آسيان بوست| إحياء منظمة التجارة العالمية


٢٤ يونيو ٢٠٢٠

ترجمة - بسام عباس

غالبًا لا يأتي ذكر منظمة التجارة العالمية في الأخبار في الوقت الحاضر إلا بالسوء، إذْ يعتبرها الكثير من الناس شُرطيًّا غير فعّال لكتاب قواعد عفا عليه الزمن غير مناسب لتحديات الاقتصاد العالمي في القرن الحادي والعشرين، فيما يتفق أعضاء منظمة التجارة العالمية بشكل عام على أن المنظمة بحاجة ماسة إلى الإصلاح حتى تحافظ على أهميتها وتواكب التغيير.

وقد أضافت الأشهر الأخيرة المزيد من التحديات، حيث توقفت هيئة الاستئناف في منظمة التجارة العالمية، التي تفصل في النزاعات التجارية بين الدول الأعضاء، عن العمل بشكل فعال في ديسمبر الماضي وسط خلافات بشأن تعيين قضاة جدد في اللجنة. وفي مايو 2020، أعلن المدير العام للمنظمة "روبرتو أزيفيدو" أنه سيتنحى نهاية أغسطس، قبل عام من انتهاء ولايته الحالية.

مَن سيخلف أزيفيدو سيواجه تحديًا كبيرًا؛ فمنذ تأسيسها في عام 1995، فشلت منظمة التجارة العالمية في انهاء جولة واحدة من المفاوضات التجارية لمحادثات التجارة العالمية، وبالتالي فقدت فرصة تقديم منافع متبادلة لأعضائها. كان من المفترض أن تختتم جولة الدوحة للتنمية، التي بدأت في نوفمبر 2001، بحلول يناير 2005. ولكن بعد 15 عامًا، لا يزال أعضاء منظمة التجارة العالمية يتناقشون حول ما إذا كانت عملية الدوحة ينبغي أن تستمر. ويعتقد البعض أن الموضوع قد تجاوزته الأحداث، في حين يريد آخرون مواصلة المفاوضات.

وحتى الآن، وبشكل مخيب للآمال، قدمت المنظمة عددًا قليلاً من الاتفاقات البارزة الأخرى أيضًا، باستثناء اتفاقية تيسير التجارة، التي دخلت حيز التنفيذ في فبراير 2017، وقرار عام 2015 بإلغاء جميع أشكال دعم الصادرات الزراعية. وفي الوقت نفسه، عمل بعض أعضائها معًا على مجموعة من الصفقات التجارية الإقليمية الأوسع نطاقًا، والتي تغطي قضايا ملحة مثل الاقتصاد الرقمي والاستثمار والمنافسة والبيئة وتغير المناخ.

إن جولة الدوحة للتنمية، التي كان من المفترض أن تُجدِّد كتاب قواعد منظمة التجارة العالمية، ناقشت القليل من هذه المواضيع. وحتى بعض القواعد الحالية للمنظمة يمكن التحايل عليها بسهولة؛ ما يؤدي إلى الإخلال بتوازن الحقوق والالتزامات بين الأعضاء. فعلى سبيل المثال، وفي أثناء جائحة كورونا الحالية، فرضت بعض البلدان ضوابط تصدير مشكوك فيها على الإمدادات الطبية والمنتجات الغذائية للحد من العجز فيها.

ولكن على الرغم من هذه التحديات، لم تكن المنظمة "فاشلة". وبدلًا من ذلك استندت إلى نجاحات سلفها، الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة (الجات)، والتي دخلت حيز التنفيذ في عام 1948. وقد ساهم نظام التجارة متعدد الأطراف القائم على القواعد والذي بدأ مع (الجات) بشكل كبير في النمو الاقتصادي العالمي على مدى العقود السبعة الماضية، من خلال تخفيض متوسط التعريفات وإزالة الحواجز غير التعريفية بشكل مطرد.

ونتيجة لذلك، تحسنت مستويات المعيشة في معظم الدول. علاوة على ذلك، ساعدت التجارة العالمية القائمة على القواعد في تعزيز السلام والأمن، لأن الشركاء التجاريين من المرجح أن يحلوا الخلافات من خلال المفاوضات بدلاً من النزاع المسلح. ومع ذلك، يدرك أعضاء منظمة التجارة العالمية اليوم الحاجة إلى إعادة تشغيل المنظمة في القرن الحادي والعشرين. فمن جهة تعتقد الدول المتقدمة أنها تحملت عبء تحرير التجارة لفترة طويلة للغاية، وأنه ينبغي على الدول النامية تحمل المزيد من الالتزامات إذا كانت في وضع يمكنها من القيام بذلك. وفي المقابل، تقول أقل الدول نموًا والدول النامية ذات الدخل المنخفض إن قواعد منظمة التجارة العالمية تعوق جهودها الرامية إلى نمو اقتصاداتها وتحديثها.

وعلى مدى العقدين الماضيين، أصبحت التجارة الدولية (بعبعًا) للنقاد الذين يلقون باللوم عليها بسبب الأزمات الاقتصادية التي تواجهها بعض الدول. لكن التجارة ليست لعبة محصلتها صفر، حيث يمكن أن تكون الحقوق والالتزامات متوازنة، كما أظهر تطور قواعد التجارة العالمية والإقليمية منذ عام 1948. وبالتالي، فإن السؤال الذي يواجه منظمة التجارة العالمية وأعضاءها الآن هو كيفية إحراز تقدم والتوصل إلى اتفاقات ذات منفعة متبادلة.

يجب على جميع أعضاء المنظمة أن يشاركوا في هذا المسعى؛ لأن هذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكن للمنظمة من خلالها استعادة مصداقيتها والقيام بوظيفة وضع القواعد؛ لذلك يجب أن تضع المفاوضات الجديدة في عين الاعتبار مستويات التنمية الاقتصادية المتفاوتة للأعضاء، وتهدف – كما كانت دائمًا – إلى التوصل إلى اتفاقيات عادلة ومنصفة. وتشمل الأولويات الحاسمة الأخرى للمنظمة تعزيز الشفافية، في شكل إشعارات في الوقت المناسب للإجراءات التجارية التي تتخذها الدول، ونظام فعال لتسوية النزاعات يحظى بثقة جميع الأعضاء.

إن منظمة التجارة العالمية المحتضرة لا تخدم مصلحة أي بلد. في حين أن وجود نظام التجارة الدولية الفعال والقائم على القواعد هو مصلحة عامة، والفشل في إحيائه سيقوض جهود الحكومات لإخراج الاقتصاد العالمي من الركود الناجم عن جائحة كورونا.

وفي النهاية لا شك أن المنظمة لها دور لا غنى عنه في تحويل الآفاق الاقتصادية للدول وحياة الشعوب في جميع أنحاء العالم. وعلى الرغم من أن الأزمة الحالية جعلت المنظمة المتدهورة في بؤرة التركيز الحاد، غير أن المزيد من السقوط ليس أمرًا حتميًّا. ففي الاقتصاد العالمي الذي تعرض بالفعل للخطر جراء جائحة كورونا، يجب علينا الآن أن نعطيه الترياق - والمتمثل في الإرادة السياسية والتصميم والمرونة لدى أعضاء المنظمة – اللازم لإحيائه.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق