آسيا تايمز | هل يمكن لمنصات التواصل الاجتماعي الكبرى أن تخضع للابتزاز السياسي؟


٢٧ يونيو ٢٠٢٠

ترجمة - بسام عباس

تكمن قوة الاتصال وشركات التقنية الكبرى عند مفترق الطرق بين الحركات الاجتماعية والتغيير السياسي في القرن الحادي والعشرين،غير أنه في الأسابيع الأخيرة، خضعت هذه السلطة لتغيير.

ففي يوم 28 مايو، علقت منصة تويتر تغريدة الرئيس الامريكي "دونالد ترامب"حول الاحتجاجات التي اندلعت جراء مقتل "جورج فلويد" لحساسيتها، مدعيةً أن رسالة ترامبتحرض على العنف. وردًّا على ذلك، هدد ترامب– على الفور– بإلغاء المادة 230 من قانون آداب الاتصالاتلعام 1996 ووقّع على أمر تنفيذي يحث الوكالات الفيدرالية على إعادة تقييم تفسيرها لهذا القانون.وفي الأسابيع التي تلت ذلك، قامت الحكومة الأمريكية بتسريع تدقيقها في شركات التقنية الكبرىاستعدادًا لمعركة النخب والمصالح الأحادية في انتخابات نوفمبر.

كان هذا التدقيق من كلا الحزبين إلى حد كبير، وإن كان دافع كل منهما لأسباب مختلفة. فقد هاجم كلٌّ من الجمهوريين والديمقراطيين منصات وسائل التواصل الاجتماعي لكيفية إدارة محتواهم. إذ يميل الحزب الأول إلى استهداف هذه الشركات لحجب بعض الآراء المحافظة، في حين أن الأخيريشكو من أن المنصات لا تفعل الكثير لمنع انتشار التضليل.

ويسلطالكونجرس الأمريكي المادة 230 منذ أن شُرِّعَتكسيف داموكليسفوق رؤوس منصات الإنترنت الرئيسية.

والمادة 230، في جوهرها، تحمي منصات الإنترنت التي تستضيف محتوى طرف ثالث من تحمل مسئولية ما تنشره تلك الأطراف الثالثة عبر الإنترنت. في حين أن هناك بعض الاستثناءات القليلة لذلك، فإن القانون في جوهره يسمح للنظام البيئي للبيانات الضخمة على الإنترنت بالازدهار؛ لأنه يلغي تكاليف المعاملات الكبيرة للشركات التي توزع المحتوى.

ويجذب هذا المحتوى المشاهدات التي تنشئ بيانات سلوكية يتم تتبعها من خلال أدوات عبر الإنترنت، مثل ملفات تعريف الارتباط، ثم تستخدم الحلول التحليليةالمعقدة هذه البيانات لمجموعة من الخدمات وأنشطة إنشاء القيمة التي تشكّل البنية التجارية للإنترنت.
ودون المادة 230 أو إصدار مخفف من القانون، سيتعين على منصات مثلتويتر وفيسبوكأن تنفق الموارد للتحقق من محتوى الطرف الثالث لتجنب الوقوع في المسؤولية. وسيؤدي هذا إلى ترقية كبيرة لأنظمة مراقبة المحتوى الخاصة بهم لضمان الامتثال للقانون.وهذا يضرب صميم القوة الإعلامية في القرن الحادي والعشرين، حيث أصبحت منصات مثلتويتر وفيسبوكمنفصلة عن الخطاب العام، والعملية الانتخابية، وكيف يتعامل المسئولون مع الجماهير.

وبسبب هذا، اكتسبت منصات تويتر وفيسبوكسلطة كبيرة على السياسيين– بما في ذلك الرئيس الأمريكي ترامب– الذين يستخدمون خدمات تلك المنصات لإيصال رسائلهم السياسية مباشرة للجمهور.

في الواقع، يمكن لهذه الشركات ببساطة أن تقرر حظر رسالة سياسي أو الإبلاغ عنها بطريقة أخرى وتقليل فعاليتها قبل أن تصل إلى الجمهور المستهدف؛حيث لا يوجد قانون يمنع هذه الشركات حاليًا من فعل ذلك، بلعلى العكس، إذ تمنح المادة 230 هذه الأنظمة الأساسية القدرة على تقييد الوصول إلى أي محتوى تعتبره غير مقبول، مما يمنحها سلطة تقديرية واسعة لتحديد ما يعتبر محتوى مقبولًا.

لقد أفسد هذا التكتل الذي يجمع بين الشركات التوازن الدقيق لقوة الاتصال الذي كان في الماضي يربط التأثير السياسي مباشرة ببث وسائل الإعلام المطبوعة وطباعتها من خلال الإعلان السياسي، ووضع جداول الأعمال، والتأثير على قنوات المعلومات. وهو ما حدا، في السنوات الأخيرة، بالكونجرس الأمريكي إلى أن يسعى إلى تعديلالمادة 230 عدة مرات، وقام بالفعل بتعديلها في بعض الحالات.

اللعبة الجيوسياسية العظيمة

في حين أن ذلك لا يزال قضية داخلية أمريكية، فإن العلاقة الحالية بين واشنطن ووادي السليكون تثير تساؤلات حول الجغرافيا السياسية الرقمية وهيمنة شركات التكنولوجيا الأمريكية في الخارج. وبالتزامن مع الجدل الدائر حول المادة 230، ازداد التدقيق الدولي على وادي السيليكون في الأسابيع الأخيرة، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى عواقب وخيمة على العلاقات الدولية بشكل عام.لذلك، يجب النظر إلى هذه القضايا فيما يتعلق بالاتجاهات الجيوسياسية الأكبر التي لا تزال تتكشف، بما في ذلك المشروع الأكبر للتكامل الأوراسي، والتوتر المتزايد بين الولايات المتحدة والصين، والأزمة الاقتصادية الناتجة عن وباءكورونا، والتكامل الحتمي للأتمتة وإنترنت الأشياء وشبكات الجيل الخامس، وتأثيرها في النسيج الاجتماعي للحياة اليومية.

في الأسبوع الماضي، انسحبت الولايات المتحدة من المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي بشأن ضريبة الخدمات الرقمية، وهي خطوة يرى الكثيرون أنها تشير إلى إمكانية نشوب حرب تجارية، وقد تم الإعلان عنضريبة الخدمات الرقمية في عام 2018، وهي طريقة أوروبا لتأكيد سيادتها على شركات التكنولوجيا الأمريكية من خلال مطالبة تلك الشركات بدفع ضرائب إضافية مقابل تقديم الخدمات الرقمية للمستهلكين في الاتحاد الأوروبي.

وردًّا على التوتر التجاري، هددت إدارة ترامب برفع الرسوم الجمركية على سلع أوروبية بقيمة 3.1 مليار دولار أمريكي، بما في ذلك الفودكا والجبن والنبيذ والزيتون والشوكولاتة.وتزامنت هذه الخطوة مع إعلان المفوضية الأوروبية أنها شرعت في رفع دعاوى قضائية بتهم الاحتكار ضد شركة آبل، وكذلك قمة الاتحاد الأوروبي والصين، والتي أعادت التأكيد (رغم أنها كانت عشوائية إلى حد ما) على ضرورة التعاون بين الطرفين.

ومنذ سنوات عديدة، يتمتع وادي السيليكون بامتياز فيما يتعلق بصانعي السياسة الأمريكيين الذين يقبلون بكل سرور مساهمات الحملات والدعم من شركات التقنية. ويستند هذا الامتياز إلى إجماع لدى حكومة الولايات المتحدة يرى أن مصالح وادي السليكون متطابقة مع مصالح أمريكا عندما تتعامل الدولة مع أطراف دولية أخرى. وفي المقابل، كان هذا الدعم حاسمًا لانتشار وهيمنة شركات التكنولوجيا الأمريكية في جميع أرجاء العالم.

ولكن من المؤكد أن هذا الإجماع ليس واضحًا دائمًا،حيث أوجدت العديد من أنشطة الحكومة الأمريكية، خاصة في إدارة ترامب، العديد من القضايا لدورشركات التقنية الكبرى في الاقتصاد العالمي.ومع ذلك، وبالنسبة لسياسة التكنولوجيا بشكل عام، كانت الولايات المتحدة متسقة نسبيًّا في تعزيز رؤيتها للفضاء الرقمي: عالم من تدفقات البيانات عبر الحدود المحررة، والمعايير التكنولوجية المدفوعة بالصناعة القائمة على الملكية الفكرية المملوكة إلى حد كبير للشركات الأمريكية، وتيسيرات تجارية لمنتجات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، ومتطلبات الترخيص الملائمة لمراكز البيانات وبرامج الحوسبة السحابية، والوصول إلى الأسواق من خلال حواجز تجارية مخفضة.
الخلاصة: كل هذا يدور حول منح وادي السيليكون الوصول إلى المزيد من الأسواق (والمزيد من البيانات) للاستخدام وبالتالي المزيد من الأرباح.

ويصل هذا إلى قلب العلاقة المتوترة بين الولايات المتحدة والصين،الناجمة عن رؤية الصين الخاصة للسيادة الرقمية والأرض الرقمية– التي شوهدت من خلال معرض صنع في الصين 2025، ومعايير 2035، وطريق الحرير الرقمي، إلخ– والتي تتحدى هيمنة شركات التكنولوجيا الأمريكية في الدول الأخرى من خلال تقديم منتجات بديلة، وبالتالي تمنع الشركات الأمريكية من الحصول على حصتها في السوق في الصين.

وهو ما يشرح أيضًا سبب استمرار الولايات المتحدة في الإصرار على البيئات المواتية للتكنولوجيا الكبرى في صفقاتها التجارية، بما في ذلك المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة والبرازيل، والولايات المتحدة والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة وكينيا، وتلك التي اختتمت مؤخرًا مثل الولايات المتحدة واليابان واتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، وتلك التي فشلت مثل الاتفاقية التي وقعتها مع الهند.

الاتجاهات المستقبلية

وفي الوقت الذي تستعد فيه الولايات المتحدةللانتخابات، ألقى صانعو السياسات بظلالهم على وادي السليكون، متحدين بشكل مباشر الإجماع المميز الذي تمتعت به الصناعة حتى الآن.فمن خلال جلسات الاستماع في الكونجرس، وتهديدات وزارة العدل بمكافحة الاحتكار ومطالبتها بفحص دقيق لرصد المحتوى، ورد فعل عنيف من جميع فئات الطيف السياسي، ينصب مزيد من الاهتمام فجأة على شركات التقنية الكبرى.

حتى قرار إدارة ترامب الأخير بتعليق جميع تأشيرات(H1-B)حتى ديسمبر كان بمثابة رسالة إلى وادي السليكون بأن يعيد تنظيم نفسه، وهي لعبة قوىتقول لتلك الشركات أن تساعد المحافظين في نشر رسالتهم أو أنها ستفقد القدرة على توظيف المواهب الأجنبية.

يمكن أن يؤدي إصلاح المادة 230 إلى إعادة توازن للسلطة في واشنطن، بالإضافة إلى شل قدرةشركات التقنية الكبرىعلى توليد البيانات من خلال نماذج أعمالها،وهذا هو السبب في أن شركات الوسائط الاجتماعية الكبرى قد تعهّدت جميعًا بالتزامات طوعية بغربلة المعلومات المضللة والتدخل الأجنبي والمحتوى غير المنتظم خارج منصاتها قبل 2020.

يبدو أن الخوف من سيف داموكليس قد فعل الكثير لتنظيمشركات التقنية الكبرىفي غياب القانون. ومع ذلك، فإن مستقبل تلك الشركات وقوة الاتصال لا يزال مفتوحًا؛ حيث تندمج الجغرافيا السياسية بشكل متزايد مع التكنولوجيا الرقمية، وتصبح أكثر مركزية لمن يمارسون السلطة ويحاولون التمسك بها فوق كل شيء آخر.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق