آسيان بوست | من لديه أكبر اقتصاد في العالم؟


٠٦ يونيو ٢٠٢٠

ترجمة - بسام عباس

أصدر برنامج المقارنات الدولية (ICP) التابع للبنك الدولي أحدث تقديراته لمستويات الأسعار والناتج المحلي الإجمالي في 176 دولة، وكانت النتائج مذهلة. فللمرة الأولى على الإطلاق، يجد برنامج المقارنات الدولية أن إجمالي الدخل الحقيقي للصين (المُعدَّل حسب التضخم) أكبر بقليل من دخل الولايات المتحدة الأمريكية، من حيث تعادل القوة الشرائية، إذ بلغ الناتج المحلي الإجمالي للصين 19.617 تريليون دولار أمريكيلعام 2017، في حين بلغ بالولايات المتحدة 19.519 تريليون دولار أمريكي.

بالطبع، عندما يتم تقسيم إجمالي الدخل في الصين على عدد سكانها الهائل، تتغير الصورة. على الرغم من أن دخل الفرد في الصين قد تراجع ليكون بعد دخل الفرد في مصر، بيد أنه لا يزال في منتصف الحزمة على مستوى العالم، خلف البرازيل وإيران وتايلاند والمكسيك.

على أي حال، لكل من المفهومين– إجمالي الدخل الفردي–آثار واضحة على الجغرافيا السياسية، لذلك يجب على المرء أن ينظر فيها بشكل منفصل. فمن جانبها، تريد الصين أن تُعامل كدولة نامية (على الأقل في المفاوضات التجارية)، ويظهر رقم دخل الفرد في برنامج المقارنات الدولية أنه هو على وجه التحديد. ولكن عندما يتعلق الأمر بسياسات القوة وتأثير الصين في المؤسسات الدولية، فإن إجمالي الدخل يكون أكثر أهمية.

يقارن برنامج المقارنات الدولية الدول على أساس تعادل القوة الشرائية، وهي الطريقة الصحيحة عند حساب دخل الفرد، ولكن يحتمل أن تكون مشكلة عند تقييم القوة الجيوسياسية. وفيما يتعلق بالسؤال الأخير، سيكون النهج الأفضل هو مقارنة الناتج المحلي الإجمالي الوطني بأسعار الصرف الفعلية، وفي هذه الحالة يتضح أن الاقتصاد الأمريكي لا يزال متقدمًا على الصين.

وعندما أصدر برنامج المقارنات الدولية تقريره الأخير قبل ست سنوات، أثار موجة من الضجة الإعلامية، بعناوين صادمة مثل الذي جاء في "فاينانشيال تايمز": "الصين مستعدة لتجاوز الولايات المتحدة كقوة اقتصادية رائدة في العالم هذا العام". وأظهرت تقديرات برنامج المقارنات الدولية، لعام 2011، أن الناتج المحلي الإجمالي للصين يتجاوز بسرعة الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة. بعد ذلك بوقت قصير، ذكرت تقارير أن التقاطع قد حدث بالفعل، على الأقل وفقًا لإحصاءات النمو الوطنية التي جرى استكمالها بين تقديرات السنوات الست لبرنامج المقارنات الدولية.

ولكن، مرة أخرى، استندت هذه النتائج إلى قراءة تعادل القوة الشرائية للبيانات. والمشكلة، وذلك أمر مألوف لدى الاقتصاديين الدوليين، هي أن الناتج الصيني والأمريكي يُقاس بعملة البلد المعني. كيف يمكن للمرء أن يترجم الأرقام بحيث تكون قابلة للمقارنة؟
الحل الواضح هو استخدام سعر الصرف المعاصر: ضرب الناتج المحلي الإجمالي الصيني المقاس باليوان في سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل اليوان، بحيث يتم التعبير عنه بالدولار الأمريكي. وبالنظر إلى هذه الشروط، فإن الاقتصاد الأمريكي (19.519 تريليون دولار أمريكي) لا يزال أكبر بنسبة 50% من الاقتصاد الصيني (12.144 تريليون دولار أمريكي)، وفقًا لأحدث الأرقام.

على النقيض من ذلك، يعد قياس الناتج المحلي الإجمالي من حيث تعادل القوة الشرائية أكثر ملاءمة لمقارنة مستويات المعيشة، لأنه يفسّر حقيقة أن العديد من السلع والخدمات أرخص في الصين مما هي عليه في الولايات المتحدة. ولكن بشكل عام، فإن إنفاق يوان واحد في الصين سوف يذهب إلى ما هو أبعد بكثير من إنفاق يوان واحد في الخارج. في حين أن بعض السلع المتداولة دوليًّا لها أسعار مماثلة، فإن أشياء مثل حلاقة الشعر - وهي خدمة لا يمكن تصديرها أو استيرادها بسهولة - أرخص في الصين عنها في الولايات المتحدة.
وتعادل القوة الشرائية العديد من الاستخدامات، ولكن تقييم القوة الجيوسياسية ليس من ضمنها. إنه ليس مفيدًا في الإجابة على السؤال الأساسي الذي يركز عليه معظم المعلقين: كيف يقارن حجم الصين الاقتصادي وقوتها مع أمريكا في إطار التنافس الأوسع من أجل تحقيق التفوق العالمي؟

لذا، هناك اعتبار أكثر صلة بالموضوع، على سبيل المثال، كم من المال يمكن للصين أن تساهم به في صندوق النقد الدولي والوكالات المتعددة الأطراف الأخرى، وكم قوة التصويت التي يجب أن تحصل عليها في المقابل. هناك اعتبار آخر يتمثل في وجهة نظر الدول الأخرى ذات المطالبات المتنافسة في بحر الصين الجنوبي:كم عدد السفن التي يمكن للصين شراؤها وبناؤها ونشرها؟ بالنسبة لهذه الأسئلة الجيوسياسية وغيرها، من المفيد الاعتماد على الناتج المحلي الإجمالي للصين بأسعار الصرف الحالية. حيث إن المشكلة ليست في عدد حلاقة الشعر التي يمكن للمستهلكين الصينيين شراؤها، ولكن ما الذي يمكن أن يشتريه اليوان في الأسواق العالمية.
وللتأكيد، يشير البعض إلى أن صندوق النقد الدولي نفسه يقدّم الناتج المحلي الإجمالي بشروط تعادل القوة الشرائية لأغراض محددة للغاية في توقعاته الاقتصادية العالمية. لكن صندوق النقد الدولي لا يتخذ موقفا بشأن مسألة الاقتصاد الأكبر.

وأقرب ما يتعلق بتقديم منصب رسمي هو صيغته التي توجه تخصيص حصص الدول الأعضاء. هنا، يتم قياس الناتج المحلي الإجمالي، مع حساب 60% بأسعار الصرف في السوق و40% فقط بأسعار تعادل القوة الشرائية(يمثل مؤشر الناتج المحلي الإجمالي نصف الصيغة الإجمالية؛ وتشمل المقاييس الأخرى، مثل الانفتاح التجاري النصف الآخر).

يأخذ صندوق النقد الدولي حجم الحصص جديًّا؛فإذا حصلت الصين على حصة أعلى من الولايات المتحدة، على سبيل المثال، فإن بنود اتفاقية الصندوق ستطلب منها نقل مقرها من واشنطن العاصمة إلى بكين.

في الوقت الحالي، تتمتع الصين بنفوذ أقل بكثير من الولايات المتحدة في صندوق النقد الدولي. ولكن في عهد الرئيس "دونالد ترامب"، تتخلى الولايات المتحدة عن نفوذها في المنظمات متعددة الأطراف مثل منظمة التجارة العالمية ومنظمة حلف شمال الأطلنطي (الناتو) ومنظمة الصحة العالمية (حتى في خضم جائحة كورونا). ولذا لا ينبغي أن يدهش أحد إذا أقدمت الصين على ملء الفراغ.

إن الولايات المتحدة لا تفتقر إلى القوة الاقتصادية أو المالية للحفاظ على قيادتها للنظام الدولي الممتدة منذ 75 عامًا. ولكن في عهد ترامب، نسيت الولايات المتحدة سبب أهمية هذه القيادة، وإذا بهاتتخلصمن سلطتها وسمعتها هباءً!



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية البنك الدولي

اضف تعليق