبني على "التمييز" يجب ألا يكون ببساطة قادرًا على التفكير ولكن أيضًا على "الاهتمام بما يفكر فيه"، أي يجب أن "يكترث". البشر يكترثون، لكن الآلات لا تفعل هذا.
    
قد يكون الذكاء الاصطناعي قادرًا على فرز المرضى بسبب قدرته على التعرف على الأنماط التي قد تفوت البشر، لكن ما من آلة لديها التزام أخلاقي مثل الأطباء أو الممرضين، الذين يتجاوز اهتمامهم مسألة الحقائق والأنماط؛ فهم ينظرون إلى مرضاهم باعتبارهم أشخاصًا لديهم قيمة وكرامة يجب حمايتها.
إن أحكام البشر ليست بالضرورة صائبة، ولا يتصرف البشر دومًا وفق تمييز سليم، لكن البشر جميعهم لديهم القدرة على فعل ذلك. لهذا السبب نحمّل البشر، وليس الآلات، المسئولية الأخلاقية على تصرفاتهم.

إن مراعاة الفرق بين الحساب والتمييز مهم في تقييم ليس الآلات فقط ولكن البشر أيضًا. ومع انتشار هذا الوباء، كان أحد الردود المهمة من وزراء الحكومة، عند مواجهتهم لأسئلة سياسية صعبة، كان الإشارة إلى أنهم "يتبعون العلم" فقط. المسألة هي أنه ليس هناك "علم" واحد يمكن اتباعه، وأن معظم ما نعرفه عن فيروس كورونا ممزوج بعدم اليقين، ولكن حتى لو كان العلم واضحًا، فإننا ما نزال لا نستطيع أن ننبذ التمييز السليم.

فلنأخذ مثلا النقاش بشأن إعادة فتح المدارس: لنفترض أننا نعلم بالتأكيد مدى احتمال إصابة الأطفال بالفيروس، ونقلهم الإصابة لآخرين، وما هو بالضبط معدل تكاثر الفيروس في أي منطقة في البلاد، حينها سيظل القرار الخاص بإعادة فتح هذه المدارس مرتكزًا على اتخاذ قرارات سياسية وأخلاقية لموازنة خطر زيادة الإصابات مع خطر خسارة الأطفال للتعليم، وخطر تفاقم أوضاع المحرومين.

ترتكز أفضل السياسات العامة على الحقائق، لكنها تتطلب منا أيضًا الاختيار بين مطالب متنافسة، واتخاذ قرار بشأن ملاءمة هذه المطالب للالتزامات السياسية والأخلاقية المختلفة. قد يكون هناك تمييز سليم وتمييز سيء، ولكن لا يمكن التظاهر بعدم وجود التمييز ذاته.

إن جملة "نحن نتبع العلم" توحي بأن صناعة السياسات هي مسألة تتعلق بالحساب - أي إجراء حسابات بناء على البيانات المتاحة - عوضًا عن التمييز أيضًا. هي توحي أيضًا أن الحاسوب، وليس الإنسان، سيكون مؤهلًا أكثر لقيادة عملية مكافحة فيروس كوفيد19.

وفي النهاية، لا تستطيع الآلات أن تفكر مثل البشر، ولا ينبغي للبشر أن يتصرّفوا مثل الآلات، وينطبق هذا أيضًا على السياسيين.      


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق