الجارديان | إذا أصرّ المانحون الدوليون.. الفساد السياسي في لبنان يمكن استئصاله


١٢ أغسطس ٢٠٢٠

ترجمة - آية سيد

في أعقاب انفجار مرفأ بيروت المدمر الأسبوع الماضي، لم يصبح دور الطبقة السياسية اللبنانية فقط تحت التدقيق، بل أيضًا دور نظرائهم الدوليين. جمع مؤتمر المانحين الدوليين الذي عُقد يوم الأحد بقيادة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، 253 مليون يورو (228 مليون إسترليني) من أموال الإغاثة، لكنه أشار إلى تغيير مهم في الخطاب. للمرة الأولى، أكد المانحون أن أموال الإغاثة سوف تذهب إلى الشعب اللبناني مباشرة، وأن المساعدة الاقتصادية طويلة الأجل ستكون معتمدة على تطبيق لبنان للإصلاحات الهيكلية.

هذا التأكيد أعقب الانتباه الدولي المتزايد إلى الفساد المتفشي بين الطبقة السياسية الحاكمة في لبنان، التي تتحمل اللوم على انفجار المرفأ. إنه يرسل رسالة إلى حكام لبنان بأنه في حين أن بلادهم تحتاج بشدة للمساعدة الأجنبية لكي تقف على قدميها، لا أحد يستطيع مساعدة لبنان إذا لم يساعد نفسه. لكن البيان الصادر بعد المؤتمر تستر على دور المجتمع الدولي في تعزيز الطبقة السياسية الفاسدة في لبنان على مدى عقود. في مؤتمر الإغاثة، قال ماكرون إن مستقبل لبنان على المحك. إن ما يحتاج المانحون لإدراكه هو أن هذا المستقبل هو مسئولية مشتركة عليهم وعلى قادة لبنان على حدٍّ سواء.

وفي ظل نمو الدين اللبناني لأكثر من 140% من الناتج المحلي الإجمالي، وتسبب انفجار المرفأ في أضرار تُقدّر بـ15 مليار دولار، يحتاج لبنان لمساعدات خارجية لكي لا يتحول إلى دولة فاشلة. لكن ما يحتاجه أكثر هو إصلاحات تواجه الفساد وغياب المساءلة اللذين دفعا الدولة إلى هذه الحالة المؤسفة في المقام الأول. إنه النظام السياسي القائم في لبنان – وهو اتفاق لتقاسم السلطة بين الطوائف المختلفة بدلًا من نظام حكم يقوم على الكفاءة – هو ما يُسهّل السلوك الطائش لقادته.

إن المجتمع الدولي مسئول جزئيًّا عن تعزيز هذا النظام من خلال الرعاية المتعاقبة. لعقود، أصبح القادة اللبنانيون معتادون على تجاهل المصلحة القومية ثم تلقي الإنقاذ في نهاية الأمر عن طريق المساعدات الدولية. تدخل ودائع بالدولار إلى البنك المركزي من مانحين خليجيين، وتقدم الدول الأوروبية قروضًا وتتدفق حزم المساعدات الأجنبية إلى مؤسسات الدولة اللبنانية – فقط لكي ينتهي الحال بمعظم هذه الأموال في جيوب حكام الدولة، الذين يتغلبون في أكثر الأحيان على خلافاتهم السياسية لتقاسم موارد الدولة فيما بينهم. أصبحت الدولة اللبنانية مجرد هيكل في عيون مواطنيها.

استفاد حكام لبنان من توقعات المواطنين المنخفضة من الدولة وغياب الإجراءات التي تضمن الشفافية والمساءلة في البلاد. لقد توصلوا إلى عقد اجتماعي والذي يجعل القادة رعاة والشعب عملاء بدلًا من كونهم مواطنين. كانت القوى الأجنبية مدركة جيدًا لهذه الديناميكية لكنها كثيرًا ما غضت الطرف عنها، وحتى عززتها، لأنها اعتقدت أن النظام السياسي اللبناني جلب الاستقرار والقدرة على التنبؤ في أعقاب الحرب الأهلية الصاخبة.

ومع مرور الوقت زاد طمع القادة، وأصبح الوضع الاقتصادي أسوأ. القادة الذين تصرفوا كسلطات محلية حقيقية، عن طريق منح الناخبين وظائف خدمة مدنية أو امتيازات ضئيلة، منحوهم أقل بكثير. كان هناك بعض الإدراك الدولي لأن هذه الديناميكية تصبح غير مستدامة – تعهد المانحون الدوليون بـ11 مليار دولار خلال مؤتمر سيدر في 2018 شريطة أن يطبق لبنان إصلاحات هيكلية. وفي أعقاب التدهور الاقتصادي الأخير، قال صندوق النقد الدولي في شهر أبريل إن أية مناقشة لتقديم قرض إلى لبنان ستكون مرهونة بالمزيد من الإصلاحات. وفي كلتا المناسبتين، تجاهل حكام لبنان دعوات الإصلاح، معتمدين على الدعم الأجنبي الذي يأتي في النهاية دون شروط كما كان يفعل في الماضي. كانت متابعة المانحين الدوليين بطيئة.

يجب أن يكون انفجار المرفأ جرس إنذار لأي كيان دولي يسعى إلى استقرار لبنان. إن الانفجار نتيجة للعقود التي رعت خلالها الطبقات السياسية في لبنان وخارجه النظام السياسي المختل وظيفيًّا في البلاد. لا ينبغي أن تتدفق أية مساعدات طويلة الأجل إلى لبنان دون شروط قوية تنص على الشفافية والمساءلة حول كيف ستُوظف هذه المساعدات. إن الدعم الأجنبي ليس المشكلة في حد ذاته، لكن يصبح كذلك عندما يُقدّم على طبق دون شروط، ويحافظ على سلسلة الرعاية، ويُفاقم ضعف مؤسسات الدولة، ويزيد من فقر المواطنين اللبنانيين. 

ومع انهيار اقتصاد لبنان في أعقاب الانفجار، توجد فرصة للمجتمع الدولي ليمارس الضغط على القادة اللبنانيين – الذين نمت ثروتهم جزئيًّا من المعاملات القانونية وغير القانونية عبر المرفأ المدمر – بحيث يتم تطبيق الإصلاحات اللازمة. هذا الضغط لن يزيل النظام السياسي المعيب في لبنان، لكنه سيضغط على قادته ليقبلوا بعض الإصلاحات الأساسية على الأقل. 

لكن لكي يفتح لبنان صفحة جديدة، يحتاج إلى عقد اجتماعي جديد ونظام سياسي جديد قائم على النزاهة والشفافية والمساءلة. هذا تغيير يمكن أن يبدأ فقط من داخل لبنان، لكنه يعتمد أيضًا على تخلي المجتمع الدولي عن دعمه الضمني لوضع سياسي كارثي.





للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية انفجار بيروت

اضف تعليق