ذا جابان تايمز | أردوغان يمحو إرث أتاتورك في تركيا


١٥ يوليه ٢٠٢٠

ترجمة - شهاب ممدوح

في الأحوال العادية، كان من المفترض أن يكون أهم خبر قادم من تركيا في نهاية الأسبوع الماضي هو إصدار قانون جديد، وكما وصفه المنتقدون بأنه يمثل ضربة للنظام القضائي الضعيف أصلًا في تركيا. لكن هذا لم يحدث، لأن ما هيمن على الأخبار كان الغضب حيال قرار الرئيس رجب طيب أردوغان بتحويل متحف "آيا صوفيا" الشهير، أحد أبرز الأماكن السياحية في العالم، إلى مسجد.

تقول شخصيات معارضة مثل عمدة مدينة إسطنبول "أكرم إمام أوغلو" إن أردوغان يستغل الجدل بشأن "آيا صوفيا" لصرف الأنظار عن أخطاء حكومته، بداية من إدارة الاقتصاد وحتى التعامل مع أزمة فيروس كورونا. لكن تحويل المتحف يتماشى مع هدف أردوغان السياسي طوال حياته: إعادة ترسيخ هوية تركيا الإسلامية، ورفض النهج القومي العلماني الذي اتبعه "مصطفى كمال أتاتورك" مؤسس تركيا الحديثة.

طوال مسيرته المهنية، قوّض أردوغان تدريجيًّا وبشكل منظم من الأسس العلمانية التي وضعها أتاتورك في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، عبر تشجيع ممارسة التدين في الحكومة والمجتمع. فعل أردوغان هذا بالرغم من زعمه تمسّكه بإرث أتاتورك، الأب المؤسس لتركيا.

بعد إضفائه القدسية على "آيا صوفيا"، التي منحها أتاتورك طابعًا علمانيًّا عام 1934، بإمكان أردوغان أن يتوقف عن التظاهر. فالدولة التركية باتت الآن تجسيدًا لمُثل أردوغان وليس أتاتورك.

ولا تزال العلمانية باقية في المجتمع التركي، لكن قوتها تتراجع. اعترف "أورهان باموك"، أبرز شخصية أدبية في تركيا، بهذا الأمر عندما صرّح لـ "بي بي سي" أن تحويل آيا صوفيا "يعني أننا نقول لبقية العالم إننا للأسف لم نعد دولًا علمانية. هناك ملايين الأتراك العلمانيين مِثلي يعارضون بشدّة هذا القرار، لكن أصواتنا ليست مسموعة".

إن إرث أردوغان سيدوم أطول من إرث أتاتورك. وبالرغم من الغضب العالمي الكبير ضد تحويل المتحف إلى مسجد، من الصعب تخيّل أن يقوم زعيم تركي - خاصة لو كان مُنتخبًا ديمقراطيًّا - بتحويل المسجد مرة أخرى إلى متحف. أظهرت معظم استطلاعات الرأي أن معظم الأتراك موافقون على هذا التغيير، بالرغم من اعتراف الكثير منهم أن هذا القرار ملائم سياسيًّا للرئيس.

إن إلغاء التغييرات الهيكلية لعهد أردوغان ربما يكون بنفس صعوبة إلغاء التغييرات الرمزية. لنأخذ مثلًا القانون الجديد الذي تمت الموافقة عليه في نهاية الأسبوع الماضي. فالقانون يسمح بإنشاء نقابات محامين جديدة، الأمر الذي قد يقلّل من نفوذ النقابات الحالية: اعترضت 78 من أصل 80 نقابة على هذه التغييرات.

ولفت المنتقدون إلى أن عمليات التطهير التي قام بها أردوغان في النظام القضائي، أضعفت هذا النظام بشدة بالفعل. وأشار تقرير صادر من المفوضية الأوروبية الصيف الماضي إلى "الضغط السياسي على القضاة والمدعين ونقل أعداد كبيرة منهم ضد رغبتهم". وحذر التقرير من "التأثير السلبي على استقلال وجودة وكفاءة النظام القضائي".

إن نقابات المحامين هي من بين المنظمات القليلة المتبقية القادرة على قول الحقيقة في وجه سلطة الرئيس، وذلك عبر تسليط الضوء على انتهاكات السلطة. وهناك خشية من أن النقابات الجديدة سيتم تشكيلها على أسس سياسية، إذْ ستقوم النقابات الموالية للحكومة بدور موازن للنقابات المستقلة، وربما إسكات صوتها.

وقد حذرت منظمات حقوقية وقانونية دولية من أن الحكومة "تسعى، وربما تنجح في تقويض دور نقابات المحامين في الدفاع عن حقوق الإنسان وحكم القانون".

وربما لا يجذب هذا التحذير نفس القدر من الاهتمام مقارنة مع تصريح بابا الفاتيكان "فرانسيس" بشأن "آيا صوفيا"، لكن تحويل المؤسسات القانونية يقول الكثير عن تركيا التي بناها أردوغان، والشيء ذاته يقوله أيضًا تحويل هذا المبنى الذي يعود تاريخه للقرن السادس الميلادي.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية تركيا

اضف تعليق