آسيا تايمز | الخلاف الحدودي بين الهند والصين بحاجة لحل سياسي


١٤ يونيو ٢٠٢٠

ترجمة - شهاب ممدوح

الشيء الجيد في روايات الإعلام الهندي السلبية للغاية التي تتحدث عن المواجهة العسكرية في شرق "لاداخ"، هو أن الحكومة تجاهلتها بشكل كبير لذلك نرجو أن يكون تخفيف التوترات أمرًا ممكنًا.

من الأفضل تجاهل العدميين والمتشائمين، لا سيما عندما يعاني هؤلاء من رُهاب الصين وتكون رؤيتهم ضيقة إزاء الوضع العالمي الحالي، فضلًا عن تجاهلهم الصارخ لحقيقة أن الصين باتت لاعبًا رئيسيًّا ضمن رابطة الدول العظمى.

وقد طالبت بعض الروايات الإعلامية الرائجة الجيش الهندي بتوجيه "لكمة دموية" لجيش تحرير الشعب الصيني، ويفترض هؤلاء أن التوترات الصينية - الأمريكية الراهنة تدفع بالهند لمكانة ذات قيمة استراتيجية عظيمة في وقت تقف فيه الصين "معزولة" وتسود حالة من الفوضى أوضاعها السياسية الداخلية.

ومما لا يثير الدهشة أن بعض المحللين الأمريكيين الذين تمتعوا بنفوذ في واشنطن في مرحلة ما قبل ترامب، انخرطوا في المعمعة، ناصحين الهند بألا تضيّع المزيد من الوقت لكي "تنضم لبقية دول آسيا لإيجاد طريقة للتعامل مع مخططات الصين التراكمية التي باتت تميّز مسارها كقوة صاعدة".

مع ذلك، تمسكت القيادة الهندية حتى الآن بموقف ثابت يتمثل في السعي لإيجاد حل سلمي للتوترات في الحدود الشمالية. منذ ما يزيد على شهر مضى، عندما بدأ الحشد العسكري الصيني، وصف مستشار الأمن القومي الهندي "أجيت دوفال" ما يحدث بأنها "سحابة صغيرة"، وتفيد تقارير أنه سارع للتواصل مع عضو المجلس السياسي في الحزب الشيوعي الصيني "يانغ جايشي" في السادس من مايو.
لا شك أننا وصلنا لنقطة انعطاف مهمة في مسار العلاقات الصينية – الهندية. الأمر الملفت أن "دوفال" لم ينتظر عرض وساطة ترامب - وهو العرض الذي ظهر بعد ثلاثة أسابيع لاحقًا - للتواصل مباشرة مع أرفع الشخصيات السياسية في بكين القريبة من الرئيس "شي جي بينغ".

قال ترامب إن واشنطن "أعلمت الهند والصين أن الولايات المتحدة مستعدة وقادرة على التوسط أو التحكيم في نزاعهما الحدودي المشتعل الآن".

هذا عرض مذهل، فمن خلال عرضه التوسط، أظهر ترامب اهتمامه بأن يكون طرفًا محايدًا ونزيهًا. كما أشار إلى أنه لن ينحاز لأي طرف، والأكثر من هذا أنه لا ينوي التدخل في التوترات الهندية - الصينية أو التورّط فيها.

إن المحلّلين الهنود المتحمسين لتوجيه لكمة دموية للجيش الصيني - والذين يشاء القدر أن الكثير منهم مؤيدون لـ "الشراكة" الأمريكية الهندية - لا يفهمون معنى عرض ترامب للوساطة. ولو اتخذت الهند إجراءً عسكريًّا محدودًا ضد الصين - كما تعهّد جواهر لال نهرو يومًا ما - فلن تكون التداعيات أقل كارثية من التداعيات التي واجهناها نحن الهنود منذ ستة عقود مضت.

إن اتخاذ إجراء عسكري محدود ضد الصين اليوم يعني اندلاع حرب مع قوة عظمى لن تكون الهند قادرة على التحكم في مقاييسها أو خطها الزمني.

ألّا يقرأ "خبراء الشأن الصيني" الهنود الصحف؟ فالتوقعات العالمية تشير إلى أن الهند تتجه لتكون بؤرة وباء جائحة كوفيد 19، فيما يقول البنك الدولي إن الاقتصاد الهندي سينكمش بنسبة تزيد على 3 بالمائة بنهاية العام.

بالإضافة إلى ذلك، هناك جانب آخر لكل هذا - تقلّب وعدم ثبات العلاقات الأمريكية -الصينية، وما لذلك من تداعيات على عملية صناعة السياسات في الهند.

في الظاهر، لا شيء يناسب ترامب أفضل من الانضمام لحملة وزير خارجيته "مايك بومبيو" ضد الحزب الشيوعي الصيني، واستغلال التوترات في منطقة "لادخا" كفرصة ذهبية لكسب الهند كحليف للولايات المتحدة لمواجهة الصين.

لكن ترامب غير مهتم بذلك، وبهذا لا يمكن أن يعني إلا أنه يتبنى رؤية شاملة للعلاقات الأمريكية - الصينية.

كتب "ستيفن روتش" الأستاذ بجامعة "ييل" والرئيس السابق لشركة مورغان ستانلي في آسيا والخبير البارز في الشأن الصيني، مقالة حكيمة بموقع بلومبيرغ هذا الأسبوع حول كيف أن التوتر بين الادخار والعجز الراهن في الاقتصاد الأمريكي اكتسب بُعدًا خطيرًا جديدًا بسبب الجائحة؛ إذْ تسببت أزمة كورونا في توسيع العجز الفيدرالي بصورة هائلة؛ ما جعله يتجاوز بكثير الارتفاع المدفوع بعامل الخوف للمدخرات الشخصية.

ويرى "روش" أن هناك لحظة فارقة وانخفاضًا في المدخرات المحلية في المرحلة المقبلة - أي أنه في حال أثرت التوترات التجارية الأمريكية - الصينية سلبيًّا على المستهلكين الأمريكيين المأزومين، مقرونًا مع انخفاض قيمة الدولار، فإن هذا سيجعل من المستحيل الحفاظ على التمويل الخارجي للعجز في الادخار، لا سيما في حال مضى ترامب قدمًا في تنفيذ "رغبته سيئة التوقيت لإجراء انفصال مالي عن الصين".

الواضح تمامًا أن تصريح ترامب في التاسع والعشرين من مايو المتعلق باتخاذ إجراءات ضد الصين - وهو التصريح الذي جاء عقب كشفه عرضه للوساطة في أزمة منطقة "لادخا" - كان كلاميًّا فقط ولم يتم دعمه إلا بإجراءات رمزية قليلة لـ "معاقبة" الصين. كما أحجم ترامب عن الإشارة لمسألة التجارة مع الصين، لدرجة أن أسواق الأسهم غمرتها الفرحة بسبب ذلك، مُفترضةً أن هذا ربما يكون مؤشرًا على تخفيف التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين.     
           
ويمكننا القول إن روايات الهند عن الصين ينبغي ربطها بالبيئة الدولية. هناك وزراء حكوميون بارزون بدأوا في تبنّي أفكار وهمية تفيد بأن الشركات الأمريكية تغادر الآن الصين بشكل جماعي، وتتوجه نحو الهند لإقامة مراكز إنتاج؛ لذا يتوجّب على رجال الأعمال الأمريكيين الذين تربطهم صداقة بالهند والعالمين ببواطن الأمور أن يتدخلوا لإخراجنا من هذه الأفكار الوهمية.

صحيح أن الصين تواجه وضعًا صعبًا مع تورطها في المسائل السياسية العالمية مع الدول الكبرى. لكن هذا ما يحدث دومًا في التاريخ، إذ تبذل القوى المترسخة كل ما بوسعها لإبقاء القوى الطامحة خارج دائرة النفوذ. كما أن الصين لديها مشاكل، ليس مع الولايات المتحدة فحسب، ولكن مع أوروبا أيضًا.
مع هذا، وصل العالم لنقطة ينبغي أن تدرك فيها القوى الكبرى أن التعايش مع الصين أصبح ضروريًّا في هذا النظام العالمي متعدد الأطراف.

عندما يتعلق الأمر بالمعضلة التي تواجهها الهند؛ فإن الانزلاق المأساوي نحو حرب عام 1962 هو أمر لا يمكن نسيانه. كان ذلك الصراع أيضًا نابعًا لحد كبير من مجموعة من الأوهام. هناك فرق هائل بين "خط السيطرة" على الحدود مع باكستان، و"خط السيطرة الحقيقي" على الحدود مع الصين. نحن بحاجة لنهج واقعي وبراغماتي للبقاء والازدهار.

إن الظروف الجيوسياسية اليوم تجعل من المستحيل عزل التوترات في منطقة "لادخا" واعتبارها مجرد نزاع على الأراضي. حضر رئيس الوزراء "نيرندرا مودي" قمتين غير رسميتين في "ووهان" الصينية و"تشيناي" الهندية مع الرئيس الصيني، وهذا كل ما استطاع فعله. لكن هناك سؤال يجب طرحه: ماذا عن الاتصالات الاستراتيجية أثناء الفترة الفاصلة بين القمتين؟ إن سياستنا تجاه الصين تسير بلا هدف.

لقد فشلت الهند في التعامل بجديّة مع تحذيرات الصين ضد القرار الخاص بجامو وكشمير في أغسطس الماضي، كما عقّدت الهند الأمور أكثر عبر إعلانها منطقة "أكساي تشين" بأنها جزءٌ لا يتجزأ من الهند، متجاوزة الخطوط الحمراء عبر رسم خريطة تؤكد نوايا الهند طويلة الأمد.

كل ذلك بينما نأمل في فرض "سيطرة فعلية يومًا ما على الجزء الذي تحتله باكستان في كشمير" كما صرّح وزير الشئون الخارجية، في إشارة منه إلى الجزء الخاضع لإدارة باكستان في كشمير، والذي يمرّ عبره مشروع "الممر الاقتصادي بين الصين وباكستان" الذي تبلغ تكلفته 60 مليار دولار، والذي يمثّل أهم مشروع في مبادرة الحزام والطريق. يمتد هذا الممر الاقتصادي عبر "ممر كاراكورام" الذي نبني بالقرب منه طريقًا لتسهيل التحركات وعمليات الانتشار العسكرية.

في غضون ذلك، أخفت الهند تحالفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة فيما يخص فيروس كورونا بهدف إذلال الصين، وبدأت في التفكير في إجراء زيارات وزارية لتايوان. كيف يمكن للهند ألا تدرك أن الفترة الراهنة هي مرحلة فاصلة وحرجة في السياسة العالمية والإقليمية وأننا في مرحلة تحولات؟ لقد تخبطت الدبلوماسية الهندية وسط إخفاقات عديدة في فن ممارسة الحُكم والسياسة.

والآن، يجب محاسبة الموظفين المسئولين عن هذا الفشل الكبير - سواء بسبب العجز أو الخمول أو اللامبالاة أو أي سبب آخر - في الإبقاء على التواصل الاستراتيجي مع بكين، التي تُعدّ العلاقة معها بلا شك الأهم لعقود مقبلة.

وحتى في أصعب سنوات الحرب الباردة، لم يحدث توقف في الاتصالات السوفيتية -الأمريكية. في مقابل هذا، تستمتع الدبلوماسية الهندية فقط بعلاقاتها الوثيقة المبهجة مع البرازيل وأمريكا وإسرائيل وأستراليا.             


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية الهند الصين

اضف تعليق