أمريكان إنترست: لماذا تتأزم العلاقات عبر الأطلسي؟


١٨ مايو ٢٠٢٠

ترجمة - بسام عباس

لم تعد علاقات عبر الأطلسي في حالة جيدة. ورغم أن عداء ترامب تجاه الاتحاد الأوروبي هو عامل مساهم، غير أنه ليس الوحيد أو حتى الأكثر أهمية. أما فيما يتعلق باستمرار الشراكة على المدى الطويل، فإن ما يحدث في أوروبا مهم على الأقل بنفس قدر ما ستنتج عنه الانتخابات الأمريكية في نوفمبر.

بالطبع، لن تكون الشراكة قابلة للتطبيق إذا ما رفضت واشنطن قبول هذه الفكرة الواضحة: "بما أن الأوروبيين ملتزمون بالمشروع الأوروبي، فإن أي تلميحات من الإدارة الأمريكية بتجاهله أو تقويضه ستقابل بعدم الثقة على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي".

ذلك أن التفكير في أن التحالف عبر الأطلسي يمكن أن يزدهر دون الرضا بفكرة أن "الاتحاد الأوروبي جزء مهم من الصورة"، لهو أمر خيالي مثل اقتراح السيناتور "جوش هاولي"، الأسبوع الماضي، بإلغاء منظمة التجارة العالمية والبحث عن ترتيبات اقتصادية جديدة "بالتنسيق مع الأمم الحرة الأخرى"، كما لو أن الدول الحرة الأخرى لا يمكنها الانتظار للعمل مع الأمريكيين بمجرد أن تدمر الولايات المتحدة حجر الأساس لنظام التجارة العالمي.

ولكن حتى لو اندلعت الحمى الشعبوية لدى اليمين السياسي وزالت حالة الازدراء تجاه الاتحاد الأوروبي، فإن الاستهزاء الأمريكي بما هو عليه الاتحاد وما يفعله سيستمر على الأرجح. بعد كل شيء، يتجاوز هذا الأخير الخطوط الحزبية ويسبق عصر ترامب، كما توضح المكالمة الهاتفية الشهيرة من "فيكتوريا نولاند". والأهم من ذلك، لا يمكن اختزالها فقط في نقص المعلومات أو الفهم حول قيمة تواجد الاتحاد الأوروبي على الطاولة.

بدلاً من ذلك، فإن التسلية والإحباط يعكسان السؤال الدائم حول بمن سيتصل الأمريكيون إذا أرادوا التحدث إلى أوروبا. فيما يتعلق بقضية الأمن الصعبة، على وجه الخصوص، سيكون من العسير على أي إدارة أمريكية أن تحاول التعامل مع الاتحاد الأوروبي أولًا، بدلًا من الحكومات الوطنية. فالنجاحات الأوروبية البارزة (والنادرة!)، مثل عمليات مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل أو الشرطة البحرية في مضيق هرمز، لم تكن مدفوعة من الاتحاد الأوروبي ولكنها نتجت عن تحالفات مخصصة من الحكومات الوطنية، بما في ذلك المملكة المتحدة.

أما فيما يتعلق بالموضوعات التي تهم الولايات المتحدة والتي من الطبيعي أن يكون الاتحاد الأوروبي في وضع يمكنه من لعب دور كبير فيها – فكر في العلاقات التجارية مع الصين أو سياسة الجوار – فإن الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي غالبًا ما تقف في طريقه. وفيما يتعلق بالطاقة، يتم الترحيب بمبادرات الولايات المتحدة في أوروبا الشرقية، حيث يشعر الكثيرون بالقلق بشأن الاعتماد على الغاز الروسي، ولكن بصورة أقل في غرب أوروبا، الذي تنشغل دوله بإزالة الكربون وحماية البيئة.

من المؤسف دائمًا أن نجد ترامب يعمق الانقسامات القائمة ويقوض القادة الأوروبيين الكبار، لا سيما عندما يحرزون أي تقدم لا تستفيد منه الولايات المتحدة استراتيجيًّا، وعندما تجد تعليقاته المستمرة حول خروج بريطانيا أو الهجرة أصداءً دعائية للقوى المعادية. ورغم ذلك كله، لم يكن هو– ولا الولايات المتحدة – السبب الرئيسي لوجود الانقسامات بين دول الاتحاد الأوروبي، كما أنه ليس السبب في صعوبة رأب الصدع بينها.

ونتيجة لذلك، يواجه الاتحاد الأوروبي مشكلة الدجاجة والبيضة. فمن ناحية، يطالب الاتحاد من العالم، وخاصة الولايات المتحدة، أن يأخذه على محمل الجد. ومن ناحية أخرى، لم يقدّم سوى القليل نسبيًّا ليستحق هذا الاعتراف. وذلك فإن سبب تعامل القوى الأجنبية مع الحكومة الفيدرالية الأمريكية وليس مع حكام الولايات هو سبب عملي وليس أيديولوجي أو فكري. حيث يمكن لواشنطن أن تحقق أشياء لا يمكن للولايات أن تقوم بها. وبالمثل، ففي اللحظة التي تثبت فيها بروكسل أنها تستطيع أن تفعل أشياء لا تستطيعها الحكومات الوطنية حينها سيستمع إليها الأصدقاء والأعداء.

إن جذر المشكلة يكمن في شخصية الاتحاد. فهو أكثر بكثير من مجرد منظمة دولية، لكنه أقل بكثير من اتحاد فعال. وعلاوة على ذلك، وبفضل عقود من الهيمنة العسكرية الأمريكية، فإن الاتحاد يحب أيضًا التفكير في نفسه على أنه نباتي، كهيكل يتجاوز وجود الدولة نفسها وتنافس السلطة الصغيرة. ولذا من المفترض أن يخبرنا بعض مفكري السياسة الخارجية الأوروبيين أنه "من أجل التحول إلى أكلة لحوم كاملة، سيتعين على الاتحاد الأوروبي تغيير طبيعته. لقد جرى بناء الاتحاد الأوروبي كنموذج مضاد لسياسات القوة العظمى التي أغرقت القارة الأوروبية في حربين عالميتين مدمرتين. 

وليس معنى أن يصبح الاتحاد مفرط القوة هو أن يتخلى عن قيم الاتحاد الأوروبي، بل على العكس تمامًا. فجزء مهم من القوة المفرطة المطلوبة يتعلق بإنفاذ القيم المشتركة داخليًا. إن السماح لـ "فيكتور أوربان" بتحويل المجر إلى نظام استبدادي، بينما يستلم مليارات اليورو من أموال الاتحاد الأوروبي من ميزانية الاتحاد الأوروبي، لهو طريقة مؤكدة لكيلا يفي الاتحاد الأوروبي بتطلعاته. كما يضمن أن المحاضرات الغربية حول سيادة القانون والديمقراطية والقيم الأوروبية لا تجد آذانًا صاغية لدى السياسيين والمواطنين في صربيا أو الجبل الأسود أو أوكرانيا.

وعلى العكس من ذلك، فوجود مبادئ وقيم لا يعني تحريمًا أو شلًلا.  فربما لا يرتقي العالم، بما في ذلك الجوار المباشر للاتحاد الأوروبي، إلى المعايير الأوروبية. ومع ذلك، فإن عدم الانخراط معه بطريقة عملية وعدم الدفاع عن المصالح المشتركة للاتحاد الأوروبي هو هزيمة ذاتية. على الرغم من الانتقاد الذاتي لصفقة اللاجئين المبرمة مع الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" في عام 2016، فقد أصلحت الاتفاقية مشكلة لم يتمكن أي شخص آخر من معالجتها.

كان استعداد الاتحاد للقيام بكل ما يلزم للدفاع عن مصالحه علامة جيدة، وليس خيانة للقيم الأوروبية، حتى لو حدث بعد نفاد الخيارات الأخرى. وينطبق نفس المنطق على مفاوضات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، أو العقوبات ضد روسيا، أو "الصفقة التجارية" التي تم التوصل إليها في 2018 بين الرئيس ترامب ورئيس المفوضية الأوروبية "جان كلود يونكر"، ورغم أنها كانت فارغة إلى حد كبير، غير أنها سمحت للرئيس الأمريكي بادعاء النصر، وبالتالي تحييد ضربته للاتحاد الأوروبي بشدة بفرض التعريفات.

تشير كل هذه الأمثلة إلى أنه يمكن أن تنمو للاتحاد الأوروبي أذرع قوية. ولكي يؤخذ على محمل الجد، على الاتحاد الأوروبي أن يستعرضها في كثير من الأحيان. وإحدى المجالات الواضحة هي التجارة ووضع المعايير الدولية، التي تم تنشيطها في أعقاب استفتاء خروج بريطانيا لعام 2016 تحت قيادة "سيسيليا مالستروم".

ولكن مرة أخرى، هناك حاجة إلى المزيد من القسوة، خاصة وأن التجارة مجال من مجالات السياسة التي أوصلتها الدول الأعضاء إلى مستوى الاتحاد الأوروبي. ونتيجة لذلك، لا ينبغي أن يكون للبرلمان الوالوني أي رأي في الصفقات التجارية للاتحاد الأوروبي مع كندا أكثر من المجلس الإقليمي لواترلو، في أونتاريو.

إن الجائزة الكبرى للمفوضية الحالية، خاصة إذا كانت هناك إدارة جديدة في واشنطن، ستكون العودة إلى اتفاقية تجارة حرة كبرى عبر الأطلسي، والتي يمكن أن تكون مفتوحة في نهاية المطاف لديمقراطيات أخرى. والحتمية ليست اقتصادية بحتة ولكن أيضًا جيوسياسية، ولذلك من المهم معرفة هل قواعد اللعبة فيما تبقى من القرن الحادي والعشرين ستضعها الديمقراطيات الغربية، أم هل سينهار الغرب ويسقط فريسة للتجارة الاقتصادية الصينية.

البديل لهذا السيناريو ليس فقط أن يظل الاتحاد الأوروبي غير ذي صلة إلى حد كبير كعامل جيوسياسي، ولكن أيضًا في انهيار الشراكة عبر الأطلسي في النهاية. وبينما يستفيد الأوروبيون الشرقيون – على وجه الخصوص – بشكل كبير من المظلة الأمنية للناتو، إلا أنه لا يوجد ما يكفي من التعاون التقليدي عبر الأطلسي بشأن مسائل الدفاع والطاقة والانخراط مع البلقان وعالم ما بعد الاتحاد السوفيتي للحفاظ على اهتمام الأمريكيين على المدى الطويل. وبالفعل، ففي أماكن مثل كوسوفو، لا ترى الإدارة الأمريكية الحالية أي جدوى من التنسيق مع الاتحاد الأوروبي.

ولمنع الشراكة عبر الأطلسي من أن تصبح ظلًا لذاتها السابقة، يجب على الاتحاد الأوروبي أن يفرض نفسه بحيث لا يمكن الاستغناء عنه. إن معرفة الاتحاد لما يريده والاستعداد للإلقاء بكامل ثقله للحصول عليه سيكون خطوة أولى جيدة.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق