مودرن دبلوماسي| هل ينفد صبر واشنطن تجاه سياسة تركيا التوسُّعية؟


٢٩ يوليه ٢٠٢٠

ترجمة - شهاب ممدوح

نقلت وكالة أسوشيتد برس يوم الجمعة 17 يوليو عن التقرير الفصلي الخاص بعمليات مكافحة الإرهاب في شمال وغرب أفريقيا الذي أصدره المفتش العام لوزارة الدفاع الأمريكية، قوله إن الجيش الأمريكي يشعر بقلق متزايد تجاه حرب الوكالة التي تقوم بها تركيا في ليبيا. إن هذا التقرير الصادر عن هذه الهيئة الرقابية الداخلية في البنتاغون، يُعدّ الأول من نوعه الذي يذكر خلاله مسئولون أمريكيون مسألة المساعدات العسكرية التركية إلى حكومة الوفاق الوطني الليبية.

ويقدّر تقرير المفتش العام أنه أثناء أول ثلاثة أشهر في عام 2020، نشرت تركيا عددًا غير محدود من قواتها، وأرسلت ما بين 3.500 و3.800 مقاتل سوري لهذه الدولة الواقعة في شمال أفريقيا. وجنّدت أنقره آلاف المرتزقة للقتال إلى جانب حليفها الليبي، ووعدت بمنحهم المال والجنسية التركية. كما زادت تركيا أيضًا إمدادات مساعداتها العسكرية في شهر مايو، قبل شهر فقط من تحقيق حكومة الوفاق الوطني عدة انتصارات مهمة أسفرت عن تراجع قوات الجيش الوطني الليبي، وفقًا لما ذكره البنتاغون.

يبعث تقرير المفتش العام إشارة أخرى على تزايد القلق الأمريكي بشأن تصاعد التوتر في ليبيا، حيث يتواصل الاستنفار المسلح بين حكومة الوفاق المدعومة من تركيا وجيش الجنرال خليفة حفتر منذ شهر أبريل الماضي. إن الانتصار الأخير لمليشيات طرابلس في غرب ليبيا يُبرز دور أنقره المهم في تغيير موازين القوى على الأرض. في تركيا، بات يُنظر إلى انتصار حكومة الوفاق بوصفه دليلًا على جدوى الجيش والعقائد السياسية التركية، وتبريرًا لاتخاذ إجراءات صارمة ضد الدول التي تقف في طريق الطموحات العثمانية للرئيس أردوغان.

من الصعب وصف هذه التطورات سوى أنها خيبة أمل مريرة لواشنطن، وذلك بالنظر إلى وضعها المترسّخ في حلف شمال الأطلنطي. وفي الوقت الذي تعيث فيه تركيا فسادًا في ليبيا، أصبحت الولايات المتحدة تواجه ما وصفه بجدارة الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" بـ "الموت الدماغي" للناتو. في مطلع شهر يوليو، علّقت فرنسا مشاركتها في عملية "حارس البحر" التي ينظمها حلف شمال الأطلنطي، بعد وقوع حادثة بين سفنها والبحرية التركية في البحر المتوسط، وزعمت باريس أن فرقاطة تركية وجّهت أسلحتها تجاه سفينة فرنسية حاولت تفتيش سفينة ترفع علم تنزانيا يُشتبه في تهريبها أسلحة إلى ليبيا.

طالب وزير الخارجية الفرنسية "جان إيف لودريان" بعدها أعضاء الاتحاد الأوروبي بمناقشة فرض عقوبات محتملة على تركيا. كما عبّرت الولايات المتحدة أيضًا عن قلقها بشأن سلوك تركيا العدواني. وقال مستشار الأمن القومي الامريكي "روبيرت أوبراين": "لا ينبغي لحلفاء الناتو استخدام أنظمة التحكم في النيران لاستهداف بعضهما الآخر. هذا ليس أمرًا جيدًا". وشدد "أوبراين" على وقوف الولايات المتحدة إلى جانب فرنسا.

لم تكن علاقة أنقره مع باريس هي الوحيدة التي تضررت نتيجة للسياسة التوسّعية التركية؛ إذ شكّلت جميع دول شرق المتوسط تقريبًا، من بينها إسرائيل، حليف الولايات المتحدة الاستراتيجي في البحر المتوسط، واليونان الشريك في حلف الناتو، تحالفًا للتصدّي لمحاولات تركيا توسيع نفوذها في المنطقة. إن مزاعم تركيا الإقليمية في البحر المتوسط، والمدعومة باتفاقية مثيرة للجدل مع حكومة الوفاق الليبية، تتصادم مع مشروع مشترك لنقل الغاز الطبيعي من إسرائيل عبر أراضي اليونان وصولًا لجنوب أوروبا. علاوة على هذا، فإن إنشاء طرابلس وأنقرة منطقة اقتصادية خالصة، زاد من تفاقم الانقسام مع أثينا ونيقوسيا.

إن التصريحات الأخيرة للمسئولين الأمريكيين هي إشارة واضحة على سخط واشنطن تجاه أنشطة تركيا المشبوهة التي تهدد وحدة الناتو نفسه. وبالرغم من أن تركيا هي طرف مهم في هذا التحالف، غير أن مستقبلها كدولة عضوة يعتمد على استعداد أنقره لدمج نفسها بقوة داخل الهيكل الأمني الجماعي للتحالف. وإن لم تفعل تركيا ذلك، فيمكن أن يخضع جسد حلف الناتو لجراحة ويستكمل مسيرته. 


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق