الصحافة الفرنسية| على باريس إحباط الفخ الليبي.. وأوروبا مكتوفة الأيدي أمام الأطماع التركية


٢١ يوليه ٢٠٢٠

ترجمة - محمد شما

في مواجهة تركيا.. دعم متواضع تتلقاه باريس من واشنطن

انتقدت جريدة "لوبوان" الدعم الهزيل الذي تقدمه الولايات المتحدة إلى فرنسا، حيث أعرب البيت الأبيض عن أسفه لاستهداف قطعة بحرية عسكرية تركية للفرقاطة الفرنسية "كوربيه"، ولكن دون أن تشير إلى أنقرة بالاسم. وقد تأخر رد فعل واشنطن كثيرًا حتى أنه جاء بعد أكثر من شهر من الحادث، غير أن مستشار الأمن القومي الأمريكي "روبرت أوبراين" أعلن عن دعمه القوي لفرنسا، وقال خلال مؤتمر صحفي في باريس: "إن فرنسا حليف خاص للغاية، ونريد دعمها كلّما استطعنا".

ودون ذكر اسم تركيا أو التحيز لرواية أخرى، أضاف أوبراين: "في هذه الظروف، ليس من الجيد استخدام رادار إطلاق النار ضد حليف في الناتو، ويجب ألا ينقلب حلفاء الناتو ضد بعضهم البعض، هذا أمر ليس جيدًا، نحن نتعاطف مع المخاوف الفرنسية، وإذا كانت إحدى سفننا هي التي تعرّضت لهذا الحادث، فلن نكون سعداء للغاية".

هوية مزورة

ولم يتحدث أي مسئول أمريكي منذ الحادث، عندما اكتشفت البحرية الفرنسية السفينة التجارية "سيركين" ترفع العلم التنزاني في جنوب غرب جزيرة كريت. هذه السفينة التي كانت تتحرك برفقة ثلاث فرقاطات تابعة للبحرية التركية تستخدم جميعها رموزًا خاصة بحلف شمال الأطلسي، وغادرت ميناء حيدر باشا في إسطنبول يوم 7 يونيو متجهة إلى تونس، لكنها غيرت المسار فجأة باتجاه ليبيا. ويقول مصدر في وزارة القوات المسلحة: "هذه السفينة مسجلة بالفعل لكن تم تزوير هويتها وتغيير رموزها وغيرت اسمها لتتجه إلى ليبيا".

وفي باريس، هناك قناعة بأن السفينة "سيركين" تنقل الأسلحة، في انتهاك للحظر الذي فرضته الأمم المتحدة، لكن أنقرة تُكذّب باريس وتقول إنها تُرسل المعدات الطبية فقط. وبعد محاولتين فاشلتين من قِبل البحرية اليونانية والإيطالية، استطاعت الفرقاطة الفرنسية كوربيه، التي تشارك في مهمة المراقبة لعملية الحارس البحري للناتو، من الاقتراب من السفينة للسيطرة عليها. لكن إحدى السفن التركية المرافقة تدخلت و"استهدفت الفرقاطة الفرنسية ثلاث مرات بواسطة رادار التحكم في إطلاق النار"، وهي الخطوة الأخيرة قبل إطلاق النار.

عُزلة فرنسية

وتدافع أنقرة عن نفسها قائلة: "إن السفينة الفرنسية هي التي قامت بحركات مشبوهة للغاية حول الفرقاطات التركية؛ ما أضر بأمننا"، مؤكدة أنها لم تُظهر أي عداء من جانبها. وبعد أن تخلّصت السفينة "سيركين" من الفرقاطة الفرنسية، بات بإمكانها التمتع بالكثير من الوقت لاستئناف رحلتها إلى ميناء مصراتة، معقل المليشيات الإسلامية الليبية القوية، حيث ستفرغ حمولتها المشتبه بها في اليوم التالي؛ رغمًا عن أنف الفرنسيين.

وبكل غضب، تصعد فرنسا قضية "كوربيه" إلى الناتو، ولكن في بروكسل، وجدت باريس نفسها وحيدة للغاية، حيث حاول الأمين العام لحلف شمال الأطلسي "ينس ستولتنبرغ" التقليل من الحادث، مؤكدًا أن الأمر مجرد "خلاف بين الحلفاء"، لا سيما وأن التحالف لا ينص على أي آلية للعقوبة أو الإقصاء ضد أعضائه. والأسوأ من ذلك أن ثماني دول فقط (كلها أوروبية) من أصل ثلاثين دولة عضو في حلف شمال الأطلسي، تدعم فرنسا في قضيتها. وتحت ضغط من الأوروبيين، اضطر "ستولتنبرغ" إلى فتح تحقيق.

لا أحد يمس تركيا في حلف شمال الأطلسي

يقول مصدر دبلوماسي تركي إن "تقرير الناتو يذكر بوضوح أنه بالنظر إلى المعلومات الموجودة تحت تصرفه، فإن المنظمة غير قادرة على تحديد المسئولية في هذا الحادث". أما في باريس، فالوضع غير مُرضٍ قليلًا لأنه "عندما يذكر التقرير أنه لم يثبت الحقائق، فربما يكون الناتو قد تردّد في إجراء تحقيق بطريقة واضحة عندما جرى الإبلاغ عن جميع العناصر الواقعية، وربما يكون هناك لا مبالاة فيما يتعلق بسوء سلوك تركيا". وكرد فعل وبسبب غضبها الشديد من القضية، انسحبت فرنسا مؤقتًا من مهمة مراقبة الناتو في البحر الأبيض المتوسط.

وتوضّح هذه الأحداث أن دولة تركيا لا يمكن المساس بها داخل تحالف شمال الأطلسي؛ فالدولة تُعد ثاني أكبر جيش لحلف شمال الأطلسي بعد الولايات المتحدة، كما تضم تركيا أيضًا قاعدة إنجرليك على أراضيها، وهي ضرورية لعمليات المنظمة في الشرق الأوسط. من جانبه، قال مصدر دبلوماسي فرنسي: "إن القلق لدى الناتو هو أنها آلة أمريكية اعتادت على وضع كل المشاكل تحت السجادة حتى لا تفقد الحليف التركي"، كما أن أردوغان يلعب بشكل جيد مع ترامب المقرّب منه، والذي يعترف بنفسه بأنه "من أشد المعجبين" بالرئيس التركي.

هل سيتوسط ترامب؟

قال مستشار الأمن القومي الأمريكي "إن الرئيس ترامب لديه علاقات جيدة مع الرئيس أردوغان، وكذلك علاقات ممتازة مع الرئيس الفرنسي ماكرون"، معتقدًا أن رجل البيت الأبيض يمكن أن يلعب دور الوساطة بين البلدين، ويمكن أن يساعد في ضمان سلامة أصدقائنا وحلفائنا، وخاصة الدولة الفرنسية. لكن بالنسبة لفرنسا، يبدو أن الوقت قد فات بالفعل حيث قال ماكرون ذلك الأمر في شهر يونيو الماضي مكررًا عبارة: "هذا الحادث يعدّ واحدًا من أجمل العلامات على الموت الدماغي للناتو".

بعد خطاب ماكرون للجيش الفرنسي.. على باريس إحباط الفخ الليبي

أشار موقع "هوفينتون بوست" عبر نسخته الفرنسية إلى ضرورة أن تتخذ فرنسا موقفًا ضد نشاط بعض القوى في ليبيا، وأن تتدخل من أجل ضمان أمن منطقة البحر المتوسط، وأضاف الموقع أن الأزمة في ليبيا تمثّل مصدر قلق دائم منذ سقوط معمر القذافي في أكتوبر 2011؛ لذا أكد الرئيس إيمانويل ماكرون، خلال خطابه الأخير أمام أفرع الجيش الفرنسي، على "لعبة القوى الجديدة" التي تدور في ليبيا على بُعد 250 كم من الساحل الإيطالي؛ وبالتالي من الاتحاد الأوروبي، كما انتقدت الإدارة الفرنسية علانيةً النشاط السياسي العسكري التركي في ليبيا.

 وتابع الموقع، أن ليبيا باتت ساحة للمنافسات الخارجية؛ الأمر الذي يؤكده غسان سلامة، الممثل الخاص السابق للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، والذي استقال من منصبه في مارس الماضي عندما تحدث عن "طعنة في ظهر العديد من الدول الأعضاء في مجلس الأمن"، ولا يزال هذا المشروع يتسبب بإساءة فهم لدى جزء كبير من الليبيين والجزء الأكبر من الحلفاء الأوروبيين، لا سيما الإيطاليين الذين يميلون إلى دعم حكومة الوفاق الوطني بشكل كامل.

لقد كانت هذه واحدة من الفجوات التي أدت، من خلال توسيعها، إلى تعطيل الوساطة الأوروبية، وفي حين منعت الجهود الدبلوماسية التي بذلتها باريس في يوليو 2017 ومايو 2018 تبديد الاندفاع العدواني المتهور، سيكون من مصلحة فرنسا استخدام علاقاتها المتميزة لحل الصراع والخروج من هذا المأزق، وكان عليها أيضًا أن تستغل الزخم ونتائج مؤتمر برلين في يناير الماضي من خلال تعديل موقفها، ما سيعيدها إلى موقفها المتوازن ودورها كوسيط لتسهيل الخروج من الأزمة، والذي ينتظره الليبيون لفترة طويلة.

تدابير ملموسة لبناء الثقة

أول هذه التدابير، التعيين الفوري لممثل خاص للأمين العام للأمم المتحدة، أفريقي الجنسية، يعيد بحكم القانون مهمة بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، كما ينبغي تعزيز حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة من خلال تعزيز العملية البحرية للاتحاد الأوروبي في البحر المتوسط "إيريني"، وتجهيزها بالكامل وإعطائها الوسائل للقيام بمهمتها، والمطالبة بتمديد الحصار الجوي، نظرًا لتسريع الرحلات الجوية التي جلبت الرجال والعتاد من كلا الجانبين.

وبخلاف هذه الكلمات التي عبّر عنها ماكرون، سيكون من الضروري أيضًا، ليس فقط المطالبة بوقف فوري لإطلاق النار، ولكن أيضًا حث كل من المشير خليفة حفتر وحكومة السراج على المشاركة في محادثات جنيف لوقف إطلاق النار، وفي أي مفاوضات دولية أو إقليمية أخرى خارج ليبيا أو داخلها، بدعم من الأمم المتحدة. وأخيرًا، يجب دعوة الاتحاد الأوروبي، من خلال الرئاسة الألمانية له للمشاركة في المفاوضات التركية الروسية المؤجلة بشأن النموذج المحتمل لعملية أستانا التي أثبتت كفاءتها وقدرتها على العمل بالتوازي مع عملية الأمم المتحدة في سوريا.

إن وضع الحصار الليبي الناتج تارة عن العملية العسكرية المدعومة من بعض حلفائنا من الخليج العربي وشبه الجزيرة العربية، وتارة عن العلاقات الدبلوماسية المتناقضة - على ما يبدو - من حلفائنا الأوروبيين الآخرين، يقدّم لنا، فرصة رائعة لاتخاذ موقف متوازن؛ فوحدها فرنسا يمكنها التحدث مع قطر كما مع الإمارات بنفس الدرجة من التوازن.

هل تقف أوروبا مكتوفة الأيدي أمام الخطر التركي؟

وعن الموقف الأوروبي تجاه الأزمة الليبية، نشرت جريدة "أطلانتيكو" تحليلًا ذكرت فيه أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لا يتوقف منذ وصوله إلى السلطة في عام 2003 عن تأكيد رغبته في استعادة منطقة نفوذ بلاده، وفي مواجهة التحركات التركية، تبدو أوروبا غائبة، في حين لا تتردد فرنسا في إثبات المسئولية التاريخية والجنائية لتركيا.

ما أهداف تركيا على الساحة السياسية العالمية والإقليمية والوطنية؟

يقول دوف زيرا، المدير العام للوكالة الفرنسية للتطوير والخبير السياسي: إن منذ توليه السلطة في عام 2003، كرئيس للوزراء أولًا ثم كرئيس للجمهورية، أكد أردوغان، بالأقوال والأفعال، رغبته في استعادة بناء الإمبراطورية العثمانية، ويتضح ذلك جليًّا من خلال:

- التدخل العسكري في سوريا لمنع إقامة دولة كردية والتشكيك في نظام بشار الأسد.

- الشركات التركية النشطة للغاية في جنوب الصحراء الأفريقية بمساعدة القروض التجارية التي تضمنها الدولة.

- دعم العديد من الجمعيات الخيرية في القدس رغمًا عن أنف السلطة الوطنية الفلسطينية.

- التدخلات الحقيقية في تونس لدعم حركة النهضة التابعة لجماعة الإخوان المسلمين، المسيطر الحقيقي على الدولة.

- إرسال قوات إلى ليبيا لدعم حكومة الوفاق الوطني والدفاع عنها.

- الابتزاز الدائم لأوروبا من خلال ورقة اللاجئين والمهاجرين.

- تشجيع الحركات المنتسبة إلى "الإخوان المسلمين" متى أُتيحت الفرصة.

- تحويل متحف آيا صوفيا إلى مسجد.

لقد ساعد الانسحاب الأمريكي على إنجاح هذه الاستراتيجية أينما وجدت نقاط الضعف أو الفرصة، وعلينا أن نواجه الإمبريالية التركية التي تضع استراتيجية على كافة الجبهات وتستخدم جميع الوسائل، بما في ذلك القوة العسكرية، دون إذن الأمم المتحدة.

من جانبه، قال الكاتب والمحلل السياسي الفرنسي ألكسندر ديل فال: على الصعيد الدولي، تتسم تركيا أردوغان بأنها طموحة للغاية. إنها تريد أن تصبح ممثلًا يمكنه التحدث على قدم المساواة مع القوتين العظميين السابقتين في الحرب الباردة: الولايات المتحدة وروسيا. هذا هو الحال بالفعل مع روسيا، حيث أدت المفاوضات بشأن تقسيم سوريا إلى رفع أردوغان إلى مستوى بوتين، الذي يستخدم الأتراك في مشاريع أنابيب الغاز من ناحية، وتحييد الجماعات الإرهابية في مقابل تمكينهم من القضاء على الأكراد في شمال غرب سوريا، الهدف المباشر لأنقرة.

أما فيما يتعلق بليبيا، فمن الصعب عدم رؤية النقاط المشتركة مع الإجراءات التي تقوم بها تركيا في السودان وإريتريا وقطر أو حتى في تونس، والتي تهدف إلى الحصول على قواعد عسكرية لتحقيق عمق استراتيجي أكبر ومنصات تحقق الأهداف التجارية. فليبيا بوابة القارة الأفريقية بأسرها، والقواعد العسكرية التركية الجديدة في شمال غرب ليبيا التي تسيطر عليها حكومة السراج تُعد استمرارًا للاستراتيجية السياسية التوسعية والجغرافية الاقتصادية لتركيا في أفريقيا.

إن إنشاء القواعد العسكرية التركية في شرق أفريقيا، والتعاون الثنائي المكثف والمتزايد بين تركيا وموريتانيا، يُعد أيضًا جزءًا من هذه السياسة "العثمانية الجديدة" في أنقرة، والتي تسمح بالطبع بتعزيز التبادل الاقتصادي المتنامي مع الدول الإسلامية في أفريقيا؛ وبالتالي فإن عقود العديد من الشركات التركية النشطة للغاية يمكن أن تمتد إلى الصناعات العالية وكذلك البناء والطاقة والزراعة، وحتى القطاعات الثقافية أو المجتمعية.

 وكما هو الحال بالنسبة للصينيين، يقدم الأتراك أنفسهم على أنهم "قوة ودية"، وبديل للمستعمر الأوروبي السابق، لكن هذا الأمر ينطوي على مخالطة، لا سيما عندما يتذكر المرء الإمبراطورية الاستعمارية العثمانية، وهذا الخطاب الكاذب من وجهة نظر تاريخية وجيوسياسية، يندرج تمامًا تحت لواء التضامن الوحدوي الإسلاموي الشامل، ومعاداة الغرب الذي يعرف أردوغان جيدًا كيف يبتزه.

ومن خلال تعميق علاقاتها مع موريتانيا، تلك الدولة الواقعة في منطقة الخمس الكبار بالساحل الأفريقي، والتي تعمل أيضًا كقاعدة خلفية للعديد من الإرهابيين الجهاديين في المنطقة، تلعب تركيا أحيانًا لعبة مزدوجة على الساحة السياسية الإقليمية والدولية؛ فهي تستثمر في مشاريع الأمم المتحدة المكرسة لمساعدة السكان والتنمية مع الحفاظ على ردود فعل جيدة مع القوى الإسلامية المتطرفة، وتقوم بمثل هذا الدور في ليبيا والسودان وإريتريا والصومال، وتفرض نفسها كقوة لا مفر منها خلال المفاوضات الإقليمية والدولية باعتبارها دولة مفصلية، كقطر التي تمتلك علاقات مع الإسلامويين ومع أعدائهم في نفس الوقت.

تهديدات لا تتوقف

وقال ألكسندر ديل فال إن تركيا لا تزال تُشكّل تهديدًا دائمًا في البحر المتوسط من حيث العلاقات المتوترة مع قبرص واليونان، بسبب مطامع أنقرة في احتياطيات الغاز البحرية الهائلة التي كانت متاحة للاستغلال في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وبسبب رغبة تركيا في إعادة تعريف الحدود البحرية؛ نشأت توترات خطيرة للغاية مع مصر لنفس الأسباب الجغرافية؛ ومع إيطاليا بسبب منع الجيش التركي مؤخرًا شركة إيني للنفط التابعة لها من الحفر في جنوب قبرص، بعد أن أرسل طرادات عسكرية لتهديد قارب حفر إيطالي وتهديدات عسكرية أكثر عنفًا لمنع الشركات القبرصية من الحفر في مجالها البحري الخاص، وهو أمر غريب على تركيا وليس له أساس قانوني، بالإضافة إلى الاشتباكات البحرية الأخيرة في شرق البحر المتوسط وخارج ليبيا بين البحرية التركية والبحرية الفرنسية، دون أن ننسى أيضًا التوترات مع إسرائيل وسوريا ولبنان، الذين يمتلكون احتياطيات الغاز البحرية التي تطمع فيها أنقرة.

ويبدو أنه لا يوجد شيء قادر اليوم على إيقاف التوسع التركي - العثماني في شرق وجنوب المتوسط. لماذا؟ لأنه لا أحد يريد خوض حرب ضد تركيا التي تَعرف كيف تستخدم أدواتها المختلفة وقوتها المزعجة، ولا يمكن لحلف شمال الأطلسي أن يخوض الحرب ضد أحد أعضائه، كما تخشى الولايات المتحدة بشدة من التقارب بين الأتراك وروسيا، لا سيما بعد أن اشترى الأتراك منهم منظومة صواريخ إي400 المضادة للصواريخ.

ودعونا نذكر أيضًا أنه إذا كان بإمكان روسيا (القوة المعادية تاريخيًّا لتركيا العثمانية) مواجهة التوسع التركي وحماية الدول "الأرثوذكسية" مثل قبرص واليونان، فإن الاتفاق الخاص بخط أنابيب الغاز التركي الروسي يؤمّن لتركيا الحماية من الدولة الوحيدة القادرة على هزيمتها، والتي كادت أن تدخل في صراع مباشر معها بعدما تمكن سلاح الجو التركي في نوفمبر 2015 من إسقاط طائرة مقاتلة روسية من طراز سوخوي في السماء التركية السورية.

 ولكن بعد مرور عام، تمكن أردوغان - الذي كان يخشى بشدة من تهديدات الحرب والمقاطعات الاقتصادية التي شنّتها موسكو انتقامًا منه - من العثور على مواضيع جديدة للاتفاق مع بوتين في سبتمبر 2016، بعد وقت قصير من الانقلاب الفاشل ضده، والتخلي عن داعش وعدد من الميليشيات الإسلامية في ثلاثة أرباع سوريا، في مقابل الحفاظ على الشمال الغربي الذي يضم الأكراد، ثم عن طريق تكثيف التعاون في مجال الغاز والانقلاب ضد الأعداء الغربيين والأمريكيين بشكل خاص.

تركيا تؤرق الساحة الدولية

نشرت جريدة "عرب نيوز" مقالًا لناتالي جوليه، النائبة في مجلس الشيوخ الفرنسي، أوضحت من خلاله حالة عدم الاستقرار الدولية التي تسبّبت بها تركيا، حيث يظل الحنين إلى حقبة الباب العالي راسخًا حتى الآن في اللاوعي التركي؛ ما جعل أردوغان يأخذ على عاتقه مهمة إعادة تركيا لسابق عظمتها في العالم الإسلامي وخارجه.

إن الاضطراب الدولي، والافتقار إلى قيادة ذات مصداقية على المستويين العالمي والأوروبي، وافتقار الغربيين إلى البصيرة مع رؤيتهم القصيرة، يمنح الفرصة لتركيا كل يوم؛ وبالتالي فإن قرار تحويل آيا صوفيا إلى مسجد بمرسوم في 10 يوليو كان بمثابة أحدث حلقات هذه الاستراتيجية؛ فالرئيس التركي يستمتع بالإدانات الدولية؛ لأنها تعزّز الصورة التي يريد أن يمنحها لنفسه وهي: صورة الضحية بسبب دفاعه المتحمس عن العالم العربي الإسلامي.

ومن بين الملفات الدولية العديدة التي تتدخل فيها تركيا، تُعد المسألة الليبية بلا شك الأكثر إثارة للقلق؛ حيث يستفيد أردوغان من نقاط الضعف الغربية وينتقم من التاريخ في ليبيا التي فقدتها الإمبراطورية العثمانية خلال الحرب مع إيطاليا في عام 1911-1912، وبذلك، تنهي تركيا طموحات النفط والغاز الإيطالية والفرنسية من خلال فرض اتفاق على طرابلس يسمح لها بالتنقيب قبالة الساحل الليبي؛ ما يزعج الحكومتين اليونانية والقبرصية.

وتدعم تركيا عن قرب حكومة الوفاق الوطني بقيادة فايز السراج، والتي اعترفت بها الأمم المتحدة، ومن خلال توفير الكوادر والآلاف من المقاتلين من الجبهة السورية، تمكن أردوغان من قلب ميزان القوى على الأرض، وحققت القوات الحكومية نجاحًا عسكريًّا على خصمها المشير خليفة حفتر. أما بالنسبة لفرنسا، فتبقى خياراتها غير واضحة، ويبدو أنها تلعب على الجانبين؛ فهي تشارك في عملية إيريني، التي أطلقتها القوة البحرية التابعة للاتحاد الأوروبي في منطقة البحر المتوسط في مارس الماضي، والتي تهدف إلى تطبيق الحصار الذي فرضته الأمم المتحدة على الأسلحة في ليبيا، ومن شأن صفقة التسليح العسكري الأخيرة من تركيا إلى الجزائر أن تعزّز النفوذ التركي في المنطقة.

ولا يزال الوضع متوترًا، فمصر رفعت حالة التأهب لقواتها البرية والجوية، وإذا تدخلت تركيا بشكل مباشر في بنغازي وبرقة، فستتدخل عسكريًّا، وهو ما اعتبرته حكومة الوفاق الوطني "إعلان حرب". وفي نهاية المطاف، وكما هو الحال في سوريا، لا شك أن مخرج الأزمة سيتحقق من خلال اتفاق بين أنقرة وموسكو. ويجب أن تكون تركيا، العضو في حلف الناتو، على رأس جدول الأعمال الدولي؛ حيث تترأس فرنسا مجلس الأمن، وتترأس المملكة العربية السعودية مجموعة العشرين التي انضمت إليها تركيا، ولا ينبغي السماح للحالة بالتدهور مهما كلف الثمن، ولا بد من استئناف الحوار لأن أمن واستقرار العالم الذي أضعفته بشدة الأزمة الصحية لفيروس كورونا، بات على المحك.

لماذا ينبغي على أوروبا لعب دور في ليبيا؟

من جانبها، أوضحت جريدة "لوبوان" أنه على عكس الروس والأمريكيين والأتراك، تكمن مصلحة أوروبا في استقرار ليبيا، ليس فقط بسبب قضايا الهجرة، فمن بين اللاعبين الاستراتيجيين في شرق المتوسط، مَن لديه مصلحة حقيقية في تحقيق الاستقرار بليبيا؟ هل هي الولايات المتحدة؟ وهل لديها مخاوف أخرى؟

ولا يزال الموقف الأمريكي غامضًا؛ لأن حالة التوتر التي تسود البحر المتوسط تمنحهم مجالًا للتحرك، بيد أن الأتراك يدفعون نحو تشكيل مجال نفوذ ومنطقة ذات مصلحة اقتصادية وتغيير ميزان القوى المحلي في المقام الأول، ولا يتردّدون في رفع صوتهم ضد فرنسا، في الوقت الذي تتبادل فيه الدول الاتهامات بالانخراط في "لعبة خطرة" بليبيا. وفي الواقع، الأوروبيون فقط هم من يريد حقًّا تحقيق الاستقرار وإنهاء الحرب الأهلية في ليبيا؛ فهذا الأمر يصب في مصلحتهم وحماية أراضيهم، ولكن هل سيكون لديهم الإرادة الكافية؟ إن ليبيا تمثّل اختبارًا للحكم الذاتي الاستراتيجي الأوروبي الذي جرى الإعلان عنه منذ فترة طويلة.

ليبيا.. اختبار بالحجم الطبيعي لقياس قدرات أوروبا

من المعروف أن حالات النزاع المسلح لا تستقر إلا بثلاث طرق: إما بالنصر التام لأحد الخصوم المعارضين، وإما عن طريق التوازن الاستراتيجي الذي يقبله المحاربون وتقره الهدنة ثم معاهدة السلام؛ أو بواسطة ميزان القوى. وفي ليبيا الآن، تبدو احتمالات استقرار النزاع بعيدة، كما كانت مع بداية استئناف الأعمال العدائية في عام 2014، ولا أحد من المتحاربين قادر على تأكيد وفرض نفسه باستخدام قواته ولا على احتكار العنف المشروع في البلاد.

ولا تزال ليبيا مقسّمة أكثر من أي وقت مضى بين القبائل المتنافسة وبين مجموعات المصالح المتنافسة، ففي الشرق، عانت ما يسمى بحكومة "طبرق"، التي يسيطر عليها المشير حفتر، من سلسلة من الهزائم خلال الأشهر الأولى من عام 2020؛ أما في الغرب، فإن الحكومة المسماة بحكومة الوفاق الوطني، بعيدة كل البعد عن تحقيق انتصار كامل على الرغم من دعم القوات المسلحة التركية، ومن المحتمل أن يطول أمد الحرب الأهلية الثانية في ليبيا.

تركيا مدفوعة بالأهداف الاقتصادية

ولا تهدف عودة تركيا الاستراتيجية إلى المنطقة إلى حل الأزمة الليبية. فمن خلال السماح للقوات المسلحة التركية، في أوائل يناير 2020، بالانتشار في ليبيا لدعم حكومة الوفاق الوطني، يتبع برلمان تركيا والرئيس أردوغان جدول أعمال استراتيجيًّا يجعل من استقرار البلاد ووحدتها أمرًا ثانويًّا؛ فالأهداف الاقتصادية واضحة ومكرسة في الاتفاقية الموقعة مع حكومة الوفاق الوطني، وتهدف لاستغلال موارد ليبيا من المواد البترولية.

وعلى المستوى الاستراتيجي، تتمثل مصلحة تركيا في الانتقال من الدفاع في سوريا إلى الهجوم في شرق البحر المتوسط، لا سيما موازنة الوجود الروسي على حدودها، في الشمال كما في الجنوب. وأخيرًا، على المستوى السياسي، يرضي أردوغان الغرور الوطني لدى جزء من مواطنيه في فترة الأزمة الاقتصادية والعزلة الدولية التي تعيشها تركيا.

وإذا كان نشر القوات في البر والبحر والجو يجعل من الممكن تغيير ميزان القوى بطريقة مجزية لصالح تركيا، فإن إنهاء الأزمة ليس من بين أهداف أنقرة. وفي الواقع، تم الحفاظ على المصالح الاقتصادية وإظهار القوة التركية، كما أن حل الصراعات الداخلية في ليبيا سيحرم أردوغان من أدوات الضغط على مصر، منافستها الإقليمية، وعلى روسيا والاتحاد الأوروبي أيضًا، وسيعي الجميع حينئذ أن أنقرة لا يمكن أبدًا أن تحقق الاستقرار.

حان الوقت للحديث عن الوحدة الاستراتيجية الأوروبية

اليوم، يمكن للأوروبيين وحدهم العمل على استقرار الأزمة الليبية بشكل دائم، ويسمح لهم القانون الدولي بذلك، فوفقًا لقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2292 لعام 2016، أطلق الاتحاد بالفعل عملية إيريني لفرض حظر الأسلحة المفروض على ليبيا، وأثبتت القدرات العسكرية للبحرية الفرنسية والإيطالية وحتى اليونانية أنها قادرة على تحقيق الاستقرار في المنطقة.

إن فرض حظر صارم على الأسلحة يعدّ شرطًا أساسيًّا لعملية السلام، ولهذا يفترض زيادة القوة البحرية لعملية إيريني. لكن الوساطة الدبلوماسية المباشرة التي تتم نيابة عن الأمم المتحدة ضرورية أيضًا لفصل المتحاربين المحليين والإقليميين، وحتى عن طريق إرسال قوات التدخل إذا لزم الأمر. إن التحيز إلى جانب أو آخر من الأطراف المتحاربة لن يثمر إلا عن إطالة أمد الصراع في البلاد.

ولكن ماذا عن الإرادة السياسية والوحدة الاستراتيجية لأوروبا؟ ففي ظل التوترات الأخيرة بين باريس وأنقرة، تم اختبار الوحدة الاستراتيجية للأوروبيين على يد أردوغان، وفي الوقت الحالي، لا يزال هذا التماسك يحتاج إلى البناء بشكل جزئي. وفي النهاية، لقد حان الوقت لمسئولي الاتحاد الأوروبي أنْ يثبتوا أنّ الحكم الذاتي الاستراتيجي ليس صيغة فارغة، والقيام بما هو ضروري لتحقيق الاستقرار في ليبيا، وبالتالي تأمين حدودهم.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق