إندبندنت| تفشي كورونا واغتيال سُليماني يدفعان إيران للتراجع عن الصراع مع الولايات المتحدة


٢١ مايو ٢٠٢٠

ترجمة - شهاب ممدوح

انتقلت إيران من سياسة حافة الهاوية إلى فن استرضاء الولايات المتحدة، ومن المتوقع أن تستمر هذه الاستراتيجية الإيرانية الجديدة في الفترة المتبقية من ولاية دونالد ترامب الرئاسية، حيث كشفت تقارير هذا الأسبوع أن محادثات سرية بين هذين الخصمين أسفرت عن تنصيب مصطفى الكاظمي، وهو سياسي مقرّب من الولايات المتحدة، رئيسًا للوزراء في العراق. كما قيل إن إيران لعبت دورًا مركزيًّا في مساعدة واشنطن في تسهيل حصول مصالحة حاسمة بين أبرز متنافسين على السلطة في أفغانستان، وهما الرئيس أشرف غاني ومنافسه عبد الله عبد الله. ثم بعدها برز الحديث بشأن انسحاب إيران من سوريا، وهو هدف استراتيجي تسعى إليه إدارة ترامب منذ زمن طويل.

في المقابل، سحبت الولايات المتحدة منظومات باتريوت الدفاعية الجوية من السعودية ووافقت على إعفاء بعض الدول التي تقوم بالتجارة مع إيران من العقوبات الاقتصادية القاسية.

كيف حدث هذا؟ هناك حدثان كسرا الجمود بين البلدين: اغتيال قائد فيلق القدس "قاسم سليماني" في يناير، وتفشي فيروس كورونا العالمي.

منذ اندلاع الثورة الإسلامية عام 1979، لم تتخل إيران مطلقًا عن سياستها الخارجية القائمة على دفع خصومها نحو حافة الحرب من دون الانزلاق إليها. مع هذا، وفي ظل هذه الاستراتيجية، كانت هناك بعض اللحظات التي أُجبر فيها النظام الإيراني على التوقف للتفكير، وذلك عندما أدرك النظام أن وجوده مهدد.

أحد تلك اللحظات كانت أثناء حرب العراق عام 2003، التي جعلت إيران مرعوبة من غزو أمريكي وشيك ضدها. إن الإطاحة السريعة بنظام صدام حسين لم تترك أمام إيران أي خيار سوى الانخراط بصورة مباشرة في دعم الأجندة الأمنية الأمريكية في العراق وأفغانستان.

كان اغتيال سليماني بمثابة نقطة ساخنة أخرى في تاريخ العلاقات الأمريكية - الإيرانية. أرسل الاغتيال رسالة واضحة لإيران، وكذلك للشرق الأوسط بأكمله، بأن إدارة ترامب ليس لديها خطوط حمراء فيما يتعلق بالدخول في صراع. كما أشار أيضًا إلى أن الولايات المتحدة ليست مضطرة لإدخال نفسها في حرب شاملة لتقويض قوة إيران العسكرية والأمنية.

أخبرني دبلوماسي عربي أن ما حدث كان خطوة طائشة لكنها أسفرت عن حدوث "تحوّل كبير في ميزان التفكير الأمني".

لكن يبدو أن لحظة التأمل امتدت لتشمل كافة جوانب الحكم في إيران؛ إذ وجّه فيروس كورونا ضربة للاقتصاد الإيراني المُنهك أصلًا بسبب عقوبات الولايات المتحدة، عقب انسحاب الاخيرة من الاتفاق النووي عام 2018.

لهذا فإن نشر الإعلام الإيراني تقارير عن سحب إيران أصولها العسكرية من مناطق الصراع في المنطقة، لا يبعث فقط برسالة خفض تصعيد للولايات المتحدة، ولكنه يعمل أيضًا كدعاية مفيدة لخطط النظام الإيراني لتخفيف الغضب الداخلي ضد تراجع مستويات المعيشة وزيادة قمع المواطنين العاديين. إن استمرار الكساد الاقتصادي لوقت طويل، بالإضافة لاستمرار العقوبات الأمريكية، ربما يُشعل اضطرابات سياسية.

في مطلع هذا العام، فُوجئت السلطات الإيرانية بحجم الاحتجاجات التي اندلعت بسبب الاعتراف بإسقاط طائرة أوكرانية في يناير، وهو خطأ أنكرت السلطات مسئوليتها عنه في البداية، لكنها لاحقًا أنحت باللائمة في وقوع الحادث على "خطأ بشري". كشفت هتافات وشعارات المحتجين أن الكثير من الإيرانيين نفد صبرهم، وباتوا مستعدين لمواجهة حاسمة ضد الآلة الوحشية الحكومية. الآن أصبحت السلطات فيما يبدو هي الطرف المذعور، لا سيما فيما يخص التداعيات السياسية طويلة الأمد لتفشي فيروس كورونا.

انتهى الزمن الذين كانت تمتلك إيران فيه ميزة مواصلة سياستها التصادمية مع الولايات الولايات المتحدة، استنادًا لهزيمة ترامب المحتملة في انتخابات نوفمبر الرئاسية. ما من شك أن السلطات الإيرانية سترحّب بـ "جو بايدن" رئيسًا للولايات المتحدة، في حال اختار مواصلة عقيدة أوباما فيما يتعلق بإدارة العلاقات بين البلدين. لكن عددًا من المسئولين الإيرانيين (سواء كانوا معتدلين أو متشددين) يدركون الآن أن بلادهم ليس بوسعها مواصلة سياستها الاقتصادية الراهنة لأربع سنوات أخرى مع وجود ترامب في البيت الأبيض.

أوجد فيروس كورونا توافقًا بين الحزبين في الولايات المتحدة قائمًا على تحويل الموارد نحو الدخول في مواجهة طويلة الأمد مع الصين. ربما غيّر هذا التوقع حسابات إيران الاستراتيجية، وأقنعها بالتوصل لاتفاق نووي جديد أكثر شمولًا مع الغرب، والذي قد يتضمن أيضًا ترتيبات بشأن نفوذ إيران الإقليمي. ربما يكون هذا بمثابة التسوية المثالية لإيران، في وقت تكافح فيه كي لا يتحول نزاعها مع أمريكا لورقة مساومة في حرب باردة جديدة بين الولايات المتحدة والصين.

ليس مفاجئًا إذًا أن المسئولين الإيرانيين توصلوا للنتيجة التالية: يجب عليهم التفكير بصورة مختلفة مع انتقال بلادهم لنظام عالمي جديد مضطرب. ربما يبدو الاسترضاء خيارًا جذابًا، على الأقل في الوقت الراهن. 


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق