معهد الشرق الأوسط | نفوذ إيران في أفغانستان


٢٧ يونيو ٢٠٢٠

ترجمة - آية سيد

على الرغم من الروابط الدينية والثقافية القوية والحدود المشتركة، تمتلك إيران علاقة مُعقدة نوعًا ما مع أفغانستان. تزامن الميلاد الثوري المضطرب لإيران مع غزو الاتحاد السوفيتي لأفغانستان منذ حوالي أربعة عقود. منذ ذلك الحين، لم تتلق محاولات إيران لحماية مصالحها في أفغانستان التي تمزقها الصراعات الانتباه الكافي من العالم الخارجي، لكنها تبقى واحدة من أهم الدول المجاورة بالنسبة للسياسة الخارجية لطهران.

إن إيران لاعب إقليمي طموح يمتلك فهمًا واضحًا لمحيطه المُعقد وخطة حذرة لرسم مسار عبره. إن الطبيعة المُعقدة لعلاقات إيران بأفغانستان هي جزئيًا نتيجة للنمط المتذبذب لتفاعلاتها مع الأطراف المعنية،الذين يتوسطهم تفاعل الكثير من مجموعات الهوية أو المصلحة والوسطاء الذين لديهم الإمكانية للتأثير على التطورات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في مجتمع متنازع عليه بشدة. وفي كثير من الأحيان، يكون لهذه المجموعات والوسطاء مواقف متضاربة في المجتمع الأفغاني.

يمكن عزو جزء آخر من علاقات إيران المعقدة بأفغانستان إلى معارضتها المتواصلة للولايات المتحدة، التي تُعد شريكًا قويًا للنظام في كابول. ولكونها دولة ذات أغلبية شيعية، امتلكت إيران تاريخًا طويلًا من الاختلافات الأيديولوجية والخصومة السياسية مع حركة طالبان الأفغانية. خلال حكم نظام طالبان المشؤوم في أواخر التسعينيات، دعمت إيران التحالف الشمالي المناهض لطالبان،وهو تحالف مكون من جماعات عرقية أخرى غير البشتون. وعلى الرغم من أن إيران احتفظت بقناة محادثات دبلوماسية خلفية مع الولايات المتحدة عقب الهجمات الإرهابية في 11 سبتمبر 2001 لبحث كيفية إرساء الاستقرار في أفغانستان والقضاء على تنظيم القاعدة،منعت عدة حواجز هيكلية المحادثات غير الرسمية من أخذ الطابع المؤسسي.

في الوقت الحالي،أحد الأبعاد المهمة لفهم إيران للأزمة الأفغانية مرتبط بكيفية تصورها لعلاقاتها مع واشنطن. لفترة طويلة الآن، كانت طهران تتبع سياسة "تحوط" محفوفة بالمخاطر في أفغانستان – حيث تقدم الدعم للحكومة الأفغانية ولطالبان في نفس الوقت على أمل أن تُبقيهم منقسمين وتؤثر على التطورات السياسية بمجرد أن تسحب الولايات المتحدة قواتها. وبسبب هذه السياسة المزدوجة التي تبدو متناقضة، من الصعب تحليل نوايا إيران ونفوذها في أفغانستان.

طهران وطالبان

كانت هناك تقارير كثيرة عن تفاهمات تكتيكية بين طهران وطالبان. هذا يتناقض بشدة مع عصر نظام طالبان، الذي تلقى رعاية من السعودية، خصم إيران اللدود. مع هذا، في النظام العالمي ما بعد 11 سبتمبر، تغيرت الاتجاهات القديمة مع ظهور واقع جيوسياسي جديد. أحد هذه التغيرات كان العلاقات بين السعودية وطالبان،حيث أصبح صعبًا على السعوديين أن يؤيدوا طالبان على حساب حليفهم التقليدي، الولايات المتحدة. في السنوات الأخيرة، موقف السعودية المتشدد تجاه قطر، حيث تحتفظ طالبان بمكتبها السياسي، وعلاقات قطر المُحسنة مع طهران ساعدوا إيران وطالبان على التقارب. هذا يفسر قدرة إيران ورغبتها في لعب أدوار مختلفة بناءً على السياق والظروف المتغيرة.

يمتلك الهزارة الشيعة في أفغانستان، الذين يسكنون جبال كوه بابا في الحافة الغربية لسلسلة جبال هندوكوش في وسط أفغانستان، يمتلكون روابط اجتماعية-ثقافية مع إيران. خلال سنوات الحرب الأهلية الأفغانية، تطلع الكثير من الهزارة إلى طهران كثقل موازن لطالبان السُنية. تستضيف إيران أيضًا ملايين اللاجئين الهزارة الذين هربوا من الأوضاع المزرية في أفغانستان بحثًا عن حياة أفضل. كانت هناك تقارير مؤكدة عن إرسال طهران للشباب الهزارة للقتال نيابة عن نظام الأسد في سوريا كجزء من لواء الفاطميين، وتحفيزهم بوعود الحصول على المال والإقامة الدائمة في إيران.

وعلى الرغم من كونها معادية لطالبان تاريخيًّا، يبدو أن طهران غيّرت لهجتها بناءً على التفاهم بأن طالبان لن تضطهد الهزارة الشيعة، وحذت طالبان أيضًا نفس الحذو، والسبب يبدو تكتيكيًا. قبل المحادثات الأفغانية، بذلت طالبان كل جهودها لكسب الشرعية لدى الهزارة الأفغان. على سبيل المثال،حاكم المقاطعة الشمالية الذي عينته طالبان حديثًا، مولوي مهدي مجاهد، هو رجل دين شيعي من الهزارة. وفي رسالة فيديو حديثة، طلب مجاهد من أنصار ديانته أن يقاتلوا ضد "الغزاة اليهود والمسيحيين".وقال:"ألم تحملوا أعلامنا إلى جانب الإخوة السُنة في الجهاد ضد السوفيت؟ كيف يمكن أن تنسوا ذلك التاريخ؟ لماذا أنتم صامتون على هؤلاء الغزاة الذين يقودهم الأمريكيون؟" من الواضح أن رسالة مجاهد السياسية تتوافق مع رواية طالبان المناهضة للغرب.

ولعلها أيضًا المرة الأولى التي تتسع فيها طالبان لقائد شيعي في جماعتها. ولكي تزيل فكرة أن طالبان يهيمن عليها البشتون، وأن تعيين قائد هزاري هو مجرد حيلة سياسية، قال المتحدث باسم طالبان سهيل شاهين "ليس الأمر أن طالبان ضمت أشخاصًا من مجتمعات أخرى، ولكنهم كانوا معنا منذ فترة طويلة"، مجادلًا بأن القادة من مجتمع الطاجيك والهزارة لعبوا دورًا مهمًا في عمليات طالبان.

جهود طهران لتحسين العلاقات

كانت محاولات طالبان لضم الأقليات العرقية في أفغانستان في ائتلاف جديد بكابول يُنظر لها بطريقة إيجابية في طهران. منذ بدء محادثات السلام مع الولايات المتحدة،ذهب عدة قادة بارزين في طالبان إلى طهران من أجل المشورة، وكانت إيران تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع كل الأطراف المعنية الأفغانية تقريبًا. هناك تقارير عن أن الممثل الخاص لإيران في أفغنستان، محمد إبراهيم طاهريان، تعامل بصورة منتظمة مع القادة السياسيين لطالبان، بالإضافة إلى قادة سياسيين أفغان آخرين، من ضمنهم صلاح الدين رباني، رئيس حزب "الجمعية الإسلامية"، وعبد الرسول سياف، رئيس منظمة الدعوة الإسلامية في أفغانستان. والجدير بالذكر أيضًا أن عبد الله عبد الله، الرجل الثاني في الحكومة الأفغانية، تجمعه روابط تاريخية بإيران. في أعقاب الانتخابات الرئاسية المتنازع عليها الخريف الماضي، عندما طعن عبد الله على النتيجة، أكد وزير الشئون الخارجية الإيراني على الحاجة لإقامة حكومة شاملة، وهو ما يشير ضمنًا إلى ميل لصالح عبد الله. وباعتبار هذا التصريح علامة على التدخل، أدانت الحكومة الأفغانية المقترح الإيراني. عبد الله، ذو العرقية الطاجيكية، خفف من حدة موقفه المعادي لطالبان منذ تقارب الجماعة مع طهران.

بعد تصفية الجنرال الإيراني البارز قاسم سليماني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، في شهر يناير، اتهم وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو إيران بتقويض عملية السلام الأفغانية عن طريق استخدام الجماعات المسلحة في البلاد، وطلب أيضًا من طالبان الانفصال عن طهران. والجدير بالذكر أن خليفة سليماني، الجنرال إسماعيل غاني، الذي كان نائبًا له لأكثر من عقد، كان مسئولًا في السابق عن تعامل إيران مع أفغانستان، مركزًا بشكل رئيسي على الشيعة في منطقة أفغانستان-باكستان. ووفقًا للتقارير الإعلامية، زار غاني ولاية باميان في 2018، على ما يبدو بصفته نائب السفير الإيراني في كابول. من المبكر جدًا قول هذا بشكل مؤكد، لكن نظرًا لخلفيته المهنية، فإن قيادة غاني لفيلق القدس الإيراني ربما تشهد تصعيد أنشطته في أفغانستان وباكستان.

عقب اتفاق السلام بين الولايات المتحدة وطالبان في فبراير، يُقال إن بعض قادة طالبان الساخطين المرتبطين بإيران يحاولون تخريب جهود المفاوضات التي تهدف لإنهاء الصراع. بالتحديد، ينبغي ذكر فصيل جديد تابع لطالبان، وهو حزب ولاية الإسلام، الكائن حاليًا في إيران. وعلى الرغم من أن حجم نفوذ هذا الفصيل غير واضح، فإنه من ضمن عدد من فروع طالبان المرتبطة بطهران. توجد شائعات أيضًا بأن شبكة حقاني، المعروفة بروابطها القوية مع باكستان، تتقرب من إيران أيضًا. 

وبينما من المرجح أن تبدأ المفاوضات الأفغانية قريبًا، تحضّر طهران نفسها للعب دور حيوي. وحيث إن الولايات المتحدة واجهت في كثير من الأحيان مصالح إيران الأيديولوجية والجيوسياسية في الصراع الأفغاني،تحرص إيران على الحفاظ على توازن قوة مواتٍ في أفغانستان ما بعد رحيل الأمريكيين. وعقب الاتفاق السياسي بين الرئيس أشرف غني وعبد الله، اتصل وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف هاتفيًّا بالقائدين على الفور لتهنئتهما على إنهاء الجمود السياسي وأعرب عن رغبة بلده في المساعدة في دعم الحوار الأفغاني.

اللاجئون الأفغان وكوفيد-19

وفقًا لتقديرات الأمم المتحدة، فإن عدد المواطنين الأفغان المسجلين في إيران يقترب من مليون شخص، لكن الحكومة الإيرانية تعتقد أن العدد الإجمالي أعلى بكثير – حوالي 2.5 مليون مهاجر أفغاني، بصورة قانونية وغير قانونية. وتشير تقديرات المنظمة الدولية للهجرة إلى أن أكثر من 200 ألف أفغاني عادوا من إيران منذ بداية 2020 بدافع الخوف من فيروس كورونا، الذي ضرب إيران بقوة. كانت أول حالة إصابة مؤكدة بكوفيد-19 في أفغانستان لشخص جاء من إيران، وبينما تعيد إيران فتح اقتصادها بالتدريج، يحرص الأفغان على العودة من أجل العمل الموسمي. بيد أن إيران تواجه اتهامات بأن اللاجئين الأفغان أُجبروا على العودة عبر الحدود إلى أفغانستان،وبعد عدة حالات مزعومة لسوء معاملة اللاجئين الأفغان من طرف حرس الحدود الإيراني في الأسابيع القليلة الماضية،ما أدى إلى وفاتهم بطريقة مأساوية، أرسلت حكومة غني وفدًا رفيع المستوى، بقيادة وزير الخارجية محمد حنيف أتمار، لتهدئة الأزمة في 20 يونيو. تسعى إيران أيضًا لضمان ألا تتأثر جهودها لتوسيع نفوذها السياسي والطائفي والاقتصادي في أفغانستان بالترويج غير المرغوب لسوء معاملتها للاجئين الأفغان.

طهران تمتلك النفوذ.. لكن هناك حدود

على الرغم من أن العوامل الجيوسياسية والروابط الثقافية مكنوا إيران من ممارسة قدر هائل من النفوذ في أفغانستان خلال السنوات الأخيرة، تواجه طهران الآن قيودًا أكبر وسط المشاكل الاجتماعية والاقتصادية المتنامية في الداخل. جعلت سنوات الحكم الاستبدادي شباب إيران جامحًا، في الوقت الذي تدهور فيه اقتصادها بسبب العقوبات الغربية المستمرة وأسعار النفط المنخفضة. ومن المستبعد أن تصبح إيران مثالًا لطالبان على كيفية إقامة دولة ثيوقراطية مبنية على الإسلام السياسي، لكن من المرجح أن تستمر طهران في الحفاظ على علاقاتها مع طالبان لأسباب تكتيكية.

لقد اعتبرت طهران التواجد العسكري الأمريكي في أفغانستان جزءًا من خطة لتطويق إيران. هذا منحها أساسًا مشتركًا مع طالبان، التي شنت حربًا على القوات الأمريكية في أفغانستان لعقود؛ لقد خلقت المقولة القديمة "عدو عدوي صديقي" فرصة للتقارب بين الجانبين. تتشارك طهران وطالبان أيضًا عداوة مشتركة تجاه صعود الفرع المحلي لداعش في أفغانستان، تنظيم الدولة الإسلامية – ولاية خراسان، وهو ما يدعم التعاون بين الجانبين. وبالرغم من مصالحهما المشتركة المؤقتة، يظل محل جدال كبير ما إذا كان دعم طهران السري والعلني لطالبان سيُكسبها أي نفوذ حقيقي في أفغانستان في المدى البعيد، خاصة بعد دمج طالبان في الهياكل الحاكمة الأفغانية. في النهاية، تحالف طهران-طالبان انتهازي وزواج مصلحة، وليس من الواضح إلى متى سيستمر عندما يمتلك الجانبان خيارات أفضل.



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية أفغانستان إيران

اضف تعليق