فورين بوليسي: لماذا ينبغي القلق من المناوشات الحدودية بين الصين والهند؟


٢٦ مايو ٢٠٢٠

ترجمة - آية سيد

إن التوترات بين الهند والصين ليست جديدة. لقد دخل البلدان – اللذان يتشاركان أطول حدود غير مرسومة في العالم – في حرب شاملة عام 1962 واشتبكا منذ حينها في عدة مناوشات صغيرة. ومنذ عام 1975 لم تُطلق رصاصة واحدة عبر حدودهما المشتركة. نتيجة لهذا، أصبحت النظرية بأن الاشتباكات الصينية - الهندية ما هي إلا زوبعة في فنجان، ومن غير المرجح أن تؤدي إلى قتال موسع، غير أن الأحداث الأخيرة تشير إلى أن التصعيدات محتملة بشدة. الجانبان لديهما انتشارات عسكرية كبيرة ومتزايدة على طول الحدود المتنازع عليها. ولأكثر من عِقد، كان جيش التحرير الشعبي يختبر الاستعداد العسكري والعزم السياسي للهند في عدة مناطق استراتيجية، ولم يعد من الممكن اعتبار السلام من الأمور المسلّم بها.

وقعت الاشتباكات الأخيرة في بداية هذا الشهر. في 5 مايو، اشتبك الجنود الهنود والصينيون بالقرب من بحيرة بانجونج تسو في لاداخ. يُعتقد أن المناوشة حدثت لأن جيش التحرير الشعبي اعترض على الدوريات العسكرية الهندية في المنطقة. تنبثق معظم هذه الاشتباكات على ما يبدو من التقييمات المختلفة لموقع ما يُسمى بخط السيطرة الفعلية، أي الحدود الدولية الفعلية. ثم في 9 مايو، وعلى ارتفاع 15 ألف قدم، في منطقة ناكولا بالقرب من التبت، تشاجر الجنود من الجانبين وألقيا الحجارة على بعضهما البعض في محاولات لدفع القوات الهندية إلى التراجع عن المناطق التي كانوا يحرسونها. لم تُستخدم أسلحة لكن أُصيب عشرات الجنود، من ضمنهم ضابط هندي كبير والذي احتاج لنقله إلى المشفى جوًّا.

بعد فترة طويلة من الهدوء النسبي على طول الحدود الصينية - الهندية، برزت الحوادث العسكرية إلى الواجهة مرة أخرى، ووفقًا للحكومة الهندية، عبر الجيش الصيني إلى داخل الأراضي الهندية 1025 مرة في الفترة بين 2016 و2018. ونظرًا لأن حدود الصين والهند تظل غير مرسومة، من المحتمل أن تكون هذه التجاوزات متأصلة في كيف تمتلك بكين ونيودلهي تصورات مختلفة عن امتداد أراضيهما.

في 2017، عندما تواجهت القوات الهندية والصينية لشهرين في دوكلام، المنطقة التي تطالب بها كلٌّ من بوتان والصين، كان الصدام العسكري الخطير احتمالًا واضحًا. في حين أن حدة تلك الأزمة قد هدأت، فربما من المفيد رؤية المواجهة ليس كانحراف بل كجزء من مرحلة جديدة في العلاقات بين البلدين. تعود المرحلة القديمة إلى 1988، بعد عام من مناوشة عسكرية بين الهند والصين في وادي سومدورونج تشو في أورناتشال براديش، عندما زار رئيس الوزراء الهندي راجيف غاندي نظيره الصيني دينج شياو بينج في بكين لإصلاح العلاقات.

اتفق الزعيمان على إقامة علاقة تطلعية في الوقت الذي وُضعت القضايا المهمة مثل النزاع الحدودي جانبًا بصورة مؤقتة. كان سبب هذه البراجماتية متأصلًا في عوامل اقتصادية واستراتيجية: احتاجت كل من الصين والهند بيئة خارجية مستقرة لتعزيز التنمية الاقتصادية الداخلية. كانت الصين قد مرت بالفعل بعقد من الإصلاحات الاقتصادية الهائلة التي بدأها دينج، بينما كانت الهند بقيادة غاندي قد شرعت في مسار مماثل، وإن كان بتردُّد.

كانت التسوية عام 1988 بين الهند والصين، التي ساعدها جزئيًّا صمت نيودلهي على التطورات داخل التبت، كانت مدفوعة بحقيقة أن الدولتين كانتا شبه متكافئتين على الساحة العالمية. وفقًا للبنك الدولي، كان الناتج المحلي الإجمالي للهند 297 مليار دولار مقارنة بـ312 مليار دولار للصين في ذلك العام، بينما كان الإنفاق الدفاعي للهند، الذي بلغ 10.6 مليار دولار، قريبًا أيضًا من الإنفاق الصيني الذي بلغ 11.4 مليار دولار.

تغير توازن القوة المادي بين الصين والهند تغيرًا هائلًا منذ ذلك الحين. أصبح الناتج المحلي الإجمالي للصين، الذي بلغ 13.6 تريليون دولار في 2018، خمسة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي للهند الذي بلغ 2.7 تريليون دولار. وبصورة مماثلة، أنفقت الصين 261.1 مليار دولار على نفقات الدفاع في 2019، أي تقريبًا أربعة أضعاف إجمالي نفقات الهند بقيمة 71.1 مليار دولار. وبينما صعدت الهند كاقتصاد وكقوة عالمية في العقود الثلاثة الماضية، فإن قوتها النسبية مقارنةً بالصين قد تراجعت بشدة.

إن الحركية الاقتصادية الجديدة تعني أن حجر أساس صفقة غاندي - دينج ينهار. على الرغم من أنه يبقى من غير الواضح متى بالضبط بدأ التفاهم بين نيودلهي وبكين في التلاشي – الأكثر ترجيحًا بعد الأزمة المالية العالمية في 2008 – أصبحت الصين أكثر جزمًا بكثير في شئونها الخارجية في السنوات الأخيرة، من أنشطة بناء الجزر الاصطناعية في بحر الصين الجنوبي إلى دبلوماسيتها القوية خلال جائحة فيروس كورونا. في الواقع، جادل بعض الباحثين بوجود انتقال وشيك للسلطة بين الصين والولايات المتحدة، المهيمن العالمي الحالي. وفي حين أن نيودلهي أصبحت لاعبًا أكثر جزمًا في السياسة العالمية، فإن صعودها لم يشغل الولايات المتحدة بنفس القدر.

إن الاشتباكات الحدودية الأخيرة بين الصين والهند تبدو مثيرة للقلق على نحو متزايد في سياق حركيات القوة المتغيرة هذه. لقد مهدت صفقة غاندي - دينج الطريق لعدد من اتفاقيات إدارة الحدود (مثل اتفاقيتي 1993 و1996 المتعلقتين بإجراءات بناء الثقة واتفاقية 2005 حول المعايير السياسية التي تسترشد بها مفاوضات الحدود). ومؤخرًا، لعبت القمم رفيعة المستوى بين قيادات البلدين – في ووهان ومامالابورام – دورًا مهمًا في إدارة العلاقة الكلية. مع هذا، في الوقت الذي أتاح اتفاق 1988 هدوءًا نسبيًّا على طول حدودهما وشجع العلاقات التجارية بين الصين والهند، لم تُحل أي من قضاياهما العالقة – ومن ضمنها النزاع الحدودي.

تجد الصين والهند نفسيهما في "علاقة معقدة استثنائية"، بحسب وزير الخارجية الهندي جايشانكار. بالإضافة إلى النزاع الحدودي، تشمل القضايا الجوهرية في الخصومة الصينية - الهندية التبت (وجود الدالاي لاما، والحكومة التبتية، وعشرات الآلاف من التبتيين في الهند)، والشراكة المزدهرة بين الصين وباكستان، ودوائر النفوذ المتداخلة للبلدين في آسيا. أصبحت هذه القضايا ظاهرة أكثر في سياق القوة الصاعدة المتزامنة وغير المتكافئة للبلدين. 

تظل القدرات المادية للصين والهند في حالة تغير؛ وتواصل الصين التفوق على الهند في معظم محاور القوة في الوقت الذي تسعى نيودلهي لتعزيز قدراتها. ووفقًا للبنك الدولي، سجلت الهند معدلات نمو أعلى من الصين كل عام في الفترة بين 2014 و2018. وفي حين أن التأثير الاقتصادي طويل الأمد لجائحة فيروس كورونا يظل غير واضح، فإن اقتصاد الهند الأصغر ومعدلات النمو الأسرع تعني أنها تمتلك الإمكانية لتقليل فجوة القوة مع الصين، على الأقل على المدى الطويل. بعبارة أخرى، الهند هي القوة الكبرى الوحيدة التي تصعد بالنسبة إلى الصين، في الوقت الذي تنمو فيه الصين أسرع من القوى الكبرى الأخرى مثل اليابان والولايات المتحدة.

وبالإضافة إلى القوة الناشئة داخليًا، تبنى الهند أيضًا شراكات استراتيجية قوية مع خصوم الصين الآخرين، خاصة الولايات المتحدة واليابان. في الوقت نفسه، أرست الصين الصاعدة استقرار حدودها الشمالية مع روسيا وتعمل لتقويض سيادة الولايات المتحدة في المشاعات البحرية في شرق آسيا من خلال تحديث جيشها وحملتها لبناء الجزر. هذا يترك قضية حدودية واحدة مع خصم دون حل: تحديدًا، الحدود الصينية - الهندية. إنها ليست مفاجأة. إنها تمارس ضغطًا دوريًّا على الهند على هذه الجبهة، وهو اتجاه مُرجّح للتصاعد فقط.

بينما تواصل الصين والهند صعودهما، سوف ترى الصين الهند خصمًا جريئًا غير راغب في تسوية النزاع الحدودي حسب الشروط الملائمة للصين. إن التجزئة الحالية لنظام التجارة العالمي (عبر الرسوم الجمركية والقيود على الاستثمار)، وكذلك أيضًا القومية الصاعدة حول العالم، سوف تختبر العلاقات الصينية - الهندية أكثر؛ لأن المفاوضات التجارية ربما تصبح مشحونة ومثيرة للنزاعات أكثر. في الحقيقة، نظرًا لأن بكين تعتبر نيودلهي عائقًا أساسيًّا أمام تحقيق طموحاتها بالهيمنة على آسيا، فالاشتباك الأكثر عنفًا على طول الحدود الصينية -الهندية غير المستقرة وغير المرسومة أصبح مرجحًا بشدة. وإذا لم تخرج الصين كالقوة المهيمنة في جنوب آسيا (والمحيط الهندي)، من المرجح أن تبقى قوة إقليمية في شرق آسيا. بصيغة أخرى، سوف يزيد سعي الصين للهيمنة على عموم آسيا من شدة الخصومة الصينية - الهندية الحالية، حيث تسعى الهند نفسها إلى السيادة – وليس الهيمنة – في جنوب آسيا.   

ومن أجل تفادي تصاعد الصراع، سوف تحتاج الهند لاتباع استراتيجية متعددة الأوجه والتي ستحتاج لأن تشمل عناصر تعاونية مثل دبلوماسية القمم والعمل معًا في المؤسسات الدولية مثل منظمة شنغهاي للتعاون، وبنك التنمية الجديد، والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية. لكن في حين أن هذه المساعي التعاونية قد تحول دون وقوع المزيد من العنف الحدودي، فإنها لن تعالج القضايا العالقة الجوهرية في العلاقات الصينية -الهندية. وبسبب عجزها عن تقديم تنازلات إقليمية كبيرة، هناك القليل الذي يمكن للهند أن تفعله من أجل تخفيف المصادر الأساسية للخصومة.





للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية مناوشات حدودية الهند والصين

اضف تعليق