وور أون ذا روكس| بعد الشرق الأوسط.. تدخلات إيران تزعزع الاستقرار في منطقة القوقاز


٢١ يونيو ٢٠٢٠

ترجمة - شهاب ممدوح

بينما تواصل إيران تورطّها في نزاعات بداية من سوريا وصولًا إلى اليمن، يلعب هذا البلد الآن دورًا مزعزعًا في نزاع آخر بمنطقة القوقاز، ربما لم تسمعوا عنه مطلقًا، إنه الصراع على منطقة "ناغورنو كاراباخ". حيث اكتشفت أذربيجان مؤخرًا أن شاحنات إيرانية تزوّد الحكومة الأرمينية بالطاقة في إقليم "ناغورنو كاراباخ" الذي استولت عليه أرمينيا عام 1993، والذي ما يزال متنازعًا عليه حتى يومنا هذا.

حتى وقت قريب، كانت إيران محايدة رسميًّا في قضية مِلكية "ناغورنو كاراباخ"، مُعترفةً بأن الإقليم هو جزء من أذربيجان. يأتي هذا الموقف بالرغم من حقيقة أن السياسة الإيرانية تجاه أذربيجان كانت متوترة في مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، إذا بقيت إيران شريكًا ثابتًا لأرمينيا. وقد تأثر موقف طهران بمخاوفها تجاه أقليتها الأذرية الانفصالية في شمال غرب إيران، وفي الواقع، صرّح الفريق "محمد باقري" رئيس هيئة الأركان الإيرانية، علنًا أن "كاراباخ" أراضٍ أذرية وأن تغيير الحدود عبر القوة أمرٌ غير مقبول.

لقد تغيّر موقف إيران من إقليم ناغورنو كاراباخ الآن، ما سيتبع هذا من تداعيات خطيرة على الأمن الإقليمي. فبدلًا من دعم أرمينيا والسعي لإقامة علاقات أفضل مع أذربيجان- حيث عرضت إيران الوساطة لحل الصراع في الماضي - أظهرت طهران اليوم رغبتها في تقويض المصالح الأذرية والهدنة الهشّة مع أرمينيا. ونظرًا لأن اندلاع القتال في القوقاز يمكن أن يطال روسيا وتركيا، يُعدّ هذا النوع من التدخل استفزازيًّا وتهديدًا للاستقرار الإقليمي.

تحوّل الموقف الإيراني من ناغورنو كاراباخ

في شهر أبريل الماضي، عبرت شاحنات إيرانية تحمل لوحات أرقام إيرانية، إلى إقليم ناغورنو كاراباخ وزوّدت السكان المحليين بالطعام والطاقة ومنتجات أخرى. إن هذه الشحنات ربما لا تعتبر الأولى من نوعها التي ترسلها طهران في انتهاك لاعترافها بالإقليم بأنه جزء من أذربيجان. أنكر مسئولون إيرانيون، من بينهم مسئولون في السفارة الإيرانية في أذربيجان، القصة بأكملها، زاعمين أنها "أخبار مزيّفة" أطلقتها جهات آذرية انفصالية معارضة للنظام الإيراني. أثارت أفعال إيران وإنكارها اللاحق ردّة فعل قوية من الحكومة الأذرية والرأي العام.

بالرغم من مزاعم إيران أنها لا تعترف بناغورنا كارباخ (أو إقليم "أرتساخ" كما يسميه الأرمن) كدولة مستقلة أو كجزء من أرمينيا، غير أن التعاون الثنائي مع أرمينيا تنامى منذ عام 2016. بحلول ذلك الوقت، كانت إيران تبني بالفعل محطة "كودافرين" للطاقة على حدودها ع ناغورنو كارباخ. وتعليقًا على مقابلة أُجريت مع وزير خارجية اقليم ناغورنو كاراباخ "ماسيس مايلان"، تقول إحدى الروايات إن تعاون إيران مع ناغورنو كاراباخ مفيد للطرفين؛ حيث اعتادت طهران على إبلاغ أذربيجان بشأن مثل هذه الأنشطة، لكن يبدو أن الأمر لم يعد كذلك الآن.

من المرجّح استمرار تعاون إيران مع حكومة ناغورنو كاراباخ في مجال شحنات الطاقة لبعض الوقت، وقد دعمت حكومة أرمينيا هذا التعاون ضمن علاقاتها الأوسع مع إيران. هذا الأمر ربما يورّط "يريفان"- عاصمة أرمينيا - في انتهاك للقواعد الدولية. كما يفتح ذلك التعاون الباب أمام إرسال إيران شحنات سلاح ومخدرات إلى منطقة كاراباخ وعبرها، ما سيشكّل انتهاكًا للقانون الدولي. وهذا سيمثل تصعيدًا كبيرًا وتهديدًا خطيرًا لأذربيجان. ونظرًا لأن إيران تُبدي استعدادًا لتعريض علاقاتها مع أذربيجان للخطر - ونظرًا لإرسالها أسلحة وصواريخ لوكلائها مثل الحوثيين في اليمن - فإنه من المعقول الافتراض أن طهران ربما ترسل أسلحة لحلفائها في ناغورنو كارباخ.

ومن خلال توسيع هذا التعاون مع إيران، تضع أرمينيا علاقاتها الجيدة عمومًا مع واشنطن في خطر. إن مساعدة أرمينيا لتدفق الطاقة من إيران بالرغم من خضوعها لعقوبات أمريكية، سيهدّد علاقات "يريفان" مع الولايات المتحدة ووصلها للنظام المالي العالمي، كما أن هذه الخطوة الأرمينية ستختبر صبر الحكومة الأمريكية، التي أظهرت مؤخرًا تفهمًا خاصًا تجاه أرمينيا فيما يخصّ علاقاتها الاقتصادية مع إيران؛ ما جعلها تحجم عن فرض عقوبات عليها بسبب تجارتها مع إيران.

التداعيات على المصالح الأمريكية

إن لسلوك إيران في القوقاز تداعيات على مصالح الولايات المتحدة. كما أن استعداد طهران للمخاطرة بعلاقاتها مع أذربيجان التي حاولت الأولى تأسيس تقارب معها منذ عام 2012، يمثّل اتجاهًا جديدًا لزعزعة الاستقرار في السياسة الخارجية الإيرانية. وفي غياب أي ردّ أمريكي، ربما تستنتج إيران أنه يمكنها زعزعة هذه المنطقة دون عقاب. ونظرًا لأن إيران تسلك نهجًا حذرًا في تعاملها مع دول واقعة على حدودها مقارنة مع دول تقع بعيدًا عنها، فإن هذه المناورة تشير إلى أن استعداد إيران لخوض هذه المخاطرة أكبر مما يعتقد الكثيرون.

بالتالي، ربما تخوض الجمهورية الإسلامية المزيد من المجازفات في مناطق تتواجد فيها مصالح أمريكية مباشرة، مثل الشرق الأوسط. إن استمرار إيران في الحصول على قدرات نووية - ورفضها السماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية زيارة مواقع محددة - وتدخلاتها في العراق وسوريا، يُبرز جليًّا هذا الاتجاه الإيراني. وبالرغم من قتل الولايات المتحدة للجنرال قاسم سليماني في يناير الماضي، وهو العقل المدبر للكثير من مغامرات إيران الخارجية، إلا أنه من الواضح أن إيران لن ترضخ ومن المحتمل أنها ستزيد من تدخلاتها. ومن المرجّح أن هذه التدخلات، من بينها التدخل ضد أذربيجان، سيحدث عاجلًا أو آجلًا.

تُبرز التطورات في القوقاز تكاليف الإهمال الذي ميّز موقف واشنطن تجاه المنطقة منذ ما يزيد على عقد من الزمن. إن الولايات المتحدة لديها مصلحة في تهدئة الوضع بالمنطقة ومساعدة الدول على الإفلات من النفوذ الروسي والإرهاب المدعوم إيرانيًّا. كما أن لها مصلحة دائمة في دعم الديمقراطية، مثلما ساعدت ثورة أرمينيا الديمقراطية عام 2018. وأخيرًا، لدى واشنطن مصلحة في زيادة تدفقات الطاقة لحدّها الأقصى من بحر قزوين إلى أوروبا لدعم الحكومات المحلية وتقليل النفوذ الروسي على القوقاز وأوروبا. عندما سافر مستشار الأمن القومي الامريكي الأسبق "جون بولتون" إلى أرمينيا وأذربيجان وجورجيا عام 2018، كانت تلك الزيارة لافتة لأن زيارات المسئولين الأمريكيين الكبار لهذه المنطقة قليلة. وردًّا على تلك الزيارة، رفضت أرمينيا علنًا فكرة التعاون مع الولايات المتحدة. علاوة على ذلك، يبدو هذا البلد وكأنه يمرّ بتراجع ديمقراطي، وذلك مع اعتقال رجل الأعمال والمعارض للنظام "غاجيك تساروكيان"، وتحديها لجميع الجهود الرامية للتوصل لحل تفاوضي لمشكلة ناغورنو كارباخ.

يتعيّن على واشنطن أن تُولي اهتمامًا أكبر لهذا الصراع، ولمنطقة القوقاز عمومًا، لأن اشتعال الصراع في ناغورنو كارباخ يمكن أن يجرّ روسيا وتركيا. في عام 1993، كاد النزاع أن يُشعل مواجهة روسية – تركية، كما يمكن أن تزعزع أرمينيا المنطقة لو حاولت مواصلة السيطرة على أراضٍ مُعترف بها عالميًّا بوصفها أراض أذرية. ونظرًا لأن أرمينيا تبدو وكأنها تتآمر مع إيران لمواصلة سيطرتها على ناغورنو كارباخ - وضمّ هذه المنطقة لأرمينيا في نهاية المطاف - فإنه ينبغي فضح سياساتها أو تحفيزها للتراجع عنها خوفًا من خطر تقديم الولايات المتحدة دعمًا كبيرًا لأذربيجان. هذا الخطر ربما يدفع "يريفان" لعمل سلام الآن بدلًا من تحمّل التكاليف العالية لسياساتها الراهنة، وهذا أيضًا ربما يفيد في فضح وتقليل الدور الإيراني في القوقاز.

 التطلع للمستقبل

إن موقف إيران المتغيّر تجاه نزاع ناغورنا كارباخ بين أرمينيا وأذربيجان، يضيف عنصرًا جديدًا مزعزعًا للاستقرار في القوقاز. وستؤدي أفعال إيران لتسميم علاقاتها مع أذربيجان. كما ستثبت أفعال إيران أيضًا أنها قوة مزعزعة للاستقرار، ليس فقط في الشرق الأوسط والخليج، ولكن أيضًا في القوقاز. تجد أرمينيا الآن نفسها في موقف صعب، إذْ يمكن النظر إليها بوصفها متآمرة مع إيران وأداة للتهرّب من العقوبات الأمريكية.

إن موقف طهران الجديد في القوقاز هو بالتأكيد ليس حدثًا وحيدًا عابرًا؛ بالتالي يجدر بنا التساؤل عما إذا كان الكشف الأخير عن سلوك إيران المزعزع للاستقرار، سيستجلب رد فعل من واشنطن. ولو كان الأمر كذلك، فإنه ينبغي للولايات دعم قدرة أذربيجان على الدفاع عن مصالحها. ولو حدث ذلك، فربما يخرج شيء إيجابي من هذا الحدث المؤسف.  
    


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية إيران القوقاز

اضف تعليق