نيويورك تايمز| انفجار بيروت ناتج عن انعدام الكفاءة في لبنان


٠٦ أغسطس ٢٠٢٠

ترجمة - آية سيد

كانت أول وظيفة صيفية لي في مرفأ بيروت. كان هذا في أواخر التسعينيات وكنت مراهقًا آنذاك. لقد قضيت شهورًا في إدخال بيانات الشحن كجزء من برنامج جديد طموح لنقل المرفأ من حفظ السجلات التناظري إلى الرقمي، كان الأمر مُملًا بقدر ما يمكنك توقعه من وظيفة في بداية السلم الوظيفي في بيروقراطية في الشرق الأوسط، لكن بالرغم من الحرارة والرتابة، كان هناك تفاؤل.

كان المرفأ بنية تحتية حيوية في اقتصاد يستعيد نشاطه بعد 15 عامًا من الحرب الأهلية، وظل حفظ السجلات الرقمي جزءًا من المستقبل – ومحاولة لإدخال النظام والشفافية المطلوبين بشدة إلى قطاع عام يتعافى. في النهاية، كان هذا نفس المرفأ الذي أصبح غير صالح للاستخدام خلال الحرب الأهلية بسبب السفن الغارقة والذخائر غير المنفجرة، باستثناء منطقة واحدة تسيطر عليها ميليشيا.

لبنان الذي خرج من هذه الأنقاض اختفى، واختنق تدريجيًّا على يد طبقة سياسية متهكمة. وبالأمس، قُضي عليه. انفجر مرفأ بيروت في انفجار قتل 100 شخص على الأقل (ولا يزال العد مستمرًا)، وجرح أكثر من 4 آلاف شخص ودمر أحياء المدينة. يواجه لبنان الآن نوعًا جديدًا من الكارثة والتي لم يستعد لها بسبب عقود من الحرب والاضطراب السياسي.

بحسب كل الظواهر، لم تشمل كارثة المرفأ المشتبه بهم المعتادين – حزب الله، أو إسرائيل، أو الإرهاب الجهادي أو حكومة سوريا. تبدو الحقيقة أكثر مللًا وإزعاجًا: عقود من الفساد على كل مستويات المؤسسات اللبنانية دمرت مرفأ بيروت، ومعظم أنحاء المدينة، والكثير جدًا من الأرواح.

حتى الآن، يتفق المسئولون اللبنانيون حول ما حدث، على الرغم من أنه من المرجح أن تخرج أكثر من رواية "رسمية". ففي النهاية، هذا لبنان، بلد منقسم بشدة بسبب السياسة والدين والتاريخ. لكن إليكم ما نعرفه حتى الآن، وفقًا لتقرير وسائل إعلام لبنانية موثوقة: نحو 2750 طن من نترات الأمونيوم التي جرى تفريغها من سفينة معطلة في 2014 خُزنّت في مستودع بالمرفأ. ثم بالأمس، أشعلت حادثة لحام الألعاب النارية القريبة – التي تسببت في انفجار نترات الأمونيوم.

تُعد المرافئ ملكية للفصائل السياسية والإجرامية والميليشيات. تسيطر عدة وكالات أمنية بمستويات مختلفة من الكفاءة (وانتماءات سياسية مختلفة) على جوانب متعددة من عملياتها، والتوظيف في البيروقراطية المدنية تُمليه الحصص السياسية أو الطائفية. تنتشر ثقافة الإهمال، والفساد التافه وإلقاء اللوم في البيروقراطية اللبنانية، وكلها تشرف عليها طبقة سياسية معروفة بعدم كفاءتها واستخفافها بالصالح العام.

ليس من الواضح أي مزيج من هذه العناصر ترك قنبلة منتظرة تبقى في مستودع لست سنوات تقريبًا، ونقل ألعاب نارية بجانبها وسمح بتنفيذ ممارسات عمل غير مسئولة بالجوار. لكن الكارثة، في حين أنها خطيرة بشكل استثنائي، هي نتيجة للعمل المعتاد في لبنان. تألف الدولة الانفجارات، وتألف أيضًا الكوارث الناتجة عن فشل الخدمات العامة: أزمة القمامة التي تعود إلى عام 2015، وكارثة بيئية في 2019 وانقطاعات للتيار الكهربائي هذا العام والتي تستمر لـ20 ساعة في اليوم.

ستكون عواقب هذا الانفجار أكثر خطورة من الإصابات المباشرة وتدمير الممتلكات. لقد تدمرت صومعة الحبوب الأساسية، التي تحتفظ بـ85% من الحبوب الغذائية. والأكثر من ذلك، لن يصبح المرفأ قادرًا على استقبال البضائع. يستورد لبنان 80% مما يستهلكه، بما في ذلك 90% من قمحه، الذي يُستخدم لعمل الخبز الذي يُعد أساس النظام الغذائي لمعظم الأشخاص. يأتي 60% تقريبًا من هذه الواردات عبر مرفأ بيروت، أو، على الأقل، كانت تفعل ذلك.

لا يمكن أن يكون التوقيت أسوأ من هذا. لقد دمرت الأزمة الاقتصادية لبنان منذ أشهر عديدة. انهارت عملة الدولة، وهي مشكلة نتيجة لسنوات من سوء الإدارة والفساد، ولم يعد مئات الآلاف من الأشخاص قادرين على شراء الوقود والطعام والدواء. وبينما كان اللبنانيون يرون مدخراتهم تتبدد وقدرتهم الشرائية تختفي، ظهر مصطلح جديد حتى بين أصدقائي اللبنانيين المتفائلين وعائلتي، لقد بدأوا في استخدام كلمات مثل "هالكة" و"ميئوس منها" لوصف الدولة.

كما فرضت أزمة فيروس كورونا ضغطًا أكبر على قطاع الصحة. بعد انفجار أول أمس، ورد أن العاملين بالمشافي كانوا يعالجون الجرحى في الشوارع ومواقف السيارات. ربما يضع الانفجار لبنان على طريق كارثة صحية وغذائية لم يشهدها في أسوأ حروبه.

ينبغي أن تصبح الطبقة السياسية اللبنانية على أهبة الاستعداد في الأسابيع المقبلة: سوف تتحول الصدمة إلى غضب، لكنني أخشى أن العادات القديمة لا تموت. هؤلاء الساسة متمرسون جيدًا في نقل اللوم. أنا لا أتوقع الكثير من الاستقالات رفيعة المستوى أو اعترافات بالمسئولية – هذا إن حدثت.

هل ستحدث ثورة؟ انتفاضة غضب؟ إن أي دافع ثوري يجب أن يتنافس مع الانتماءات القبلية والطائفية والأيديولوجية. في هذا الشأن، كذلك تفعل الحقائق: حتى لو قُدمت رواية رسمية واحدة عن حادثة المرفأ (ولو كانت صحيحة) لن يصدقها البعض. ومن باب المفارقة، عدم ثقتنا في رجال السياسة يجعله من الصعب علينا أن نتوحد ضدهم.

توجد عقبات حقيقية؛ بيد أنه لم تكن هناك حاجة مُلحة للإصلاح والمساءلة أكثر من الآن، بخلاف التضحية بالمسئولين على المستوى المتوسط. من الصعب تخيل مثل هذه الحركة الوطنية المنسقة لأنها لم تتحقق أبدًا، لكن الجوع والانهيار في الرعاية الصحية ربما يغيران ذلك.

سوف يحتاج لبنان – واللبنانيون – لتدفق سريع من المساعدات الخارجية لتجنب نقص الغذاء وكارثة في الصحة العامة. ويبدو أن هذه المساعدات قادمة من دول في الشرق الأوسط وحول العالم. لكن هذا لن يمنع انحدار الدولة. إن المساعدات الطارئة سوف تُضخم الإحساس العام بالإذلال والعجز، وقد أوضح انفجار الأمس أن لبنان لم يعد بلدًا يستطيع الأشخاص المحترمون أن يعيشوا فيه حياة آمنة ورغدة.

عندما شاهدت فيديوهات بيروت وهي مغمورة بالدخان وتفقدت أصدقائي وعائلتي، وجدت نفسي أفكر للمرة الأولى منذ فترة عن ذلك الصيف عندما عملت في المرفأ. لقد تم مشروع الرقمنة، لكن الأطراف التي لم تحب الشفافية التي جلبها وجدت طرقًا للالتفاف حوله.

اليوم، لم يعد الأمر ذي صلة طبعًا. لقد دُمر المرفأ، وبالنسبة إلى اللبنانيين، سينشغلون بالنجاة أكثر بكثير من التقدم.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق