بلومبرج| انسحاب ترامب من ألمانيا انتصار لبوتين


٢٣ يونيو ٢٠٢٠

ترجمة - بسام عباس

بقلم: جيمس ستافريدس، القائد الأعلى السابق للحلفاء في أوروبا

أكد الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" عزمه على سحب ما يقرب من 10 آلاف جندي من ألمانيا؛ ما يخفض الوجود الأمريكي هناك إلى أقل من 25 ألف جندي. من الصعب المبالغة في مدى سوء القرار. إن خفض هذه القوات هو هدية صريحة للرئيس الروسي "فلاديمير بوتين"، مما يجهد التحالف عبر الأطلنطي بلا ضرورة، ويقلل من استعداد الولايات المتحدة العالمي للقيام بعمليات قتالية سريعة ومستمرة، ولن يوفر للولايات المتحدة أي أموال.

تبرير ترامب لهذا الانسحاب هو أن ألمانيا "متأخرة" في مدفوعاتها لمنظمة حلف الناتو. وهذا ليس صحيحًا؛ إذ يتم توزيع ميزانية الناتو بين الدول الثلاثين الأعضاء، والتزامات ألمانيا مدفوعة حتى تاريخه، ورغم أن الأخيرة لم تحقق بعد هدف التحالف المتمثل في إنفاق الأعضاء 2٪ من الناتج المحلي الإجمالي على دفاعهم، إلا أن برلين تتحرك في هذا الاتجاه.

أنا أعرف تلك الحجج جيدًا. عندما كنت القائد الأعلى للحلفاء في حلف الناتو، كان لديّ عمل مختلف تمامًا ومتوازٍ أيضًا: قائد القيادة الأوروبية الأمريكية. كنت واحدًا من ستة قادة جغرافيين مقاتلين، أو أميرالًا من فئة الأربع نجوم أو جنرالات يتحمل كل منهم مسئولية إدارة العمليات العسكرية في منطقة معينة من العالم.

فعندما كنت في القيادة الأوروبية للولايات المتحدة (يوكوم)، كان لديّ عددٌ كبيرٌ من العاملين في المقر الرئيسي في شتوتجارت، ألمانيا، وشبكة من القواعد تمتد عبر أوروبا الغربية. كان هناك حوالي 64 ألف جندي من جميع القطاعات في 21 قاعدة رئيسية تحت قيادتي، بما في ذلك حوالي 40 ألف شخص في ألمانيا. ومما يجدر ذكره أن هذا يمثل تخفيضًا بنسبة 90٪ تقريبًا للقوات الأمريكية في أوروبا منذ نهاية الحرب الباردة. وعندما أفكر في ذلك الوقت، تتبادر إلى الذهن ثلاث صور:

الأولى: زيارة مستشفى الجيش في لاندستوهل بألمانيا، وهي أكبر مرفق طبي يديره الجيش الأمريكي خارج الولايات المتحدة، بالإضافة إلى توفير الرعاية لعشرات الآلاف من الجنود وعائلاتهم، كان المستشفى نقطة الإخلاء لقواتنا الأكثر تضررًا في العراق وأفغانستان.

في تلك الأيام، كان لدينا الآلاف من المصابين بجروح بالغة يتدفقون إلى المستشفى شهريًّا قبل العودة إلى الولايات المتحدة، بينما كنت أتجول في الأجنحة محاولًا توفير بعض الراحة للجرحى، أذهلتني الحاجة الجغرافية لوجود مثل هذا المرفق؛ حيث يمكن إجلاء قواتنا بسرعة نسبية في وجود رعاية فائقة الجودة.

كما أنني أتذكر رحلاتي العديدة حول ألمانيا لزيارتها مع الجنود قبل نقلهم إلى الشرق الأوسط أو أفغانستان. وكانوا كثيرًا ما يتحدثون عن مدى شعور أسرهم بالسعادة والأمان في وسط المجتمع الألماني الذي يهتم بهم. وقد دفعت ألمانيا جزءًا كبيرًا من التكاليف لإبقاء 40 ألف جندي لديها، كما أنها وفرت مرافق ممتازة. فلم تكن هذه المرافق قواعد بالية منذ الحرب الباردة، ولكنها محطات العمليات المتقدمة في القرن الحادي والعشرين.

أخيرًا، أتذكر رحلاتي العديدة إلى أفغانستان في تلك الفترة، حيث قمت بزيارة 150 ألف جندي تحت قيادتي الاستراتيجية بعد أن تولَّت قوة المساعدة الأمنية الدولية بقيادة الناتو المسئولية الأساسية عن الحرب هناك، إذْ كانت ألمانيا أحد أكبر المساهمين بقوات في الصراع الأفغاني، وفقدت العديد من الجنود. كان الألمان مسئولين عن شمال أفغانستان، وتتمركز قواتهم حول قواعد مزار شريف، وقاموا بعمل رائع تحت قيادة العديد من الجنرالات الألمان. وسأزور أيضًا 15 ألف جندي من قوات الناتو في البلقان يحافظون على سلام هش في كوسوفو، بقيادة عدد من الجنرالات الألمان البارزين.

إن السؤال الجيد الذي يجب طرحه عند النظر في قرار جوهري بسيط للغاية: من المستفيد؟ في هذه الحالة، بالتأكيد ليس الولايات المتحدة؛ لأنها ستفقد قواعد استراتيجية قريبة من خصومها. كما أنه لن يوفر أية أموال، في الواقع، سيخسر البنتاغون المساعدات الألمانية. وعندما يتم إعادة القوات إلى الولايات المتحدة، فسوف يتطلب ذلك قواعد لإيوائهم، وإذا احتاجوا إلى إعادة الانتشار، فستكون تكاليف النقل كبيرة.

كذلك سوف يخسر الناتو، ويمكنني أن أخبرك أن كل جندي أمريكي موجود في القارة يساعد في تقوية الحلف، وهو جزء من سبب استعداد حلفاء الولايات المتحدة للذهاب إلى العراق وأفغانستان.

كما أن وزارة الدفاع لن تستفيد أيضًا، فسوف تفقد فرص التدريب القيمة مع القوات المسلحة الألمانية ذات القدرة العالية. كذلك سيرتبك حلفاء الولايات المتحدة ويتشككون في مدى التزامها لتحقيق الردع المشترك لروسيا.

وهو ما ينقلنا إلى المستفيد الوحيد، ألا وهو "فلاديمير بوتين"، إذ سيستخدم الزعيم الروسي هذا الانسحاب المفاجئ للوقوف في وطنه ليقول: إن "الولايات المتحدة تخشى الدخول في حرب مع روسيا"، ويخاطب أوروبا قائلًا: "الولايات المتحدة ليست ملتزمة حقًا بالدفاع عنكم"، ودوليًّا في الشرق الأوسط ومناطق أخرى: "انظروا كيف ينقلب الأمريكيون على حلفائهم المفترضين؟".

كل هذا ليس عن ألمانيا في حد ذاتها. إنه يتعلق بالتزام الولايات المتحدة بهيكل تحالفها بشكل عام وأوروبا بشكل خاص. ومن هنا نطرح سؤالًا: لماذا تُعدّ أوروبا ذات أهمية كبيرة للولايات المتحدة؟

أولاً: القيم المشتركة: تعد أوروبا موطنًا لمعظم الديمقراطيات التقدمية في العالم، والدول التي يتقاسم الأمريكيون معها القيم الأساسية.

ثانيًا: بإجمالي ناتج محلي يبلغ 20 تريليون دولار تأتي كأكبر شريك تجاري لأمريكا، حيث لا يمكن المبالغة في أهمية أوروبا للولايات المتحدة والاقتصادات العالمية.

ثالثًا: يظل المسرح الأوروبي موقعًا جيوستراتيجيًّا بالغ الأهمية؛ ما يوفر للولايات المتحدة الوصول العالمي اللازم لتنفيذ العمليات في جميع أرجاء العالم.

رابعًا: أوروبا هي أساس حلف الناتو، أكثر حلف نجاحًا وقدرةً في التاريخ.

خامسًا: أصبحت أوروبا اليوم "مصدرًا للأمن"، ولديها عدد من أكثر الجيوش تدريبًا وتقدمًا من الناحية التكنولوجية في العالم.

هناك الكثير من الأسباب الوجيهة لإبقاء قواتنا في ألمانيا، ولا أستطيع إيجاد سبب واحد منطقي لسحبها.
 


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق