من إدلب إلى طرابلس| تركيا تتحرك لفرض هيمنتها على شرق المتوسط


٢٧ مايو ٢٠٢٠

ترجمة - شهاب ممدوح

كانت المرة الأولى التي يسافر فيها "وائل عمرو" على متن طائرة على عكس ما يصبو إليه. فالسفر الجوي في الأفلام جعله يتخيل أنه سيكون من الرائع مغادرة محافظة إدلب الخاضعة لسيطرة المتمردين للذهاب في رحلة غريبة وممتعة في الخارج.

عوضا عن هذا، وفي شهر مارس، سجّل "وائل" البالغ 22 عامًا اسمه لدى موظفي التجنيد الأتراك، وسافر عبر الحدود إلى تركيا. ومن هناك استقل أول رحلة جوية له في حياته إلى ليبيا، حيث يقاتل هناك الآن على جبهة خطيرة في حرب أشخاص آخرين.

يقول وائل: "أخبروني أنني سأكون في خط الدعم أو في وحدات طبية مقابل مبلغ مالي جيد، لكن القتال هناك أسوأ من أي شيء رأيته في سوريا. القتال هنا متلاحم ويدور في شوارع ضيقة".  

وتابع قائلاً "بعض السوريين يقاتلون هنا من أجل المال، وبعضهم يقول إنهم يدعمون الليبيين. لكنني شخصيًا لا أعرف لماذا طلبت تركيا من المعارضة السورية القتال في ليبيا. لم أكن أعرف أي شيء عن هذا البلد باستثناء الثورة ضد العقيد معمّر القذافي".

إن "وائل"، بالإضافة إلى عدد يتراوح بين 8 و10 آلاف من ابناء وطنه، متواجدون الآن في بلد يبعد 2000 كيلومتر عن وطنهم، حيث يعملون كمرتزقة في ليبيا من أجل مشروع "الوطن الأزرق": وهي الخطة التركية الطموحة لتحقيق السيادة الجيوسياسية في شرق البحر المتوسط.

إن هذا المشروع الممتد منذ 14 عامًا يتضمن النزاع طويل الأمد مع اليونان بشأن قبرص المقسّمة والمنافسة مع أثينا وجيران بحريين آخرين مثل مصر وإسرائيل ولبنان بشأن حقوق التنقيب على النفط والغاز في المنطقة. لكن هذا المشروع بلغ ذروته في الحرب الأهلية الليبية، التي جذبت إليها بشكل مستمر عددًا من القوى الأجنبية حتى قبل أن تبدأ في عام 2014.

إن حروب الوكالة في سوريا واليمن ماتزال مشتعلة. لكن في عالم تتراجع فيه القوة الأمريكية، ظهرت ليبيا بوصفها أفضل ساحة للاعبين الإقليميين الساعين لانتزاع نصيبهم من أنقاض الربيع العربي. يصطف المنتمون للإسلام السياسي جنبًا إلى جنب مع العثمانيين الجدد ضد القوميين والملكيين العرب، في خضم مزيج متفجّر يشمل النفط والمرتزقة والإيديولوجيا والطموحات الجيوسياسية الصريحة.

وكما يعلم المدنيون الليبيون الذين طالت معاناتهم، فأن حظر السلاح المفروض على ليبيا من جانب الأمم المتحدة ربما يكون غير موجود الآن: في السنوات التسعة الماضية، انتشرت في عموم البلاد جماعات مسلحة لديها ولاءات متقلّبة ورغبة في الخطف للحصول على فدية.

حكومة الوفاق الوطني في غرب ليبيا مدعومة من الأمم المتحدة، لكن حلفاءها الرئيسيين هما تركيا وقطر، وإلى حد ما إيطاليا. هذه الحكومة سلطتها ضعيفة على الأرض، وبعض الليبيين لا يثقون في سياساتها الإسلاموية.

تقاتل حكومة الوفاق الوطني ضد الجنرال خليفة حفتر، الذي عيّنه البرلمان المنافس في شرق ليبيا قائدًا لما يُسمى الجيش الوطني الليبي. يعتقد مؤيدي حفتر أنه درع واقٍ ضد التطرف

في إبريل من العام الماضي، شنّ الجنرال حفتر هجومًا جديدًا على حكومة الوفاق الوطني، في أشرس المعارك العسكرية على الأراضي الليبية منذ معركة الإطاحة بنظام القذافي عام 2011 المدعومة من حلف الناتو.

بحلول نهاية عام 2019، وبعد إدراكه أن الجيش الوطني الليبي بات على وشك السيطرة على العاصمة طرابلس، اتخذ الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" خطوة جريئة، مُعلنا دعمه لحكومة الوفاق، وموقعًا اتفاقيات جديدة تخص الحدود البحرية والتعاون العسكري، بهدف مواجهة أعداء تركيا الاستراتيجيين في منطقة البحر المتوسط.

يقول أنس القماطي، مدير مركز صادق للأبحاث في طرابلس: "حكومة الوفاق كانت تفتقر للدعم العسكري والسياسي، لكنها لم تكن تفتقر بعد للمال" مضيفًا "تركيا عبر مساعدتها لطرابلس، تسعى لتعويض مليارات من عقود البناء غير المنتهية التي جرى التوقيع عليها في عهد القذافي، ولحْجز مقعد أمامي عندما يحين وقت إعادة البناء عقب انتهاء القتال الحالي".  


ساهمت تقنيات الاستطلاع والطائرات المسيّرة التركية المتطورة، فضلا عن تواجد قوات تركية ومقاتلين سوريين على الأرض، في القضاء على مكاسب الجيش الوطني الليبي التي تحققت منذ شهر يناير الماضي، ما أسفر في الأسبوع الماضي عن انتزاع قوات حكومة الوفاق قاعدة جوية مهمة ومدينة الأصابعة من قبضة قوات حفتر. أعلن الجنرال منذ ذلك الوقت انسحابًا جزئيًا من خطوط القتال الأمامية في طرابلس.

لقد أغضب الجزء البحري للاتفاقية الموقعة بين تركيا وحكومة الوفاق، دول البحر المتوسط الأخرى، التي أوضحت أن النطاق البحري الليبي-التركي الجديد يخترق المياه اليونانية. هدّد الاتحاد الأوربي بفرض مزيد من العقوبات بسبب عمليات التنقيب التركية الحالية قبالة سواحل قبرص.

لكنى حتى لو رفضت المحاكم الدولية هذه الاتفاقية البحرية، فإن المعارك القانونية التي لم يُبت فيها بعد أجّلت مؤقتا مشاريع الاستكشاف من جانب منافسي أنقره- أهمها مشروع مشترك جديد يضم اليونان وقبرص وإسرائيل لبناء أنبوب غاز يلتف على تركيا. تسري اليوم شائعات كثيرة في الأوساط الدبلوماسية بشأن سعي تركيا وإسرائيل لإعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة بينهما.

يقول "مصطفى كاراهان" مدير شركة "دراغون إنيرجي" لاستشارات الطاقة: "إن الاندفاع نحو السيطرة على مخزونات النفط والغاز في حوض المتوسط، ليس مشروعًا اقتصاديًا تمامًا: إمدادات الغاز لا تمثل حاليا حاجة ملحّة أو أهمية مالية لتركيا. هذا الأمر يتعلق في الواقع باستعراض القوة السياسية".

مضيفا "إن الإنفاق على مشاريع الطاقة في البحر المتوسط يشبه نوعًا ما الإنفاق على الدفاع الوطني. الوضع يشبه سباق تسلح تضطر فيه لأن تبادر أولاً قبل أن يسبقك خصمك".

قد تجد تركيا ان مشروعها المعروف باسم "الوطن الأزق" يتفكك في حال تم جرّها عميقا في أتون الحرب الليبية. هي تقاتل في الوقت الراهن النظام السوري والمليشيات الكردية في سوريا


تبادل المسؤولين الأتراك ونظراؤهم في الجيش الوطني الليبي التهديدات في الأسبوع الماضي عقب تصريح قائد القوات الجوية في الجيش التابع لحفتر بأن المواقع التركية ستكون هدفًا لحملة جوية جديدة.

هبطت مقاتلات جوية روسية للتو في شرق ليبيا، وهي بمقدورها القضاء على أنظمة الدفاع الجوي التركية. بالنسبة لأنقره وموسكو، فأن ذكرى الصدامات التركية-الروسية المباشرة غير المسبوقة في سوريا في مطلع هذا العام ماتزال حيّة.

إن حرب تركيا العلنية الآن في ليبيا تعتبر مقامرة هائلة، لكن خلال حكمه الممتد منذ 17 عامًا، أثبت أردوغان أنه لا يخشى من المجازفة.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق