نيويورك تايمز| نهاية النظام العالمي الجديد


٢٨ مايو ٢٠٢٠

ترجمة - آية سيد

من الخطأ تصديق معظم نظريات المؤامرة، ومن الخطأ أيضًا الافتراض بأنها لا علاقة لها بالواقع. إن بعضها مجرد خواطر مجنونة أو معلومات مُضللة متعمدة. لكن البعض الآخر يُضخم ويسييء تفسير الاتجاهات المهمة بدلًا من إنكارها، أو يقدم تفسيرات لا تُصدق للألغاز التي تبقى غير مفسرة. هذا الشيء صحيح في عصر ترامب مثلما هو صحيح في أي عصر آخر.

إن المخلوقات الفضائية لا تعيش بيننا، لكن يتم تسليمنا باستمرار أدلة على أن ظاهرة الأطباق الطائرة حقيقية، كما أن نظرية "كيو أنون" (QAnon) هي مشهد خيالي، لكن حقيقة أن عصابات الإتجار بالجنس القوية تجمعها علاقات بالرؤساء، ورجال الدين والأمراء هي حقيقة قاسية في عصر ما بعد جيفري إبستاين. 

مع هذا، في بعض الأحيان تعيش نظريات المؤامرة أطول من الحقيقة التي عززتها من قبل، وترتفع شعبيتها. وربما يحدث شيء مماثل الآن مع التفكير التآمري فيما يُسمى بالنظام العالمي الجديد. من ناحية، يثير فيروس كورونا بارانويا النظام العالمي الجديد، وهو خوف متجدد من عصابات النخبة التي تتطلع إلى حكم العالم. لكن في الوقت نفسه، النظام العالمي الجديد الفعلي، حلم الاندماج العالمي والحوكمة العابرة للحدود، يتلاشى أمام أعيننا.

انتشل أصحاب الفكر التآمري عبارة "النظام العالمي الجديد" من خطاب جورج بوش الأب المتفائل، ومنذ ذلك الحين تعايشت البارانويا والحقائق معًا. ينطوي هذا الخيال على السيطرة الاستبدادية، وهبوط مروحيات سوداء، ومخططات بلدربيرج سرية. لقد شجعته عدة حقائق لا يمكن إنكارها – نمو المؤسسات متعددة الجنسيات، والقوة الظاهرة لطبقة النخبة العالمية، والتوسع غير الديمقراطي للاتحاد الأوروبي وصعود المراقبة الرقمية والروابط التي تربط الصين والولايات المتحدة فيما يُسمى بـ"صي-ميريكا."

الآن مُنحت هذه النظرية حياة جديدة عبر مواجهة فيروس كورونا، الذي يُستخدم كذريعة للسيطرة العالمية – حيث يُعد بيل جيتس وأنتوني فاوتشي العقول المدبرة المحتملة، و"الاختبار والتتبع" مخططًا للمراقبة الدائمة.

تمتد هذه المخاوف عبر المشهد السياسي، لكن لأن طبقة النخبة العالمية تتجه لأن تكون علمانية وعدائية للدين، كانت المخاوف من حكومة عالمية موحدة قوية على نحو خاص بين المسيحيين المحافظين. وفي الوقت الراهن، في ظل إغلاق الكنائس، وصلت هذه المخاوف إلى المؤسسة الكاثوليكية، حيث وقّع اثنان من الكرادلة على بيان كتبه رئيس الأساقفة كارلو ماريا فيجانو – الذي كشف عن التستر على الانتهاكات الجنسية – يصف الإغلاق الناتج عن فيروس كورونا بأنه "تمهيد محتمل لبلوغ حكومة عالمية خارجة عن السيطرة". لكن على عكس ما حدث في التسعينيات أو العقد الأول من الألفية الثانية، عندما ضخّمت بارانويا النظام العالمي الجديد التطورات والاتجاهات الحقيقية، فإن الحقيقة في اللحظة الراهنة عكس ما يُخشى منه. وبدلًا من أن يؤدي إلى نوع من التوحيد العالمي، يكشف فيروس كورونا عن النزعة الدولية في كل مكان تنظر إليه.   

فضح الفيروس كون الكيانات العالمية إما ضعيفة أو مُخترقة سياسيًّا، كما في حالة منظمة الصحة العالمية، أو غير ذات صلة بالمرة، كما في حالة الأمم المتحدة. لقد استرجع الحدود أو شددها، وأعاق الهجرة، ونقل القوة من الدولية إلى الوطنية ومن الوطنية إلى المحلية. وأثار منافسة القوى العظمى المتجددة، في ظل تحلل "صي-ميريكا" وتلويح حرب باردة عبر المحيط الهادئ في الأفق.

نعم، بعض أشكال الاختبار والتتبع ربما تزيد من قوة مراقبة صناعة التكنولوجيا. لكن من جميع الجوانب الأخرى، من المحتمل أن تخرج الاتجاهات والمؤسسات التي تثير بارانويا النظام العالمي الجديد من هذه الأزمة مُنهكة، أو فاقدة للمصداقية أو ضعيفة بشكل دائم. 

تنطبق نفس الفكرة على الاقتراح الأضيق نطاقًا والأقل ترويعًا بأن الإغلاق الناتج عن الجائحة هو تعبير عن العالمية الليبرالية المتأخرة، وعن هوس التكنوقراط بالصحة الجسدية والسيطرة على الدولة.

في الواقع، الليبرالية المتأخرة مهووسة بالصحة والإشراف على الدولة لأغراض التحرر الشخصي، والبحث عن المتعة، والسياحة والتجارة؛ لذلك فإن فترة الإغلاق والحدود المغلقة ليست تمجيدًا للعالمية الليبرالية، وإنما نفيها المؤقت. (وهي ليست مصادفة أن الدولة الغربية الأكثر علمانية، وهي السويد، أبقت الحانات مفتوحة واعتمدت على مناعة القطيع).

ذلك النفي المؤقت لا يعني أن النظام الليبرالي يوشك على إفساح المجال لعصر جديد لما بعد الليبرالية، وأيضًا ضعف منظمة الصحة العالمية أو الاتحاد الأوروبي لا يعني أن العولمة والأيديولوجية والمؤسسية ستختفي ببساطة. لكن في عصر ما بعد الجائحة ربما تبدو الليبرالية والعولمة أشبه بأيديولوجيات ميتة، أشباح للماضي الطموح والمثالي، أكثر من كونها قوى صاعدة قادرة على إثارة إما الأمل أو الخوف.

وأولئك الذين يخشونها في الوقت الحالي، حتى لدرجة البارانويا والمؤامرة، ربما يدركون أنهم كانوا يخلطون بين النوبات المفاجئة والقوة الحقيقية، وبين شفق عصر العولمة وفجر النظام العالمي الجديد.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق