ذا هيل| هل يربح العراق الحرب على الفساد؟


١٢ يوليه ٢٠٢٠

ترجمة - آية سيد

بينما يستأنف العراق المفاوضات مع الولايات المتحدة حول مصير العلاقة الاستراتيجية، ارتفعت الآمال في أن رئيس الوزراء الإصلاحي مصطفى الكاظمي ربما يستطيع أخيرًا معالجة المشكلات المُنهكة التي أعاقت انتقال الدولة المحاصرة إلى الديمقراطية. هذه المشكلات على وجه التحديد هي الطائفية المترسخة والنظام السياسي القائم على النهب الذي يهدر الموارد الحيوية.

حتى في وقت فيروس كورونا، الفساد هو القضية المركزية التي تواجه العراق اليوم. شجب المحتجون الذين أسقطوا الحكومة السابقة العام الماضي عدم كفاءة وعدم شفافية المؤسسات الحكومية التي تديرها النخبة. كانت هناك مطالب بوظائف وحركة واسعة ترفض الوضع الراهن. كان الغضب الذي سبّبه الفساد شديدًا جدًا لدرجة أن الرد الوحشي لم يستطع كسر عزيمة المحتجين.

كسب الكاظمي موافقة حذرة من حركتهم. لقد أظهر علامات مُشجعة لمعالجة مطالبهم الرئيسية بصد النفوذ الإيراني واستئصال الفساد، وأمر بمراجعة كشوف رواتب الحكومة للقضاء على "الموظفين الوهميين" والرواتب المكررة غير القانونية. ونفذ أيضًا حملة ضد إحدى الميليشيات الشيعية. غير أن الطريق باتجاه تحقيق إصلاحات هادفة سيكون طويلًا وغادرًا، مثلما ظهر بالاغتيال الصادم للخبير الأمني هشام الهاشمي، الذي اعتُبر تحذيرًا للكاظمي.

بعد حوالي عِقدين من التحول المضطرب من ديكتاتورية إلى ديمقراطية طموحة، لا تزال الحوكمة ضعيفة بسبب الكسب غير المشروع المتفشي. على الرغم من الثروة النفطية الضخمة التي تمتلك إمكانية إفادة جميع المواطنين، فإن الدولة العراقية مُصممة لغسيل عائدات النفط عبر قطاع عام متضخم لصالح الأحزاب السياسية القائمة على المحسوبية والقوات المسلحة شبه الحكومية مع تجنب أي نوع من المساءلة الحقيقية.

لقد فرضت الجائحة وأسعار النفط المنخفضة ضغوطًا جديدة على الدولة العراقية، فاضحةً تآكل المؤسسات العامة، مثل كليات الطب والمستشفيات، وهي نتيجة ثانوية حتمية للعائدات المهدرة. لقد تحملت المستشفيات والعيادات الخاصة فوق طاقتها بسبب حجم الأزمة، حيث ينقصها اللوازم الطبية العلاجية وحتى معدات الوقاية الشخصية لآلاف الأطباء والممرضات وغيرهم من الموظفين.

إن الهبوط الحتمي في العائدات جعل من المستحيل على الحكومة دعم ما تبقى من شبكة أمانها، وأي تقشف ربما يثير الغضب نظرًا لأن حوالي نصف الميزانية العراقية يذهب إلى رواتب الدولة والمعاشات وإعانات العاملين بالحكومة. إن مخاطر الاضطراب والانهيار المالي حقيقية، حيث إن التحديات تُضخمها، وهو ما يضاعف انعدام ثقة الشعب في مؤسسات الدولة. 

إن نظام تقاسم السلطة هو أكبر عقبة مستعصية. تقع المحاصصة في قلب الفساد، وهي توافقية غير رسمية تم تبنيها في 2003 والتي تعطي الأولوية لمصالح الحزب على الكفاءة التكنوقراطية. لقد فتحت الباب أمام ثقافة سياسية تقسم سلطة الحكومة بين أعضاء الحزب الذين يملكون السلطة لتعيين حوالي 800 موظف في الخدمة المدنية في الوزارات خلال مفاوضات المجلس الوزاري.

مع كل انتخابات، استخدم كل حزب وزارته لتوظيف المزيد من الأعضاء والأتباع. وبالتالي وسّع ذلك كشف الرواتب واشترط الدخول إلى سوق العمل، الذي تهيمن عليه الدولة، بالولاء إلى الحزب. تضخم كشف الرواتب من 850 ألف عامل في 2004 إلى أكثر من 7 ملايين عامل في 2016، مع استفادة أعضاء الحزب بشكل رئيسي. وهكذا استولت الأحزاب السياسية في العراق على المؤسسات الحكومية بشبكات محسوبية متشابكة، مشكلةً مؤسسات موازية ومانعةً عمل المناصب العامة من أجل المكسب الشخصي.

وفي حين أن الكاظمي وفريقه يستحقون الإشادة على الإجراءات الجريئة التي اتخذوها، فإن الكشف عن الشبكات القائمة على النهب سيحتاج لمجهود أكبر. يحتاج العراق لنقلة نوعية وإدراك أن هذه المشكلات ليست هيكلية فقط بل ثقافية أيضًا. في الواقع، انطلق المحتجون الشباب بمطالب رئيسية للحصول على حق التوظيف الحكومي. ومن دون نقلة ثقافية من الدولة بعيدًا عن المحسوبية وباتجاه مساءلة الأشخاص، سوف تكافح إصلاحات الفساد لكي تكتسب الزخم.

ينبغي أن تكون هناك توعية إعلامية قوية ببيانات مُقنعة لعرض حجم الفساد وتأثيره السلبي. يجب بناء بيئة مواتية للتغيير، وينبغي على الجماعات التي تحارب الفساد أن تستفيد من الدعم الحالي لمسئولي الحكومة من أجل طرح السياسات اللازمة وبناء ثقافة سياسية قائمة على المبادرة الفردية. هذه الثقافة ستدرك ثمن الفساد، وتعيد توجيه المجتمع بعيدًا عن الاتكال على الموارد وباتجاه التنوع الاقتصادي والمسئولية المالية والمساءلة السياسية.

للمرة الأولى منذ سنوات، يمكن للمرء أن يمدح بحذر الإجراءات التي اتخذتها حكومة العراق مؤخرًا لمعالجة المشاكل المتعددة التي لا تزال تجتاح هذه الدولة المضطربة باستمرار، غير أنه يوجد المزيد الذي ينبغي فعله قبل أن تقترب من ربح الحرب على الفساد.



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق