معهد الشرق الأوسط: هل تسير الجزائر نحو انهيار اقتصادي؟


٣٠ مايو ٢٠٢٠

ترجمة - شهاب ممدوح

في الوقت الذي يسعى فيه عدد متزايد من البلدان العربية والأفريقية للحصول على مساعدة مالية من صندوق النقد الدولي لمساعدتها على التصدّي للآثار الاقتصادية لجائحة كورونا، أوضحت الجزائر أنها لن تحذو حذو هذه البلدان.

بالرغم من التحديات المالية والأزمة الاقتصادية والاضطرابات الاجتماعية وحالة الطوارئ الصحية العامة، شدّد الرئيس "عبد المجيد تبون" على أن الجزائر لن تسعى للحصول على قرض لتخفيف مشاكل البلاد الاجتماعية - الاقتصادية، حيث أعلن الرئيس تبون أن "تراكم الديون يضر بالسيادة الوطنية"وسيضعف موقف البلاد تجاه القضية الفلسطينية وقضية الصحراء الغربية.

كما استذكر تبون تجربة الجزائر السيئة في التسعينيات مع "خطة التكيّف الهيكلي" لصندوق النقد الدولي، مُوضحًا أنه يفضّل "الاقتراض من المواطنين الجزائريين، وليس صندوق النقدي الدولي أو البنك الدولي". بالإضافة إلى الوعود المتأخرة كثيرًا لتنويع الاقتصاد، تتضمن حزمة معالجة الأزمة التي قدّمها "تبّون" خفضًا بمقدار 50 بالمائة في الإنفاق والاستثمارات العامة، وتخفيض الاستيراد بمقدار 10 مليارات دولار، فضلًا عن جهود لتوسيع استخدام الخدمات المصرفية من جانب العاملين في القطاع غير الرسمي، الذي يمثل 45 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي.

لكن هذه الإجراءات لن تفعل سوى القليل لدعم الاقتصاد الجزائري الهشّ بالفعل، ومن المرجّح أن يتفاقم الوضع. إن حالة عدم اليقين بشأن مستقبل البلاد المالي وما يصاحبها من خطر على الاستقرار، تأتي في وقت صعب للغاية من الناحية السياسية. وما تزال هناك أسئلة مهمة بشأن التراشق السياسي بين الحركة الاحتجاجية السلمية المعروفة باسم "الحراك" وقيادة البلاد. وما يزيد من حالة الانسداد السياسي هو القضايا الخاصة بشرعية تبون وفقدان التوازن بين الرئيس والجيش وأجهزة الاستخبارات.

صدمة الماضي

بالإضافة إلى الأسباب الأيديولوجية لعدم الرغبة في الاقتراض من صندوق النقد الدولي، يرتبط اسم صندوق النقد الدولي في الجزائر بذكريات مؤلمة. لقد أدّت الأزمة الاجتماعية - الاقتصادية التي أعقبت انخفاض أسعار النفط لحدوث أعمال شغب أكتوبر 1988 وتدخل الجيش العنيف. بقية القصة معروفة جيدًا: سقوط نظام الحزب الواحد، وبروز نجم "جبهة الإنقاذ الإسلامية" والانقلاب العسكري عام 1992 الذي أشعل حربًا أهلية دامت عشر سنوات.

بالنسبة للجزائريين وصنّاع القرار فإن الانهيار الاقتصادي للبلاد وخطة التكيّف الهيكلي مرتبطان بـ "التقشف" و"فقدان السيادة". يوضح سياسي جزائري: "حينئذ، قبلنا بخطة التكيّف الهيكلي دون شروط، كانت بمثابة علاج بالصدمة... الجزائريون هم من دفعوا ثمنًا باهظًا مقابل هذه الخطة، ولا نرغب في حدوث هذا مجددًا. لقد تعلمنا من أخطائنا".

بالنسبة لغالبية الجزائريين الذين عاشوا سنوات التسعينيات، كانت خطة التكيّف الهيكلي تعني "التقشف" وارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية وزيادة البطالة وتدهور أوضاع الطبقة المتوسطة وزيادة تهميش الفقراء. شهد الدينار الجزائري سلسلة من عمليات التعويم المتتالية التي أدت لانخفاض كبير في القوة الشرائية للأشخاص ذوي الدخل الثابت، الذين شكلوا حينئذ ثلثي الشعب الجزائري.

انخفضت قوة الموظفين الشرائية بنسبة 20 بالمائة مقابل 40 بالمائة للمسئولين التنفيذيين. ذلك الوضع أفقر الطبقة المتوسطة وأثرى الطبقات الريعية في البلاد، مثل ملاك الأراضي والتجار. علاوة على هذا، أُعيدت هيكلة الشركات الحكومية غير الكفء، ما تسبب في عمليات تسريح هائلة للعمال (ما بين 400 ألف و500 ألف عامل) وتصاعد البطالة، ما أثر بصورة خاصة على الشباب والنساء. في الوقت ذاته، تفاقمت أزمة السكن كثيرًا أيضًا، واضطرت الدولة للتخلي عن سياستها الاجتماعية، بالرغم من وجود تشرّد داخلي هائل - بلغ نحو 1.5 مليون مشرّد - بسبب الوضع الأمني.

بالإضافة إلى بعض الإجراءات النقدية التي كانت تهدف لمعالجة الانكماش الاقتصادي، لم تطبق الجزائر الإصلاحات الهيكلية التي طلبها صندوق النقد الدولي منها للانتقال لاقتصاد السوق. لقد استغل النظام ارتفاع أسعار النفط والغاز، وما صاحبه من تخفيضات في الاستثمار والإنفاق العام، لتفادي إجراء إصلاحات رئيسية هدفها تنويع الاقتصاد بعيدًا عن الهيدروكربونات وتغيير نموذجه للنمو. ولتبرير تأجيل هذه الإصلاحات، تحجّج النظام بالمسألة الأمنية والتهديد الإرهابي، ما أثر على قرارات صندوق النقد الدولي وكذلك القوى الغربية (لا سيما الاتحاد الأوروبي).

إن عوامل مثل انتخاب الرئيس السابق "عبد العزيز بوتفليقة" عام 1999 وانتهاء الحرب الأهلية وعقدين من ارتفاع أسعار البترول، ساعدت النظام في تجنّب مواجهة ضغوط اقتصادية واضطرابات اجتماعية. استثمرت السلطات في مشاريع تنموية وبرامج إسكان مجانية وتقديم دعم وإعانات سخيّة، لا سيما لفئة الشباب، لشراء السلام الاجتماعي. مصحوبة بحزمة إصلاحات دستورية، عززت هذه الخطوات من شرعية النظام وسمحت له بتجاوز الاضطرابات التي عصفت بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عام 2011، بالإضافة إلى انخفاض أسعار النفط في منتصف يونيو 2014. منذ ذلك الوقت، ترددت السلطات في تخفيض الإنفاق والإعانات الاجتماعية، وراهنت على تعافي أسعار النفط. أتت هذه الاستراتيجية ثمارها لبرهة من الزمن، لكن الانخفاض الحاد في أسعار النفط في مارس، حيث انخفض لمستوى قياسي متدنٍّ بلغ 19.46 دولارًا للبرميل، وضع حدًّا لهذه المقامرة.

نظرة مستقبلية قاتمة

بوصفها دولة غنية بالمواد الهيدروكربونية ونظرًا لاعتمادها على النفط والغاز اللذين يمثلان 95 بالمائة من إيرادات صادراتها، تواجه الجزائر ضعفًا شديدًا إزاء تقلبات أسعار النفط. وبهذا، كان أداء اقتصادها ضعيفًا حتى قبل انهيار أسعار النفط في مارس 2020 وظهور جائحة كورونا. على سبيل المثال، انخفضت إمدادات الغاز عبر الأنابيب إلى إسبانيا، وهي زبون مهم للجزائر، بمقدار 48 بالمائة في أول شهرين من هذا العام، وذلك قبل وصول فيروس كورونا إلى إسبانيا. الأمر ذاته ينطبق على إيطاليا، إذ انخفضت إمدادات الغاز عبر الأنابيب إليها بمقدار 35 بالمائة في أول أربعة أشهر لعام 2020.

حتى مع انهيار أسعار النفط، هناك حاجة متزايدة لإنفاق الأموال لمواجهة الجائحة. بحلول السادس والعشرين من مايو، سجلت الجزائر 609 حالات وفاة و8.503 حالات إصابة مؤكدة بكورونا؛ ما يمثل ثاني أكبر حصيلة وفيات في أفريقيا وثالث أكبر حصيلة وفيات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ولإدارة الأزمة الصحية وتعويض التراجع الحاد في إيرادات النفط، لجأت الحكومة للسحب من احتياطاتها من العملات الأجنبية، ومن المرجح أن تواصل القيام بهذا مع استمرار تفشي الجائحة. على مدار السنوات الست الماضية، استُنزفت احتياطيات العملات الأجنبية بشكل كبير، مُنخفضة بمقدار 132 مليار دولار من 194 مليار دولار عام 2013 لتصل إلى 62 مليار دولار فقط عام 2020. ووفقًا لوسائل إعلام محلية، ستنتهي احتياطيات العملات الأجنبية بحلول عام 2021.

في ضوء هذا الوضع المالي المتزايد الصعوبة، بدأت الحكومة الجزائرية في إجراء تخفيضات، لكن دون الإشارة إليها بهذه التسمية، إذ تحدثت عن "ترشيد الإنفاق". في مطلع شهر مارس، أعلنت الحكومة أنها ستخفّض موازنتها بنسبة 30 بالمائة، وأعلنت بعد ذلك بشهرين أن التخفيض سيتزايد بنسبة 50 بالمائة، بينما ستظل مرتبات قطاعي الصحة والتعليم كما هي دون تغيير. طلبت الحكومة من شركة النفط الحكومية "سوناطراك" تخفيض نفقاتها التشغيلية ومصروفاتها الرأسمالية بنسبة 50 بالمائة أيضا.    
 
وكالعادة، وبينما أعلنت السلطات هذه التخفيضات، غير أنها روّجت في الوقت ذاته لفكرة الاستمرارية وأبرزت إنجازاتها، مُرسلة بذلك رسائل متضاربة لشعب متشكك أصلًا. وأشاد وزير الطاقة "محمد عرقاب" بقانون الهيدروكربون الجديد و"عمله الطموح" لتعزيز قطاع الطاقة الوطني، بينما لم يذكر أن وجود بيئة أعمال منفّرة ومناخ سياسي محلي سيء، قد يحول دون قدوم المستثمرين الأجانب إلى الجزائر. وفيما يشبه الإجراءات المتخذة عامي 2016 و2019، قررت الحكومة تشديد الإنفاق عبر تقليل فاتورة استيرادها، مُقلصة الفاتورة إلى 31 مليار دولار، مقارنة مع 41 مليار دولار في العام الماضي.

تتضمن الإجراءات الإضافية لتوفير التكاليف إنهاء الاستعانة بالخبرات الأجنبية وهو ما سيساعد في توفير 7 مليارات دولار سنويًّا، وفقًا للرئاسة الجزائرية. وأعلنت الحكومة أيضًا تعليق العمل في عدد من مشاريع البنى التحتية، لا سيما محطات الطاقة، كما أعلنت أن الضرائب والقروض الممنوحة من المصارف الحكومية سيتم جمعها على وجه السرعة. ووفقًا لحديث الرئيس "تبون"، ستعتمد الحكومة أيضًا على زيادة جمع أموال العاملين في القطاع الاقتصادي غير الرسمي وضخها في المنظومة المصرفية، بهدف تعويض عجز ميزانية الحكومة. كما أشار تبون إلى أنه قد يطلب من البنك المركزي الجزائري إعطاء الموافقة للساعين لفتح مصارف إسلامية، بهدف جلب الأموال الموجودة حاليًا خارج النظام المالي الرسمي إلى مصارف الجزائر، والمقدّرة بأكثر من 45 مليار دولار.

وللتخفيف من حدّة المخاوف بشأن التخفيضات، ونظرًا لحرصها على عدم إثارة فزع السكان أكثر، كرّرت الحكومة التزامها بالبرامج الاجتماعية مثل الإسكان. في شهر مارس الماضي، أعلن والي العاصمة الجزائر "يوسف شرفة"، تسليم 7 آلاف وحدة سكنية بنهاية عام 2020. دعمه في هذا الإعلان رئيس الوزراء "عبد العزيز جراد" الذي وعد بالانتهاء في أسرع وقت ممكن من برامج الإسكان تحت الإنشاء، من بينها 974 ألف وحدة سكنية، يجري إنشاء 648.643 وحدة منها، بينما لم يتم بعد إطلاق 325.657 وحدة أخرى. وفي ذات الخصوص، تراجعت الحكومة أيضًا عن فرض ضريبة تلوث على المركبات، التي كان من المفترض أن يدفعها كل مالك سيارة يستخرج بوليصة تأمين.

ردّ فعل عنيف يلوح في الأفق

أساءت السلطات الجزائرية استغلال الفائض المالي الذي تراكم مع بداية الألفية الجديدة، وأفرطت في إنفاقه من دون أولويات واضحة في مسعى منها لشراء سلام اجتماعي، والسماح في الوقت ذاته لنخبة مختارة بإثراء نفسها على حساب الشعب الجزائري. لقد أسفر الغضب المتزايد ضد النظام وفشل حكوماته المتعاقبة عن ظهور الحراك الاحتجاجي في الثاني والعشرين من فبراير 2019، والذي أدّى لاستقالة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة وسجن العديد من كبار رجال الأعمال. وكما أوضح مسئول عن ملف الجزائر في صندوق النقد الدولي فإن "الجزائر لديها احتياطيات مالية كافية لمواجهة الأزمة في المدى القريب. كلما زاد أمد الأزمة في بقية العالم، تزايدت المخاطر على الاقتصاد الجزائري، وعلى قدرته على التأقلم بسهولة مع الواقع الجديد المتمثل في انخفاض أسعار النفط، وصعوبة شروط التمويل الخارجي، واستمرار هبوط الاحتياطيات الأجنبية".

سيؤدي التباطؤ الحاد المتوقع في النمو الاقتصادي في الأشهر المقبلة لزيادة معدلات البطالة المرتفعة أصلًا وانخفاض الدخل. إن تفاقم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية سيصعّد فقط من أهمية المسألة الاجتماعية الواقعة في قلب حركة الاحتجاجات الشعبية. وبمجرد أن ينزل المحتجون مجددًا للشوارع بعد رفع إجراءات الإغلاق، سيكافح النظام لمواجهة اضطرابات أكبر.

لم تعد الحكومة تملك حيّزًا ماليًا كافيًا لإجراء تغيير جذري في هيكل الاقتصاد الجزائري، وتنويع قطاعاته الإنتاجية، وزيادة تنافسيته. إن هذه الدولة باتت معرّضة لأخطار حقيقية، مع هذا يبدو صنّاع القرار فيها عاجزين عن استباق الأزمة التي ستضرب البلاد قريبًا، ولا شك أن الفترة المقبلة ستختبر قدرة الحكومة الجزائرية على التكيّف وقدرة النظام على الحفاظ على نفسه.

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق