صحيفة كابكس| سياسات القادة الأوروبيين تهدد بإشعال موجة ثانية من مشاعر التشكيك في أوروبا


٣٠ يونيو ٢٠٢٠

ترجمة - شهاب ممدوح

لسنوات عديدة، شبّه بعض الناس تصاعد "التشكيك في أوروبا" والشعبوية بـ "الفيروس". الآن، هناك أمل داخل الاتحاد الأوروبي أن الفيروس الحقيقي الذي انتشر في أوروبا ساعد في كبح الفيروس السياسي، وذلك مع تراجع نفوذ الشعبويين.

جادل قادة أوروبيون، مثل وزير المالية الألماني "أولاف شولز"، أن خطة التعافي ستكون بمثابة "لحظة حاسمة" تعطي هدفًا جديدًا للمشروع الأوروبي.

ومثلما وضع أول وزير خزانة أمريكي الولايات المتحدة على طريق الفيدرالية عبر تجميع الديون من الحرب الثورية، يأمل قادة أوروبا أن خطة التعافي الأوروبية ستكون نقطة انطلاق على طريق إنشاء الولايات المتحدة الأوروبية.

وما من شك أن خطة التعافي الهائلة مهمة في مساعدة الدول الأوروبية على الوقوف على أقدامها مجددًا بعد هذه الأزمة، كما أن المبادرة الفرنسية - الألمانية تمثل خطوة أولى شجاعة وضرورية. مع هذا، أشار استطلاع للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية إلى أن هناك خطرًا في إساءة تفسير الرأي العام، ما قد يثير بصورة غير مقصودة موجة جديدة من مشاعر التشكيك في أوروبا.

لقد سألنا أوروبيين في تسع دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي، يمثلون تقريبًا ثلثي السكان، ما إذا كانوا يدعمون فكرة تقاسم الأعباء المالية، وكانت النتائج مُنبّهة للغاية.

وجدنا دعمًا كبيرًا لفكرة تقاسم الأعباء المالية في دول ربما تكون مستفيدة من صندوق التعافي، لكن الدول التي ستساهم في تمويل هذا الصندوق لم توجد بها غالبية مؤيدة لهذا الأمر. حتى في فرنسا التي تقود الاندفاعة نحو سندات اليورو، حيث دعم 47 بالمائة فقط من المستطلعين فكرة تقاسم الأعباء المالية، وفي ألمانيا بلغت نسبة الداعمين 43 بالمائة، وفي السويد 30 بالمائة، فيما بلغت النسبة في الدنمارك 25 بالمائة.

إن العامل المهم في إطلاق الدعم المالي لصندوق التعافي يكمن في فهم مخاوف الدول المتشككة. أكثر ما يقلق هذه الدول هو الخشية من تحويل المساعدات المالية من الدول الغنية للدول الفقيرة لدعم دائم، ما يُبقي الأنشطة الاقتصادية غير المستدامة قائمة بشكل مصطنع، عوضًا عن تمهيد الطريق لإنشاء اقتصاد جديد. إن الانتصار على هؤلاء المتشككين سيتطلب حجة ليست مبنية على التضامن أو الفيدرالية، ولكن على المصلحة الذاتية والتحديث.

لنبدأ بالمصلحة الذاتية. أظهرت أزمة كوفيد19 لكثير من المواطنين الأوروبيين أن النظام العالمي المترابط الذي يعتمدون عليه يشهد انهيارًا. لا يمكن اعتبار دونالد ترامب أو شي جين بينغ شريكين موثوقين، كما أن هناك قلقًا شديدًا من أنه في هذه اللحظة من القلق العالمي، ستشهد الأسواق العالمية انغلاقًا بسبب استخدام الصين والولايات المتحدة العولمة كسلاح للتنافس فيما بينهما.

يخلق هذا الوضع أساسًا منطقيًّا جديدًا داعمًا لفكرة السوق الأوروبية المشتركة. ومع تزايد تركيز الدول حول العالم على الأسواق المحلية، سيدرك الاتحاد الأوروبي أن السوق المحلية الوحيدة الناجعة هي السوق الأوروبية وليست السوق الوطنية. انظروا إلى الإحصائيات التجارية حتى قبل أزمة كوفيد19: تمثل تجارة البضائع والخدمات بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي أكثر من ثلثي تجارتها الإجمالية. في هولندا، يعتمد 43.9 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي على تجارة البضائع داخل الاتحاد الأوروبي (تبلغ هذه النسبة 29.8 بالمائة في النمسا و21 بالمائة في ألمانيا، و19.9 بالمائة في الدنمارك، و18 بالمائة في السويد).

قد تخسر العديد من الشركات الأوروبية ملايين الوظائف بسبب الصدمات قصيرة الأمد وليس انعدام القدرة التنافسية طويلة الأجل. إن إجراء عملية ضخّ كبيرة لرأس المال لمرة واحدة في السوق يمكن أن تحقق عائدًا هائلًا، لا سيما في الدول المُقتصِدة في النفقات والتي تعتمد منافعها كثيرًا على السوق المشتركة. لهذا فأن الرأي الداعم لصندوق التعافي يتعلق بصورة كبيرة بالمصلحة الذاتية وليس التضامن مع الدول الأعضاء الأخرى في الاتحاد.

الدرس الثاني المهم الذي نتعلمه من استطلاع الرأي أنه لا ينبغي لقادة أوروبا الحديث عن ماضٍ انتهى، ولكن عن مستقبل أخضر. وكما تشير بيانات استطلاع رأي لمؤسسة Eurobarometer)) عام 2019، فإن القلق الشعبي حيال حالة الطوارئ المناخية مرتفع للغاية في جميع الدول المُقتصِدة في الإنفاق. يرى نحو ثلاثة أرباع النمساويين (71%) أن قضية المناخ تمثّل مشكلة "خطيرة"، وتبلغ هذه النسبة في هولندا 74 بالمائة، وفي الدنمارك 83 بالمائة وفي السويد 84 بالمائة.

ويظهر استطلاع للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية أن الأشخاص المهتمين بالبيئة في الدنمارك والسويد هم الأكثر قبولًا لفكرة تقاسم الأعباء المالية. في حل تم تصوير فكرة صندوق التعافي على أنها تتعلق بالمستقبل وليس الماضي، فسيكون من الممكن زيادة دعم التعافي.

لو أخذ قادة الاتحاد الأوروبي هذين الدرسين في الحسبان، فربما يكون بمقدورهم جعل هذه اللحظة أوروبية خالصة. وفي حال استمروا في الترويج لفكرة التضامن واللحظة الحاسمة، فانهم يخاطرون بإثارة موجة جديدة من التشكيك في أوروبا. وكما هو الحال مع الأنفلونزا الإسبانية، هناك خطر أن تصبح الموجة الثانية من التشكيك في أوروبا هي الأكثر فتكًا.  

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق