نيويورك تايمز| تركيا وشرق المتوسط.. بؤرة التوتر العالمية القادمة


٢٧ يوليه ٢٠٢٠

ترجمة - آية سيد

في حين أن الكثير من صُنّاع السياسة الخارجية الأمريكيين مهتمون بالصين وبحرها الجنوبي، ينبغي أن يُلقي البعض نظرة عن كثب على تركيا وشرق المتوسط، الذي قد يصبح بؤرة التوتر الجيوسياسية القادمة التي يتعين على أوروبا والناتو مواجهتها.

إلى حد ما، توجد ديناميكية مشابهة. مثلما تقدم الصين مطالب إقليمية تجعلها على خلاف مع الدول الآسيوية الأخرى، فإن تركيا هي القوة الصاعدة التخريبية في شرق المتوسط، وهي حريصة جدًا على إظهار نواياها في ليبيا وسوريا.

بالنسبة إلى الغرب، إصرار تركيا يعدّ تحديًّا معقدًا. من ناحية، تركيا، كعضو في الناتو، جزء من نفس التحالف الذي تعرقله. ومن ناحية أخرى، وسّعت روسيا دورها في المنطقة، ومعظم الغرب متردد بدرجة كبيرة في التورط هناك.

يبدو الموقف توضيحًا مثاليًّا للاضطراب العالمي الجديد.

لم يكن شرق المتوسط مكانًا هادئًا منذ 2011، عندما عزل الربيع العربي العقيد معمر القذافي في ليبيا ودفع الرئيس بشار الأسد في سوريا إلى شن حرب على شعبه. فشل تدخل الناتو في ليبيا لمنع العقيد القذافي من سحق ثورة شعبية في أن يجعل الأمور أفضل. أصبحت ليبيا مملكة خارجة عن القانون للميليشيات المتناحرة، ومفتوحة للمتطرفين الإسلامويين، حيث يُختطف المهاجرون المتجهون إلى أوروبا ويُطلق سراحهم مقابل فدية قبل أن يضعهم المهربون على متن قوارب متهالكة. 

ظلت دول الناتو بعيدة عن المنطقة إلى حد كبير، بسبب صدمة فشلها، وكذلك أيضًا مقتل السفير الأمريكي، كريستوفر ستيفنز، وثلاثة أمريكيين آخرين في بنغازي، ليبيا، في 2012.

ملأت روسيا وإيران، ومؤخرًا تركيا، ذلك الفراغ في سوريا، حيث ساعدت بشار الأسد على سحق المعارضة بتكلفة بشرية مأساوية. والآن، يكرر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس التركي رجب طيب أردوغان نفس السيناريو في ليبيا، حيث أسّسا سيادة مشتركة فعلية، وذلك مثل قيصر وسلطان عصريين في مسارات إمبريالية جديدة متوازية.

اليوم، ليبيا منقسمة إلى جزأين: الجزء الغربي، حول العاصمة طرابلس، تحكمه الحكومة المدعومة من الأمم المتحدة، والتي نجت في شهر مايو من هجوم استمر لعام من القوات المتنافسة، فقط بفضل الدعم التركي. لقد قدّمت تركيا الأسلحة النارية وجلبت آلاف المرتزقة من سوريا.

كان الهجوم على طرابلس بقيادة المشير خليفة حفتر، الذي يسيطر على شرق ليبيا. إنه مدعوم من الإمارات ومصر ويحظى بمساعدة من 1000 مرتزقة روسي من فاجنر جروب، وهو جيش خاص تجمعه روابط وثيقة بالكرملين. وبعد وقف هجوم حفتر، تمتلك تركيا الآن قبضة حاسمة على طرابلس.

ماذا ستفعل بها تركيا؟ يُعد هذا السؤال شاغلًا رئيسيًّا للاتحاد الأوروبي. ذكر المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية في تقرير حديث "أن ما يحدث في شرق المتوسط لم يعد قضية هامشية لأوروبا". 

إن أنشطة تركيا المتوسعة في المنطقة لها عدة أذرع: نزاع تركيا الذي لم يتم حله مع اليونان على قبرص تُعقده المطالب في حقول الغاز المكتشفة حديثًا. هذا دفع تركيا لعقد اتفاق في نوفمبر الماضي مع ليبيا حول الحدود البحرية والذي خلق منطقة اقتصادية خالصة تتعدى على المصالح اليونانية والقبرصية. الحزب الحاكم في تركيا أيضًا تجمعه روابط بجماعة الإخوان المسلمين، والأمر الأكثر أهمية، تتحكم تركيا في طريق هجرة حيوي إلى أوروبا. 

وكما هو الحال دائمًا، الاتحاد الأوروبي منقسم. تولت فرنسا القيادة لكنها مضت قدمًا بمفردها، ولم تحاول إشراك إيطاليا، التي تجمعها روابط تاريخية ومصالح تجارية مع ليبيا. وبدافع القلق من انتشار الجماعات الجهادية في جنوب ليبيا، وضعت فرنسا رهانها على حفتر، الذي بدا مسلحًا بطريقة أفضل ليخدم كحصن ضد الإرهاب الإسلاموي.

لكنه اختيار خطأ. يقول مصدر دبلوماسي فرنسي: "ارتكب حفتر خطأً جسيمًا عندما قرر شن هجوم على طرابلس". لم يستطع الفرنسيون منعه، ولم يحاول الأمريكيون، وساعده الروس.

تجد فرنسا نفسها الآن معزولة عند مواجهة تركيا في شرق المتوسط. في 10 يونيو، قبالة الساحل الليبي، واجه أسطول تركي الفرقاطة الفرنسية، كوربيت، تحت قيادة الناتو كجزء من عملية لتطبيق حظر السلاح الذي فرضته الأمم المتحدة على ليبيا. تختلف النسختان الفرنسية والتركية عن الحادثة: قدمت باريس شكوى لكن تحقيق الناتو كان غير حاسم.

عندما بحثت فرنسا عن الدعم في صدامها مع تركيا في اجتماع للناتو، لم تستطع سوى حشد ثماني دول فقط إلى جانبها من أصل 30 دولة، ولم تهب الولايات المتحدة أو بريطانيا لمساعدتها، غير أن الرئيس إيمانويل ماكرون لم يتردد في تحميل تركيا "المسئولية الجنائية" عما يحدث في ليبيا. يعتبر مستشارو ماكرون شراء تركيا لمنظومة الدفاع الجوي إس-400 من روسيا تحديًا للناتو، بقدر ما هو تحدٍّ لجميع الأوروبيين عندما تجلب تركيا مرتزقة سوريين إلى ليبيا.

هل فرنسا محقة في التعبير عن القلق من طموحات تركيا؟ مع الأسف، أن تكون محقة فقط لا يساعد كثيرًا. قال جيرارد أراود، السفير الفرنسي السابق في واشنطن مازحًا: "كانت مهمة فرنسا دائمًا هي امتلاك رؤية لا يشاركها فيها أحد". وفي نوفمبر الماضي، بعد عدم رد الناتو عندما عرّضت تركيا القوات الفرنسية في سوريا للخطر، أشار ماكرون إلى "الموت الدماغي" للتحالف لأنه لم يتخذ إجراءً فيما يخص انتهاك عضو للتضامن بين أعضاء الناتو.

إن إدارة ترامب لا تدّعي أن فرنسا مخطئة.. إنها حتى تشارك مخاوف فرنسا بشأن "الوضع الرهيب" في ليبيا، مثلما ذكر روبرت أوبراين، مستشار الأمن القومي للرئيس ترامب. قال في باريس في العيد الوطني الفرنسي: "نحن لا نريد أن تُستعمر ليبيا على يد تركيا أو روسيا".

لكن بالنسبة إلى واشنطن، وجود روسيا يمثل مصدر قلق أكثر بكثير من وجود تركيا. لا يريد ترامب العبث مع أردوغان. إنه سعيد بالسماح لماكرون بلعب دور الشرطي السيئ، وبالنسبة لأصدقاء فرنسا الأوروبيين، سوف ينتظرون بهدوء حتى يوم 3 نوفمبر.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية ترجمات رؤية ترجمات أطماع تركية

اضف تعليق