فورين أفيرز | الحرب الباردة التكنولوجية القادمة مع الصين


١٦ سبتمبر ٢٠٢٠

ترجمة - آية سيد

بعد مرور ثلاث سنوات ونصف على فترة ولايتها الأولى، وضعت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استراتيجية شاملة للمنافسة التكنولوجية مع الصين. من قطع سلاسل الإمداد التي تغذي عمالقة التكنولوجيا الصينيين إلى منع المعاملات معهم ووضع ضوابط للكابلات البحرية التي تعتمد عليها الاتصالات، كانت إجراءات إدارة ترامب غير كاملة وارتجالية في معظم الأحيان، وحتى مؤذية لبعض نقاط قوة نظام الابتكار الأمريكي. غير أنها وضعت الخطوط العريضة للسياسة التكنولوجية الأمريكية تجاه الصين في المستقبل القريب. ترتكز تلك السياسة على تقييد تدفق التكنولوجيا إلى الصين، وإعادة هيكلة سلاسل الإمداد العالمية، والاستثمار في التكنولوجيات الناشئة في الداخل. حتى الإدارة الأمريكية الجديدة من المستبعد أن تبتعد عن هذه المبادئ الأساسية.

لقد تبلورت أيضًا استراتيجية بكين المضادة. تتسابق الصين من أجل تطوير أشباه الموصلات والتكنولوجيات الأساسية الأخرى لتقلّل من ضعفها أمام سلاسل الإمداد التي تمر عبر الولايات المتحدة. وسعيًا وراء ذلك الهدف، يحشد قادتها شركات التكنولوجيا، ويُحكِمون الروابط مع الدول المشاركة في مبادرة الحزام والطريق الصينية، ويعززون حملة من التجسس السيبراني - الصناعي.

لقد أصبحت ملامح "الحرب الباردة التكنولوجية" واضحة، لكن يبقى السؤال المفتوح هو: من سينتفع من هذه المنافسة إذا كان هناك من سينتفع. إن عالم التكنولوجيا المنقسم من المرجح أن يبتكر بوتيرة أبطأ، على الأقل في المدى القصير، وسيكون باهظ التكلفة أيضًا.

يُقدّر تقرير لدويتشه بنك تكاليف الحرب التكنولوجية بأكثر من 3.5 تريليون دولار على مدار السنوات الخمس القادمة. مع هذا، يأمل القادة على جانبي المحيط الهادئ في تسريع مسار التطوير التكنولوجي في الوطن عن طريق تحويه لمسألة أمن قومي.

استراتيجية الصين المضادة

لقد حدّد ترامب المسار للمنافسة التكنولوجية الأمريكية مع الصين. إذا حدث تغيير في الإدارة، فمن المرجح أن تكون التغييرات في السياسة مجرد تعديلات طفيفة. على سبيل المثال، من أجل مواجهة المخاوف التي تثيرها تطبيقات TikTok وWeChat وغيرها من التطبيقات الصينية حول خصوصية البيانات والرقابة، ربما تختار الولايات المتحدة في نهاية المطاف استبدال الحظر الشامل القائم على بلد المصدر بإطار تنظيمي أقوى للخصوصية خاص بها. والإدارة الجديدة قد تُدخل تغييرات عامة أخرى والتي ستؤثر على مسار المنافسة.

إذا وطدت الولايات المتحدة العلاقات مع حلفائها، فربما تجد شركاء أكثر استعدادًا للتعاون في تنمية المعايير الدولية، وحماية الملكية الفكرية الحساسة، والاستثمار في تكنولوجيا الجيل الخامس والتكنولوجيات الناشئة الأخرى. لقد اقترحت إدارة ترامب زيادة 30% تقريبًا في الإنفاق غير الدفاعي على الذكاء الاصطناعي وعلوم المعلومات الكمية، لكن قد تحصل مجالات أخرى من البحث العلمي على أولوية التمويل. إن سياسات الهجرة الأكثر ذكاءً قد تمنع الكثير من أفضل وأنبغ العقول من البحث عن فرص في أستراليا وكندا والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة تفضيلًا على الولايات المتحدة؛ وبالتالي تدعم التنافسية الأمريكية في مجال أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي.لكن كل هذه التغييرات ستحدث حول هامش نفس الاستراتيجية الأساسية: منع تدفق التكنولوجيا إلى الصين، واستعادة بعض سلاسل الإمداد فائقة التكنولوجيا، وتنشيط الابتكار الأمريكي. هذه المبادئ الأساسية واضحة لبكين بقدر ما أصبحت واضحة في واشنطن. ونتيجة لهذا، تستعد الصين لمستقبل لا يمكنها الاعتماد فيه على الولايات المتحدة من أجل الحصول على التكنولوجيات الأساسية.

هذا العام، كشف مجلس الشعب الصيني عن خطة من خمس سنوات حيث تستثمر مجالس البلدية والمقاطعات والشركات ما يقرب من 1.4 تريليون دولار في بناء "بنية تحتية حديثة" من خلال الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والجيل الخامس والإنترنت الصناعي، والتكنولوجيات الحديثة الأخرى. يسعى صُنّاع السياسة الصينيون إلى تقليل اعتماد بلادهم على الولايات المتحدة من أجل الحصول على أشباه الموصلات. في أكتوبر 2019، أنشأت بكين صندوق لأشباه الموصلات بقيمة 29 مليار دولار، وفي أغسطس، طرح المسئولون الصينيون سياسات أخرى لدعم صناعات الرقاقات، من ضمنها المزايا الضريبية، ودعم البحث والتطوير، وحوافز لشركات أشباه الموصلات الدولية لكي تنتقل إلى الصين. يُقال أن اثنين من مُصنعي الرقاقات المدعومين من الحكومة عيّنوا أكثر من 100 مهندس ومدير مخضرم من شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات المحدودة، أكبر شركة لتصنيع الرقاقات في العالم، وكشفت شركة أمن سيبراني مؤخرًا عن مشروع اختراق استمر لعامين والذي سرق شفرة المصدر ومجموعات تطوير البرمجيات وتصميمات الرقاقات من سبع شركات تايوانية لتصنيع الرقاقات.

يبدو أن جهد تقليل الاعتمادية التكنولوجية يساعد في دفع الأجندة الاقتصادية الأكبر للصين. روّجت وسائل الإعلام الحكومية الصينية مؤخرًا لسلالة جديدة من الفكر الاقتصادي للرئيس الصيني شي جين بينج، والتي تُسمى "نظرية التداول المزدوج". وعلى الرغم من أن تفاصيلها تبقى غامضة، تبدو النظرية وأنها تعطي الأولوية للاستهلاك والأسواق والشركات المحلية في جهد لتعزيز الاكتفاء الذاتي التكنولوجي للصين بعد عقود من النمو القائم على الصادرات. ووفقًا لوول ستريت جورنال، كان نائب رئيس مجلس الدولة الصيني "ليو هي" يعمل لتحديد الشركات والصناعات المعرّضة للخطر بسبب العقوبات الأمريكية. تلك الشركات التي يُعتقد أنها أكثر عرضة للخطر قد تحصل على المزيد من التمويل الحكومي للأبحاث والتطوير.

تحاول الحكومة الصينية حشد شركات التكنولوجيا الخاصة أيضًا، دعمًا للأهداف الوطنية. في اجتماع في شهر يوليو مع رواد الأعمال الصينيين، طالب "شي" الشركات بأن تكون وطنية ومبتكِرة، وعمل أكثر من نصف قادة الأعمال الـ25 الحاضرين للمؤتمر في مجالات تكنولوجية ناشئة، مثل صناعة الرقاقات، والذكاء الاصطناعي، والتصنيع الذكي. أنشأت مجموعة علي بابا قسمًا لأشباه الموصلات، يُسمى Pingtouge في سبتمبر 2018، كما أصدرت بايدو رقاقة ذكية تُدعى Kunlun في يوليو 2019. وأعلنت علي بابا وتينسينت عن استثمارات ضخمة جديدة في الخدمات السحابية ومراكز البيانات لدعم البنية التحتية الجديدة.

وبينما تتطلع إلى تنويع سلسلة إمدادها، أبدت الصين اهتمامًا بالحلول مفتوحة المصدر والتي تعتقد أنها لن تكون عرضة للعقوبات الأمريكية. تعهدت هواوي، مثلًا، باستثمار مليار دولار لجذب المطوّرين إلى بديلها مفتوح المصدر لخدمات جوجل للجوال، وشاركت الصين بنشاط وحماس في مشروع الرقاقة مفتوحة المصدر RISC-V. وعلاوة على ذلك، كلّما قلّ الترحيب الذي تلقاه شركات التكنولوجيا الصينية في الأسواق الأوروبية، ستركّز هذه الشركات أكثر على بناء بنية تحتية رقمية للبلاد التي وقعّت على مبادرة الحزام والطريق وتوفير الخدمات لها.

وأخيرًا، في أسوأ الأحوال، تحتفظ بكين بأداة سياسية قوية في جعبتها: يمكنها دائمًا الثأر من شركات التكنولوجيا الأمريكية.

يُزعم أن وزير التجارة الصيني أعد "قائمة بالكيانات غير الموثوقة" للأفراد والشركات الأجنبية: أولئك الذين يقطعون الإمدادات للشركات الصينية لأسباب غير اقتصادية قد يشهدون تقليص أعمالهم في الصين من خلال الحظر أو القيود على التجارة والاستثمار والتصاريح التنظيمية والتراخيص. ألمح البعض في الإعلام ومجتمع الأعمال الصيني بأن آبل أو كوالكوم قد يُعاقبون في النهاية بسبب حملة واشنطن ضد هواوي، إلا أنه حتى الآن، تجنبت بكين هذه الإجراءات واختارت بدلًا منها أن تضع نفسها في موضع الجهة الفاعلة المنضبطة والمسئولة في النزاع التجاري مع الولايات المتحدة.

الرحلة الطويلة

تستعد الصين والولايات المتحدة لمنافسة تكنولوجية طويلة الأمد – منافسة لن تغير مسارها على الأرجح مهما كانت نتيجة الانتخابات الرئاسية الأمريكية. ولكي تحفز هذه المنافسة الابتكار بمعدل يعوض عن الخسائر التي تستتبعها، سيتعين على كل من بكين وواشنطن التغلب على الحواجز السياسية الداخلية.

لقد سمحت السياسة الصناعية الصينية للدولة بتحقيق مكاسب في مجالات مثل الحاسبات الفائقة، لكن اتجاه بكين من أعلى إلى أسفل يمكن أن يتسبب أيضًا في انعدام الكفاءة والتبديد والإسراف. وعلى نحو لافت للنظر، فشلت الحكومة حتى الآن في سد الفجوة بين الصين والولايات المتحدة في مجال أشباه الموصلات، بالرغم من دعم تلك الصناعة الذي استمر لعقود، ومن المستبعد أن تُثمر الجهود الحالية عن إنجازات فورية.

في الولايات المتحدة، تدعم الهيئات التنفيذية والكونجرس تعزيز الابتكار. وعلى مدار الأشهر الستة الماضية، قدّم أعضاء الكونجرس مشاريع قوانين تعكس هذا الالتزام – تعزيز تصنيع أشباه الموصلات المحلية، على سبيل المثال، وإعادة تشكيل مؤسسة العلوم الوطنية، وإنشاء سحابة أبحاث وطنية. يسعى أحد مشاريع القوانين إلى تسهيل الحصول على تأشيرة الهجرة بالنسبة إلى من يعملون في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الأخرى الضرورية للأمن القومي.

غير أن هذا المستوى المرتفع من الانتباه السياسي يجب أن يتحول إلى دعم معزز من الحزبين، وتُعد السنوات الثلاث الأخيرة إنذارًا مبكرًا بالمنافسة التكنولوجية الشديدة القادمة. لقد أوضحت بكين أنها ستتكيف وترد على الجهود الأمريكية. ويجب أن تفعل واشنطن نفس الشيء.



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية حرب باردة

اضف تعليق