CapX | معركة ألمانيا مع البنك المركزي الأوروبي تكشف المشكلة الأساسية لمنطقة اليورو


١٩ مايو ٢٠٢٠

ترجمة - شهاب ممدوح

كما هو معروف جيدًا، فإن الوظيفة الوحيدة لتنبؤات خبراء الاقتصاد هي إظهار المنجمين بمظهر جيد. لكن أولئك الذين توقعوا وجود تناقضات متأصلة في اليورو كانوا في الواقع مصيبين.

إن هذه التناقضات لم تُحل بعد، وحلّها سيتطلب إنشاء خزانة أوروبية مشتركة، ليس فقط سياسة مالية مشتركة ولكن تدفقًا متبادلًا للأموال. إن هذا الأمر المهم هو الذي ترتكز عليه المعركة بين المحكمة الدستورية الألمانية والاتحاد الأوروبي والبنك المركزي الأوروبي، كما أورد "أمبروس إيفانز بريتشارد" في مقال له بصحيفة تليغراف.

إن السبب وراء تحقق التوقعات التي قيلت في التسعينيات هو أن الأمر يتعلق بالأسواق وكيف تعمل، وهو ما تُصيب فيه عادة مدرسة الاقتصاد الكلاسيكي الجديد. ما نقصده هنا بالتحديد هو نظرية "روبيرت مونديل" المعروفة باسم "مناطق العملة المثالية". بعبارة أبسط، المشكلة مع العملة الموحدة بوضعها الراهن هو أنه إما أن ألمانيا تدفع مقابل كل شيء أو أن اليورو يفشل - الفشل هنا لا يعني بالضرورة اختفاء اليورو، ولكنه فشل في زيادة دخل وثروة الأوروبيين، وهو ما يجب أن يكون الهدف من امتلاك سياسات أو هياكل اقتصادية في المقام الأول.

الحقيقة المركزية هي أن وجود عملة موحّدة يستلزم وجود معدلات فائدة موحدة - وكل شيء ينبع من هذا الأمر. من الواضح أن المجموعات البشرية تقوم بعمل أفضل عندما تكون لديها عمله موحّدة. مع هذا، فإن وجود وسائل تبادل موحّدة يجب أن يعني أيضًا وجود معدل فائدة موحّد.

في حال كان هذا النظام موجودًا في مدينة أو بلدة صغيرة، تكون الفوائد أكبر من المشاكل. لكن مع تزايد المنطقة الجغرافية، يبدأ النظام في إدماج مناطق اقتصادية مختلفة اختلافًا تامًا، ما يستلزم سياسة نقدية مختلفة - معدلات فائدة مختلفة - للتعامل مع الظروف الاقتصادية المحلية لهذه البلدان. وقياسًا على ذلك، تعد منطقة اليورو ببساطة شاسعة للغاية، وتختلف الاقتصاديات الأوروبية اختلافا كبيرًا ما يمنع تبنّيها لمعدل الفائدة ذاته. ولدينا دليل عملي على ذلك: حيث إنه في بداية الألفية الجديدة، جرى تخفيض معدلات الفائدة لأن المتوسط الاقتصادي المرجح - مدفوعًا لحد كبير بحاجة ألمانيا لهذه المعدلات قبل البدء في تنفيذ إصلاحات "هارتز آيفي" - كان يتطلب ذلك. ذلك كان يعني أن معدلات الفائدة في الاقتصاديات الطرفية مثل إيرلندا وإسبانيا، التي كانت تواجه حاجات مختلفة تمامًا، كانت منخفضة للغاية. هذا بدوره تسبب في حدوث تلك الفقاعات العقارية الهائلة وما صاحبها من مشاكل عندما اندلعت الأزمة المالية. في الواقع، فإن الدليل على أن منطقة اليورو كبيرة للغاية لكي تكون مثالية، لا يكمن في الانهيار ذاته ولكن في الفقاعات المحلية التي سبقته.

إن اليورو بوضعه الحالي لن ينجح إلا بعد 50 إلى 100 عام من التقارب الاقتصادي على الأقل. هناك دليل عملي آخر على هذا، إذ إن هذا هو التقدير العام للمدة التي استغرقتها الولايات المتحدة لكي تصبح منطقة مثالية.

وتخبرنا النظرية أيضًا أنه لو أردنا توسيع المنطقة التي تعمل فيها عملة موحّدة، فإن تحقيق هذا لن يعتمد بشكل كامل على سياسة نقدية. ولو كانت السياسة المالية مُنسقة في عموم المنطقة، حينها يمكن توسيعها. والسياسة المالية هنا تعني الضرائب والإنفاق.

المقصود هنا بشكل أكثر تحديدًا، كما أوضح "بول كروغمان"، هو الطابع المركزي لسياسة الضرائب والإنفاق. فالمنطقة التي تعاني من مصاعب تدفع نتيجة لهذا ضرائب أقل، وتحصل في الوقت ذاته على إعانات ومدفوعات أكثر من المركز. لهذا، فإن "مُثبتات الاستقرار التلقائية" هذه تقدّم محفزات مالية للمناطق الأكثر تضررًا، بينما تضعف من نشاط المناطق المتمتعة بوضع مالي أفضل. إن السياسة النقدية لا يتعين عليها أن تتحمل عبء توسيع المنطقة التي ستعمل فيها العملة الموحّدة.

هنا تبدأ الخلافات الراهنة. جميع ما ذُكر معروف جيدًا للأشخاص الذين يجادلون مع طرفي النقاش، حتى وإن كان هذا غير معروف لعامة الجمهور. إن الاتحاد المالي يعني أن الاقتصاديات ستساهم في تمويل الصندوق المركزي في شكل ضرائب، ثم بعدها تحصل على مجموعة متنوعة من أشكال الإنفاق العام من هذا الصندوق المركزي. هناك تقدير مفيد يعطينا لمحة عن حجم الأموال الضرورية، حيث إن الحكومة الفيدرالية في الولايات المتحدة تقتطع ما بين 15-20 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي لدعم مُثبتات الاستقرار التلقائية. ونظرًا لأن ألمانيا هي أكثر ثراءً من العديد من اقتصاديات منطقة اليورو، فهذا يعني أن مواطنيها سيدفعون قدرًا أكبر من الأموال مقارنة مع ما يحصلون عليه، وهو اقتراح أبسط ما يُقال عنه إن الألمان غير راضين عنه بالكامل.

لهذا السبب أيضًا هناك قواعد صارمة بشأن ما يمكن للبنك المركزي الأوروبي فعله فيما يتعلق بالتسهيل الكمّي والسياسة النقدية، إذ إنه لا يوجد خط فاصل واضح بين إجراء تسهيل كمّي باعتباره سياسة نقدية وبين ما يُعرف بالتسييل النقدي للسياسة المالية. على سبيل المثال، لو اشترى البنك المركزي الأوروبي سندات إيطالية في السوق، فإن هذا لا يعدّ تخفيضًا لمعدلات الفائدة طويلة الأجل، لكنه يُعدّ من الناحية العملية تمويلًا لإنفاق الحكومة الإيطالية. إن السياسة النقدية يتم استخدامها لتمويل الإنفاق، هذا هو معنى التسييل النقدي للسياسة المالية.

ولهذا السبب ذكرت المحكمة الدستورية الألمانية أن البنك المركزي الأوروبي لا يمكنه القيام بما كان يقوم به.

المشكلة هنا أنه ما من وسيلة للخروج من هذا. فاليورو لن ينجح - من ناحية تحسين حياة الناس - دون اتحاد مالي، وذلك نظرًا لأن منطقة اليورو كبيرة جدًّا، ما يمنعها من أن تكون منطقة عملة مثالية دون الاتحاد. مع هذا، فإن الاتحاد المالي يعني أن الدول الأكثر ثراءً - مرة أخرى ألمانيا لحد كبير- ستدفع أموالًا للدول الأفقر. لدينا هنا دائرة مغلقة يصعب كسرها.

الحل الأمثل، بالطبع، كان عدم إنشاء اليورو في المقام الأول، وأنا أقول هذا نظرًا لأنني كنت أعمل يومًا ما لصالح "حزب استقلال المملكة المتحدة". لكن من المفيد التوضيح أن آرائي السياسية كانت مدفوعة بهذا التحليل الاقتصادي، وليس العكس.

هذه هي القضية الأوروبية المركزية - وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ليس سوى عرض جانبي في هذا المخطط الأكبر للأمور. وإن لم يتم إنشاء اتحاد مالي، فإن الإدارة الاقتصادية الراهنة لن تكون قابلة للتطبيق في المدى الطويل.. أيها السادة، ليس هناك عودة للوراء.      


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق