الاندبندنت | مطالبة شركات وسائل التواصل بإزالة المحتوى المتطرف لن يفلح في مكافحة الإرهاب


٢٩ يوليه ٢٠٢٠

ترجمة - شهاب ممدوح

لا يكاد يمر يوم دون أن تواجه وسائل التواصل الاجتماعي انتقادات من نشطاء ومُعلنين بسبب خطابات الكراهية والعنصرية المنشور على منصّاتها.

إن هذا الجدل الحاصل يقع في صميم النقاش الدائر بشأن مدى إمكانية أن تصبح منصّات وسائل التواصل الاجتماعي حَكمًا للفصل في القرارات المتعلقة بالمحتوى المنشور، وما إذا كان ينبغي أن تكون شركات الإنترنت هي الطرف الوحيد المسئول عن التعامل مع المحتوى البغيض الذي ينشره مستخدمون. يتخذ فيسبوك وتويتر إجراءات غير مسبوقة للتقليل من "الأذى على الإنترنت"- وهذه الإجراءات هي بالتأكيد أكبر بكثير مما هو مطلوب منهما قانونيًّا - لكن أنشطة مبادرة "التكنولوجيا في مواجهة الإرهاب"، تُظهر أن غالبية نشاط الإرهابيين والمتطرفين انتقل الآن إلى تطبيقات المراسلة الأصغر والأحدث، فضلًا عن شبكات تواصل اجتماعي أخرى محددة.

نحن بحاجة للاعتراف أنه بالرغم من كل التركيز المُبرر على المنصّات الأكبر حجمًا، غير أن المنصات الصغيرة هي التي غالبًا ما يستخدمها أعضاء داعش والقاعدة وجماعات اليمين المتطرف، وذلك بسبب الموارد المحدودة التي لا تساعد العديد من هذه المنصات على إزالة المحتوى الإرهابي. يعدّل المتشددون واليمين المتطرف بسرعة من تكتيكاتهم لتتلاءم مع التكنولوجيا الحديثة وذلك مع تحسُّن استجابة شركات التكنولوجيا الكبيرة. إن الفيسبوك هو نافذة يرى من خلالها بلايين الناس العالم الافتراضي، لكن منصّات التواصل الاجتماعي الأصغر حجمًا تعدّ بابًا خلفيًّا لشبكة الإنترنت.

تراقب مبادرة "التكنولوجيا في مواجهة الإرهاب" بنشاط ما يزيد على 500 قناة متطرفة منتشرة على 20 منصّة محتوى وتطبيق مراسلة صغير ومختلف. يُظهر بحثنا حدوث زيادة كبيرة في مصطلحات مرتبطة باليمين المتطرف، مثل مصطلح "التفاقمية" Accelerationism)). يتمحوّر هذا المصطلح حول فكرة أن الحكومات الرأسمالية تندفع بسرعة نحو انهيار قريب، وهو احتمال يأمل اليمين المتطرف في تسريع حدوثه، لكي يتم تشكل نظام عالمي جديد يسوده الفصل العنصري. بالنسبة لهؤلاء، فإن حدوث سيل من العنف والصراع ليس هدفًا في حد ذاته وإنما مجرد خطوة تقرّبهم من خلق "دولة عرقية" مبنية على تفوّق العرق الأبيض.

كيف ينبغي لنا الردّ على هذا التهديد المتزايد بطريقة لا تفاقم الوضع؟ يمكننا البدء عبر الإقرار أن الإنترنت لم يخترع الإرهاب أو التطرف العنيف؛ فأسامة بن لادن لم يمتلك هاتفًا ذكيًّا، ولم يمتلك "الجيش الجمهوري الإيرلندي" حسابًا على تويتر. في الواقع، يعتمد معظم الإرهابيين في نشر دعايتهم على وسائل الإعلام التقليدية. إن للحكومات الحق في مطالبة منصّات وسائل التواصل الاجتماعي بالتحرك بسرعة لإزالة المحتوى غير القانوني، لكن سيكون من الخطأ الجسيم الافتراض أن هذا سيغيّر بصورة إيجابية من سلوك الأشخاص الذين يصنعون المحتوى العنيف في المقام الأول.

إن أكثر الطرق فاعلية في مكافحة الإرهاب بكل صوره تتمثل في خلق بيئة يمكن من خلالها تحدّي الخطاب السياسي المتطرف بوضوح، وليس دفعه إلى تحت الأرض وإعطاؤه قيمة كبيرة. تُتهم وسائل التواصل الاجتماعي غالبًا بتوفير منصّات لمتطرفين عنيفين، بيد أن الإنترنت ما هو إلا مرآة تعكس وجهات نظر ولا يخلقها. عندما تزيل المنصّات الأكبر حجمًا أو تقمع محتوىً جدليًا، غالبًا بطلب من الحكومات، يتجه الأشخاص الذين يعتنقون هذه الأفكار إلى منصات أصغر حجمًا - بعضها أُنشئ خصيصًا للسماح بنشر الخطاب المتطرف الذي أزالته شركات التكنولوجيا الكبيرة المنافسة.

يجب أن تدرك الحكومات أن الإرهاب مشكلة مجتمعية وتتعامل معه على هذا الأساس. لكن القيام بأي من هذا لن يكون سهلاً؛ فالتطرف العنيف يمثّل تحديًا للديمقراطيات الليبرالية التي تحمي وتقدّس حرية التعبير، لكنها تجرّم خطاب الكراهية والتحريض على العنف. تحاول الحكومات الموازنة بين حق المواطنين في قول ما يريدون وبين واجب هذه الحكومات في حماية الشعب من المتطرفين العنيفين. لكن الحكومات تخطئ أحيانًا في تطبيق تلك المعادلة. وفقًا للتشريع القانوني الحالي الذي صيغ أساسًا لمكافحة التطرف الإسلامي العنيف، فإن امتلاك مواد دعائية تروّج للإرهاب، من بينها كتب بعينها، من المحتمل أن يكون عملاً إجراميًّا. والأمر ذاته ينطبق على مشاهدة مواد دعائية محددة على الإنترنت.

جزء من التحدي الذي تواجهه شركات التكنولوجيا الصغيرة يتمثل في فهم حجم التهديد ومدى تعقيده. خلافًا لشركتي فيسبوك وتويتر، تمتلك هذه الشركات الصغيرة موارد محدودة. إن طلب إزالة محتوى ما خلال ساعة يبدو معقولًا من ناحية المبدأ، لكنه صعب التنفيذ عمليًّا.

ولا شك أن إجبار منصّات التواصل الاجتماعي على غربلة المحتوى حتى قبل نشره، سيكون أيضًا غير عملي بنفس القدر. تخيلوا أن تنتظروا 24 ساعة قبل أن تظهر تغريداتكم على الإنترنت؟ أو الانتظار لمدة أسبوع قبل أن يظهر ألبوم صور عائلتكم على حسابكم على فيسبوك؟ على النقيض من هذا، فإن إثقال كاهل المنصّات الأصغر حجمًا يهدد بإضعاف قدرتها على المنافسة والابتكار، ما يجعلها أكثر عرضة للاستغلال.

إن أكثر الطرق فاعلية لمنع استغلال الإرهابيين لشركات التكنولوجيا الأصغر، وضمان ازدهار عملية المنافسة على الإنترنت في الوقت ذاته، تتمثل في تزويد هذه الشركات بأدوات عملية تجعل منصّاتها أكثر أمنًا. تقدم "مبادرة التكنولوجيا في مواجهة الإرهاب" إرشادات للمنصّات الأصغر حجمًا لمساعدتها على التعامل مع التهديد وتحديد المحتوى وإزالته بسرعة وبكفاءة. لكن يتعيّن على الحكومات أيضًا العمل بصورة وثيقة مع صناعة التكنولوجيا لمواجهة اليمين المتطرف العنيف.

يمكن للحكومات أن تشرع في هذا الأمر عبر اتخاذ إجراءات أكثر صرامة للتعرف على هذه المجموعات اليمينية وحظرها قانونيًّا. هناك حفنة صغيرة فقط من تلك المجموعات مصنّفة كمنظمات إرهابية من جانب حكومات غربية، من بينها منظمة "العمل الوطني" النازية الجديدة، ومنظمة "الدم والشرف" في كندا، بالإضافة إلى منظمة "الحركة الإمبراطورية الروسية" المحظورة في الولايات المتحدة. إن تصنيف المنظمات اليمينية المتطرفة كمجموعات إرهابية، سيساعد المنصّات الأصغر حجمًا والأكثر عرضة للاستغلال من جانب اليمين المتطرف، وذلك عبر منحها حماية قانونية لإزالة محتوى دون أن تواجه اعتراضات.

وبناءً على عملنا مع صناعة التكنولوجيا، أصبحنا نعرف أن هناك إرادة للتعاون مع الحكومات للمساعدة في هزيمة التطرف العنيف بجميع أشكاله، غير أن الأيديولوجيات المتجذّرة في العالم الحقيقي لا يمكن هزيمتها على شبكة الإنترنت. 


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق