أوراسيا ريفيو| ما مدى جدية تهديد داعش بمهاجمة جنوب أفريقيا؟


٣٠ يوليه ٢٠٢٠

ترجمة - آية سيد

ماذا لو كان تنظيم الدولة الإسلامية – أو أي جماعة إرهابية جهادية أخرى – يمثل تهديدًا خطيرًا على جنوب أفريقيا؟ كان التساؤل السابق موضوعًا مثيرًا للجدل لفترة من الوقت؛ كما يأتي أيضًا محملًا بثقل أيديولوجي وسياسي كبير ويثير مشاعر قوية في كلتا الحالتين.

على مدار الأشهر القليلة الماضية، ارتفع الجدل إلى مستوى مختلف عبر الإصرار المتزايد لتنظيم الدولة الإسلامية في التمرد الوحشي في محافظة كابو ديلجادو الواقعة بأقصى شمال موزمبيق. وعلى الرغم من أن طبيعة ذلك التمرد تبقى ضبابية، كان التنظيم يدّعي مسئوليته عن الهجمات لأشهر. والمتطرفون أنفسهم، المعروفون بتنظيم أهل السنة والجماعة، أعلنوا مبايعتهم لتنظيم الدولة. 

ويبدو أن تدخل تنظيم الدولة الإسلامية في شمال موزمبيق هو ما دفع حكومة جنوب أفريقيا لملاحظة التمرد الذي بدأ في أكتوبر 2017، وقتل أكثر من 1400 شخص.

خلال اجتماع للجنة البرلمانية عبر الفيديو في شهر مايو، كشفت وزيرة العلاقات الدولية والتعاون "ناليدي باندور" أن حكومتها وحكومة موزمبيق كانتا في نقاش حول كيف يمكن لجنوب أفريقيا أن تساعد مابوتو في محاربة التمرد. في ذلك الوقت، كانت مجموعة دايك الاستشارية الجنوب أفريقية، وهي شركة عسكرية خاصة، متورطة بشدة إلى جانب حكومة موزمبيق، حيث كانت تُصعّد الهجمات الجوية بطائرات خفيفة.

ويبدو أن باندور أفشت سرًا؛ فبعد أسابيع قليلة، لم تقدّم نظيرتها في وزارة الدفاع، مابيسا ناكولا، أية تفاصيل إلى البرلمان حول ما تفعله القوات الدفاعية الوطنية الجنوب أفريقية أو تخطط لفعله في موزمبيق. ارتفعت التكهنات، باقتراحات أن القوات الخاصة التابعة للقوات الدفاعية الوطنية الجنوب أفريقية أو أسطول بحري كانوا في طريقهم إلى الميدان، أو كانوا هناك بالفعل. 

ثم نشر تنظيم الدولة الإسلامية الشهر الماضي مقالة افتتاحية في صحيفة النبأ حذر فيها، باللغة العربية، من أنه إذا تدخلت جنوب أفريقيا عسكريًا في كابو ديلجادو، ربما يؤدي ذلك إلى "تشجيع جنود تنظيم الدولة الإسلامية على فتح جبهة قتال داخل حدودها! – بإذن الله".

ثم صرّحت وزيرة الاستخبارات الجنوب أفريقية، أياندا دلودلو، الأسبوع الماضي بأنها تأخذ تهديد تنظيم الدولة الإسلامية "بجدية شديدة. إن التهديدات من هذا النوع ليست فارغة في حد ذاتها. نحن لن نتعامل معها كتهديدات فارغة. نحن نتحمل مسئولية تأمين شعبنا".

يحذر الخبراء في معهد الدراسات الأمنية أيضًا من أن التهديد على جنوب أفريقيا خطير. قال ويليم إيلس، كبير منسقي التدريب في معهد الدراسات الأمنية، إن تجارب حوض بحيرة التشاد والساحل يشيران إلى أنه ليس من الحكمة تجاهل تهديد تنظيم الدولة الإسلامية، على الرغم من أن هذا أيضًا لم يكن الوقت المناسب للهلع العام.

وقال إيلس إن ما نحتاجه هو استعادة قدرة وكالات المخابرات التي تقوضت بشدة خلال حكم الإدارة السابقة. كانت السيطرة الأكثر إحكامًا على حدود الدولة سهلة الاختراق مهمة أيضًا. لقد أشار إلى أنه إذا تورطت جنوب أفريقيا في كابو ديلجادو، ينبغي أن تفعل هذا فقط من خلال تدخل إقليمي عبر مجموعة التنمية للجنوب الأفريقي (سادك) التابعة للاتحاد الأفريقي. هذا من شأنه أن يقلل التركيز على جنوب أفريقيا.

في 19 مايو، اجتمعت الهيئات السياسية والدفاعية والأمنية لسادك في هراري، ومنحت الضوء الأخضر لأعضائها ليقدموا المساعدة العسكرية لموزمبيق، ولم تُذكر تفاصيل عن أي تدخل إقليمي.

يتفق مارتن إيوي، المنسق الإقليمي في معهد الدراسات الأمنية، على إنه لا ينبغي التعامل مع تهديد تنظيم الدولة الإسلامية "باستخفاف"؛ حيث إن الجماعة الإرهابية نفذت تهديدات مشابهة في أماكن أخرى. قال إيوي إن بوكو حرام حذرت الكاميرون في 2014 من عدم الانضمام إلى نيجيريا ودول حوض بحيرة التشاد الأخرى في حرب ضد الجماعة الإرهابية. وعندما فشلت الحكومة في الانتباه للتحذير، وقعت عدة هجمات في الكاميرون.

ولعل كينيا تقدم سابقة معبرة لجنوب أفريقيا؛ فمنذ أن أرسلت قوات عبر الحدود إلى الصومال من أجل مواجهة حركة الشباب في 2011، عانت الدولة من هجمات انتقامية متعددة بأراضيها على يد الجماعة الإرهابية، حيث لقى الكثير من المدنيين حتفهم. 

وقال إيوي إن تنظيم الدولة الإسلامية يمتلك خلايا نائمة في جنوب أفريقيا وجنّد مواطنين جنوب أفريقيين في صفوفه. بعض هؤلاء المتطرفين حاربوا مع الجماعة في سوريا، وبعضهم متورط في كابو ديلجادو، وآخرون مختبئون الآن في عدة مدن داخل الدولة. إنه ينصح بريتوريا بإحكام السيطرة والمراقبة على الحدود، وتحديد السكان والبنية التحتية المعرضة للخطر، وتعزيز مشاركة المعلومات الاستخباراتية الإقليمية وتعزيز آليات الاستجابة المبكرة.

أشار الخبراء إلى أن كل مؤسسات الدولة الجنوب أفريقية المعنية مثل المخابرات، والشرطة وسلطة المقاضاة ينبغي أن تعزز خبرتها في مكافحة الإرهاب. وقال إيوي إنه إذا وقعت هجمة، ينبغي أن تكون الدولة قادرة على الرد سريعًا بهدف القبض على المشتبه بهم ومحاكمتهم من أجل إرسال رسالة ردع قوية.

مع هذا، ليس الجميع مقتنعًا بحجم التهديد الذي يفرضه تنظيم الدولة الإسلامية. جاسمين أوبرمان، محللة شئون الإرهاب في ﻣﺸﺮوع ﺑﯿﺎﻧﺎت وأﺣﺪاث اﻟﺼﺮاﻋﺎت اﻟﻤﺴﻠﺤﺔ، تعتقد أن التحذير المنشور على الموقع الإلكتروني كان دعاية إلى حد كبير. إنها لا تتوقع أن تُصّعد خلايا تنظيم الدولة الإسلامية في جنوب أفريقيا هجمات مثلما يتوقع بعض خبراء الإرهاب.

غير أن أوبرمان تقر بأن تحذير تنظيم الدولة الإسلامية كان جزئيًّا محاولة لتحفيز هجمات الذئاب المنفردة في جنوب أفريقيا، وهو شيء يتعين على وكالات المخابرات أخذه على محمل الجد. لكنها شككت إذا كانت الحكومة مستعدة وقادرة على حماية مواطنيها.

وما يثير القلق هو أنه جرى الكشف بالفعل عن روابط مباشرة بين عناصر تنظيم الدولة الإسلامية في جنوب أفريقيا وتلك الموجودة في موزمبيق. على سبيل المثال، كشفت مصادر أمنية أن اثنين من المتواطئين مع تنظيم الدولة الإسلامية في جنوب أفريقيا تعرّف عليهم مسئولون جنوب أفريقيون في صورة نشرها متمردو كابو ديلجادو مؤخرًا. الاثنان مرتبطان بقضايا جارية في جنوب أفريقيا.

وبناءً على هذا، لا يبدو مستبعدًا القلق من أن هؤلاء المتمردين من موزمبيق أو غيرهم ربما يعبرون الحدود أو يعودون إلى جنوب أفريقيا بنية عدائية. تواجه بريتوريا مأزقًا حقيقيًا. إنها تبدو مخطئة إذا تدخلت ومخطئة إذا لم تتدخل، حيث أن البقاء بعيدًا عن موزمبيق قد يتسبب في استمرار تصاعد التمرد.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق