فورين بوليسي | الصين تستغل أزمة لبنان الاقتصادية لتوسيع نفوذها هناك


١٤ يوليه ٢٠٢٠

ترجمة - شهاب ممدوح

مطعم "Little China" في بيروت هو أبرز مطعم يقدم طعامًا صينيًّا أصليًّا، وهو مكان يتجمّع فيها عادةً أشخاصٌ ذوو أصولٍ صينية. كما يُعدّ المطعم أيضًا رمزًا لدور بكين الهامشي في حياة لبنان عمومًا.

لكن هذا الوضع ربما يتغيّر في حال تمكّن حسن نصر الله، زعيم حزب الله، من تحقيق غرضه. أعلن نصر الله مؤخرًا في خطاب متلفز أن لبنان يجب أن "يتوجّه شرقًا" للصين لإنقاذه من أزمته الراهنة.

الأثر الناتج عن هذا سيكون واضحًا: لبنان لن يطلب مساعدة صندوق النقد الدولي، في حين أصابت دعوة نصر الله الجمهور اللبناني بالارتباك. لقد كان حجم هذه الأزمة الاقتصادية واضحًا للعيان - تدهور اقتصاد البلاد لمستوى كارثي - لكن لبنان، وبعض قواه المحافظة الرجعية، دائمًا ما كانوا يرون أنفسهم باعتبارهم مركزًا للنفوذ والقيم الغربية في الشرق الأوسط.

لكن نصر الله ليس وحده بين صُنّاع القرار اللبنانيين الذين يعتقدون أن البلد ربما لن يكون قريبًا أمامه أي خيار سوى الدخول في فلك الصين السياسي والاقتصادي. يقول محللون إن هذا لو حدث، فسيمثّل صفحة جديدة ومضطربة في تاريخ لبنان.

يعيش الاقتصاد اللبناني حالة فوضى؛ ما يهدّد بانضمام هذا البلد لزيمبابوي أو فنزويلا، باعتباره واحدًا من أسوأ كوارث العالم الاقتصادية. منذ أكتوبر 2019، فقدت الليرة اللبنانية 80 بالمائة من قيمتها، وتراجعت من سعرها المثبت البالغ 1.500 ليرة مقابل الدولار، لتصل إلى 8 آلاف ليرة للدولار الواحد في الأسبوع الماضي في السوق السوداء.

أصبحت الرواتب التي يحصل عليها اللبنانيون بالعملة المحلية بلا قيمة، مع ارتفاع أسعار السلع الأساسية بمعدل ثلاث أضعاف. كان وقْع ارتفاع أسعار الطعام (من بينها الخبز) شديد الوطأة خصوصًا على الطبقتين المتوسطة والدنيا، كما أصبح انقطاع الكهرباء أمرًا معتادًا. بدأ بعض اللبنانيين في استخدام نظام المقايضة، فيما يزداد لجوء الشباب لإجراءات يائسة لكسب رزقهم. على سبيل المثال، تنقّل أحد خريجي الجامعة مؤخرًا من محل تجاري لآخر في سوق وسط بيروت يحظى بشعبية لدى المغتربين اللبنانيين، لكي يبيع عصير برتقال طازج هناك. وسأل الشاب الناسَ بصوت يملأه الحزن: "مرحبًا، هلا دعمتموني، رجاءً!".

لكن النخبة الحاكمة في لبنان تواصل التلكؤ في إجراء إصلاحات سياسية واقتصادية لوقف الفساد وإعادة هيكلة المصارف المثقلة بالديون، وهي إجراءات ضرورية للحصول على دعم مالي قدره 10 مليارات دولار من صندوق النقد الدولي.

ذكر دبلوماسيان أجنبيان لمجلة "فورين بوليسي" أن الانقسام داخل الفصائل السياسية اللبنانية هو السبب في عدم إفراج صندوق النقد الدولي عن القرض حتى الآن.

في الأسبوع الماضي، استقال "آلان بيفاني" أحد أبرز مفاوضي لبنان مع صندوق النقد الدولي من منصبه الرفيع في وزارة المالية، ونُقل عنه قوله إنه وصل لـ "طريق مسدود" مع النخبة السياسية والمالية في لبنان.

وقال "بيفاني" إن أصحاب المصالح كانوا يعرقلون طريق التغيير؛ لأن أي مساعدة مالية تشترط إجراء خصم قسري (haircut) بقيمة 3 مليارات دولار على حسابات مصرفية يملكها أكبر أثرياء لبنان. لقد تعرضت حسابات ملايين اللبنانيين لخصم قسري فعلي منذ أن فرضت المصارف ضوابط على رأس المال في منتصف نوفمبر 2019، ورفضت السماح لهم بسحب أموالهم. بعد بضعة أيام من استقالة "بيفاني"، عُلقت المحادثات مع صندوق النقد الدولي بالكامل.

من بين الدول القليلة التي تستطيع التوسط بشكل مثمر بين صندوق النقد ولبنان هي الولايات المتحدة، وهي حليف تقليدي لبيروت وأكبر مساهم في صندوق النقد الدولي. لكن حتى مع تفاقم أزمة لبنان الاقتصادية، كثّفت الجهات السياسية في الولايات المتحدة ولبنان من حربها الكلامية فيما بينها؛ إذ اتهم حزب الله الولايات المتحدة بأنها تعمّدت وقف تدفق الدولارات إلى لبنان، بينما اتهم ممثلو الولايات المتحدة الحزب بتخزين الدولارات وبالقيام بعمليات تهريب واسعة. في الأسبوع الماضي، وبّخ قاضٍ لبناني السفيرة الأمريكية في لبنان "دورثي شيا" بعد انتقادها حزب الله.

وقال القاضي إن السفيرة "تحرّض اللبنانيين ضد بعضهم بعضًا"، وفي خطوة غير مسبوقة، أصدر القاضي قرارًا بمنع وسائل الإعلام من إجراء مقابلات معها لمدة عام. وأضاف القاضي أن مَن ينتهك القرار سيُغرّم بـ 200 ألف دولار. (ولإظهار تحدّيهم للقرار، استضافت عدّة محطات تلفزيونية محلية السفيرة على الهواء في المساء ذاته). إن تطبيق الولايات المتحدة بصورة أحادية عقوبات "قانون قيصر" على النظام السوري، أدّى أيضًا لمنع الاقتصاد اللبناني من الاستفادة من أي عملية إعادة إعمار في سوريا المجاورة.

في غضون ذلك، وبالرغم من حضورها السياسي الضعيف في المنطقة، تنتظر الصين دورها في الزاوية، وتستعد للحلول محل الولايات المتحدة بوصفها أكبر جهة خارجية مهيمنة في لبنان. تحاول شركات صينية إطلاق مشاريع كبيرة في لبنان منذ عقد من الزمان، وتهتم هذه الشركات بشكل خاص بالاستثمار في البنية التحتية اللبنانية.

تأتي أربعون بالمائة من واردات لبنان من الصين، وفي الأعوام القليلة الماضية، عزّزت بكين من علاقاتها الثقافية عبر بناء مركز موسيقي جديد في بيروت. أرسلت الصين مساعدات عسكرية أثناء حرب لبنان عام 2006 ضد إسرائيل، ونشرت قوات حفظ سلام في وقت لاحق. أثناء جائحة كورونا، مارست الصين دبلوماسية ناعمة وزوّدت لبنان بمساعدات طبية، من بينها أجهزة اختبار. في ذروة انتشار فيروس كورونا في لبنان، تواصل أبرز أطباء لبنان عبر تقنية "الفيديو كونفرانس" مع نظرائهم الصينيين للحصول على معلومات بشأن أفضل طرق للتعامل مع الأزمة الصحية.

قليلون هم مَن ظنوا في البداية أن مبادرات الصين تجاه لبنان ستغيّر الحسابات الأساسية لصنّاع القرار اللبنانيين، وذلك نظرًا لاعتماد النظام المصرفي اللبناني على الدولار الأمريكي وتحويلات المغتربين اللبنانيين العاملين في الغرب.

لكن لبنان بات الآن يائسًا بما يكفي لكي يدرس فكرة الحصول على أي مساعدة يمكن أن تقدّمها بكين. بعد وقت قريب من اقتراح حزب الله التحوّل نحو استثمارات الصين، عوضًا عن الحصول على مساعدة مالية من صندوق النقد الدولي، اجتمع رئيس الوزراء اللبناني مع السفير الصيني سعيًا للحصول على مساعدة الصين وتوسيع التعاون بين البلدين.

يرتكز اهتمام الصين في الشرق الأوسط اليوم على مبادرة "الحزام والطريق" التي تهدف لتوسيع نفوذ الصين حول العالم عبر العلاقات الاقتصادية.

ترغب الصين في إعادة إحياء الطرق وخطوط السكك الحديدية البالية منذ زمن طويل عبر ربط بيروت وطرابلس على ساحل لبنان في البحر المتوسط بمدن سورية مثل دمشق وحمص، وما بعدهما، ضمن شبكة أوسع للبنية التحتية تسيطر عليها الصين في منطقة أوراسيا.

كما أن تقليل النفوذ الأمريكي في لبنان سيكون مكسبًا إضافيًّا للصين.

تثير احتمالات الشراكة مع الصين الديناميكية اهتمام بعض اللبنانيين. لكنّ عددًا من المراقبين السياسيين، من بينهم بعض الأشخاص في الحكومة، يحذّرون من استغلال الصين المحتمل للبنان.

وقد صرّح عضو في البرلمان اللبناني، اشترط عدم الإفصاح عن اسمه لمجلة "فورين بوليسي"، أنه يشكّك في قبول اللبنانيين "المتأمركين" بالصين في حال تطلّب ذلك تقليص العلاقات مع الولايات المتحدة. وأضاف البرلماني اللبناني: "نحتاج لتقييم مدى جاهزية اللبنانيين أولاً"، وتابع "وما إذا كانت الشروط الصينية مقبولة أم لا".

كما صرّح وزير العمل اللبناني الأسبق "كميل أبو سليمان" أنه بالرغم من ترحيبه بالاستثمارات الصينية من حيث المبدأ، غير أن لبنان بات الآن مُتنبهّا للتقارير حول سجلّ الصين في التعامل مع الدول. تشتهر بكين بنصب ما يسمى "أفخاخ الديون"؛ إذْ تقدم قروضًا سريعة لبناء مشاريع بنى تحتية في البلدان النامية، لكن بمعدل فائدة مرتفع للغاية. وعندما تعجز الدولة عن دفع الديون، تسيطر الصين ببساطة على أصولها. واستكمل "سليمان" حديثه بالقول إنه "لا يعتقد أن لبنان سيعود مجددًا على قدميه دون برنامج مساعدة من صندوق النقد الدولي".

في حين عبّر المحلل السياسي اللبناني "سامي نادر" عن وجهة نظر مماثلة، وقال إن "الاستثمارات الصينية ستؤتي ثمارها خلال خمسة أو ستة أعوام. حينها سيكون لبنان ميتًا"، وأضاف: "نحتاج لسيولة الآن، نحتاج لقرض صندوق النقد. وكيف تتوقع منّا الصين أن نردّ لها ديونها؟".

يقول "شين دينغ لي"، وهو خبير بارز في سياسة الصين الخارجية، إن بكين لم تطلب من كل بلد ساعدته أن يسدّد لها القروض، وبوسعها أن تكون قوة ناعمة لتوسيع نفوها عالميًّا. وأضاف "شين": "عندما كنا فقراء، ساعدتنا الولايات المتحدة. نحن نتذكر هذا. والآن أصبحنا في وضع يمكّننا من مساعدة الآخرين".

ويحمل كلام "شين" في طيّاته تلميحًا بأن الصين مستعدة لأن تحلّ محل الولايات المتحدة في المستقبل. وتابع شين: "يمكننا إهداء مئات ملايين الدولارات، على سبيل المثال، للبلدان التي تتعهّد بدعم موقفنا تجاه تايوان على الساحة الدولية".

أما بالنسبة للمحتجين في شوارع لبنان، الأولوية ليست البقاء الفوري للبلد، ولكن إجراء إصلاحات مؤسساتية لمكافحة الفساد وضمان ألا تعود البلاد للوضع نفسه مجددًا. تبدو المساعدة الصينية للبنان هي الخيار الأقل جاذبية لهؤلاء المحتجين؛ نظرًا لأن الصين معروف عنها منذ زمن طويل غضها الطرف عن التجاوزات التي يرتكبها السياسيون الأجانب الذين تقرضهم الأموال، بيْد أنَّ اللبنانيين يدركون تمامًا أيضًا أنَّ الوقت ينفد منهم.  


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق