مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية| كوفيد -19والإيرانيون والولايات المتحدة


٢٦ يوليه ٢٠٢٠

ترجمة - آية سيد

منذ بضعة أشهر، كان الخبراء يتوقعون أن تسقط حكومة إيران فريسة لسوء أفعالها. كانت حالات الإصابة بكوفيد-19 ترتفع بسرعة، وافتقرت الحكومة للمصداقية والقدرة على محاربة فيروس كورونا المستجد بفاعلية. رأى مراقبو إيران أزمة ناشئة من شأنها أن تفرض إعادة التفاوض على العلاقة بين المواطن والدولة. لم تكن قفزة كبيرة أن نحكم بأن الحرب الخفية التي استمرت لأربعين عامًا بين الولايات المتحدة وإيران كانت على وشك الدخول في مرحلة جديدة، بينما كانت الأخيرة تترنح من الضغط الناتج عن الجائحة.

لكن بينما ارتجفت الجمهورية الإسلامية، لم تسقط. لعل ثمة درس هنا عن صعوبة التنبؤ بالسياسة، لا سيما في الدول الاستبدادية. تتبع السياسة في إيران مسارها الخاص وجداولها الزمنية الخاصة، وربما تتراكم الضغوط التي يصعب رؤيتها. لكن في الوقت نفسه، من الصعب إنكار أن جائحة فيروس كورونا هزت موقف عدو إيران الدائم، ألا وهو الولايات المتحدة. إن الاضطراب الاقتصادي والسياسي الذي أطلقته الجائحة، والأذى الذي ألحقته بمصداقية الولايات المتحدة، والطريقة التي ألهت بها الأمريكيين عن التفكير في دور بلادهم العالمي، خلقوا فرصًا لإيران والصين والدول الأخرى التي تسعى لتغيير الوضع الراهن العال

وفي حين أن تعامل إيران مع الفيروس كان كارثيًّا، فإن تعامل الولايات المتحدة كان أسوأ. على الأرجح هناك عدم اكتمال في إحصاءات إيران، لكن الولايات المتحدة تبدو أسوأ حالًا بكثير. وفقًا لجامعة جون هوبكنز، شهدت إيران 17 وفاة من كل 100 ألف مواطن، بينما شهدت الولايات المتحدة 43 تقريبًا. سجلت إيران 337 حالة إصابة من كل 100 ألف شخص، بينما سجلت الولايات المتحدة 1160. تزيد التفاوتات حيث يتسطح المنحنى الإيراني ويزداد المنحنى الأمريكي انحدارًا.

يبدو أن الكثير من الأمريكيين يشعرون بالانزعاج من الأعداد المرتفعة. مع تراكم الضغط لإعادة الفتح بالرغم من الحالات المتزايدة، ينبغي أن نتوقع رؤية تأثير متنامي للجائحة على الاقتصاد الأمريكي وتأثير غير مباشر على التمويل الحكومي على المستوى الوطني، والمحلي، وعلى مستوى الولايات. سوف يتم تحمل التكاليف الطبية المرتفعة على نطاق واسع، والإعانة الاقتصادية للعاطلين عن العمل الجدد ستواصل السحب من المال العام. والإعانات لمن تركوا العمل ستضع المزيد من الضغوط على الإنفاق التقديري الأمريكي، والجيش الأمريكي لن يكون بمنأى عن ذلك. 

لقد أدى تسييس الجائحة وسط حملة الانتخابات الرئاسية إلى استقطاب الأمريكيين أكثر، وفاقم التوترات بين الحكومات الوطنية والمحلية وحكومات الولايات. من المرجح أن تنمو هذه التوترات مع تضاؤل عائدات الضرائب المحلية والخاصة بالولايات، وانخفاض الموارد المتاحة للخدمات العامة. كانت الثقة في الحكومة الفيدرالية تتراجع بثبات منذ هجمات 9/11، وحتى قبل أن يضرب فيروس كورونا وقفت عند 17%. وفي التسعينيات، ارتفعت مع الاقتصاد المعزز، لكن معظم خبراء الاقتصاد وقادة الأعمال يعتقدون أن النمو الاقتصادي الأمريكي سيكون متفاوتًا لفترة من الوقت. ببساطة، من المرجح أن نرى الكثير من توجيه الاتهامات على المستوى المحلي في المستقبل.

إن توجيه الاتهامات على الساحة الدولية لا يتعلق باللوم بقدر ما يتعلق بالتشكيك، كما أن الحكومات حول العالم معتادة على الرجوع إلى الولايات المتحدة من أجل الموارد التي يمكنها جلبها، ومن أجل مهاراتها التقنية، ومن أجل قدرتها التنظيمية. لكن فشل الحكومة الأمريكية في حشد حكوماتها المحلية وحكومات الولايات لاتباع نهج منسق، وحصيلة الوفيات المرتفعة الناتجة عن ذلك، هو علامة للكثيرين على أن فاعلية الحكومة الأمريكية ربما وصلت لنقطة انعطاف وتتجه للأسفل. وفي حين أن هذا يشجع خصوم الولايات المتحدة، فإنه أكثر إزعاجًا لشركاء الولايات المتحدة. ولكون الولايات المتحدة عاملًا متغيرًا وليس ثابتًا، يواجهون عالمًا أكثر فوضى وخطورة. سوف يحتاجون للتحوط ضد أي فشل أمريكي مستقبلي، وسيسعى الكثيرون لقدر أكبر من المواءمة مع خصوم الولايات المتحدة. 

ورغم أن هؤلاء الخصوم يصارعون مع مشاكلهم الخاصة بفيروس كورونا، غير أن الولايات المتحدة الضعيفة تفتح لهم المجال. لقد جعلت الحرب الباردة الأمريكيين مركزين على المنافسة المتكافئة بين دولتين بأيديولوجيات متعارضة تخوضان لعبة محصلتها صفر، لكن المنافسة مختلفة الآن. لم تعد الأيديولوجية موجودة في الشئون الدولية، وما نراه بدلًا منها هو خصوم يسعون لمنافسة غير متكافئة مبتكرة من أجل الميزة الحدية.

أخبر خروتشوف الدبلوماسيين الغربيين في 1956: "سوف ندفنكم". أثار هذا التصريح ردًّا واضحًا. وفي نفس الوقت تقريبًا، تبنت الصين المبادئ الخمسة للتعايش السلمي، التي استمرت في كونها شعارًا مهدئًا تستند إليه ما أصبحت فيما بعد سياسة خارجية صينية حازمة بشكل متزايد. إن الصين لا تسعى لهزيمة الولايات المتحدة أيديولوجيًّا، أو عسكريًّا، أو بأي طريقة أخرى. لكن ما تسعى له هو قدر أكبر من الحرية لمتابعة مصالحها أحادية التوجه، بصرف النظر عن آثار تلك المصالح على الولايات المتحدة. إن تصرفات الصين في بحر الصين الجنوبي، وعلى الحدود الهندية، وفي آسيا الوسطى هي لمحة لما سيحدث. وعلاقات الصين المتعمقة في المتوسط، وإصرارها المتزايد على تعزيز مصالحها هناك، تشير إلى حجم الطموحات الصينية.

وسعي الصين لعلاقات أوثق مع إيران في الشهور الأخيرة هو مثال آخر. إن هذا الجهد يدفع مصالح الصين وإيران في آن واحد. تُظهر الصين تحديها للولايات المتحدة، وتقفل الوصول إلى الأسواق التي من المستبعد أن تكون الولايات المتحدة قادرة على التأثير فيها. وفي ظل عزلة إيران ويأسها، والاقتصاد الصيني الذي يساوي 20 ضعف حجم اقتصاد إيران، تمتلك الصين ميزة هائلة في تلك العلاقة. وبالنسبة إلى إيران، العلاقات مع الصين بوابة هروب من العقوبات ودرع ضد العدوان الأمريكي؛ فإيران لا تمتلك حلفاء في العالم – وكذلك أيضًا الصين – لكنهما تمتلكان قضية مشتركة في رغبتهما بوضع حد للقوة الأمريكية.

إن القيمة الفريدة المتصورة للنظام الذي ساعد الولايات المتحدة في تأسيسه بعد الحرب العالمية الثانية كانت وجود نظام من الأساس. تستطيع الحكومات ذات التفكير المتشابه أن تتحد معًا، بتسهيل من كفاءة والتزام الولايات المتحدة، في جهود منسقة لمعالجة المشكلات الكبيرة. إن حقيقة أن الحكومة الأمريكية قد تؤدي بشكل أسوأ من دولة مثل إيران في محاربة جائحة فيروس كورونا سوف تنتقص من مكانة الولايات المتحدة، لكنها ستدفع الشركاء للتفكير في احتمالية كيف يمكن أن يبدو العالم من دون الدور الأمريكي الكبير. سوف يرغب معظمهم في فعل ما يمكنهم فعله لكي يعيدوا ذلك الدور. إنهم لا يريدون مواجهة العالم بمفردهم، وهذه فرصة لمن سيربح الانتخابات الرئاسية في نوفمبر، وينبغي عليه أن ينتهزها.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق