الترجمات

معهد الشرق الأوسط | الجزائر ترسم الطريق لتنمية قطاع الطاقة المتجددة

ترجمة – آية سيد

تمر الجزائر بمرحلة حاسمة في تنمية قطاع الطاقة. تمتلك الدولة الإمكانية والحافز لتحقيق أقصى استفادة من مواردها الطبيعية ولتصبح رائدًا في مجال الطاقة المتجددة. بالإضافة إلى مكانتها كثاني أكثر دولة ازدحامًا بالسكان في شمال أفريقيا، الجزائر معروفة بحجمها وثروتها وموقعها واحتياطيات الغاز وإمكانات الطاقة المتجددة، وانبعاثات الغازات الدفيئة.

تقع الجزائر على بُعد 150 ميلًا فقط من إسبانيا وإيطاليا عبر البحر المتوسط، وتحد أيضًا موريتانيا، والنيجر، ومالي من الجنوب، والمغرب من الشمال الشرقي، وليبيا وتونس من الغرب، وبذلك تربط منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بجنوب أوروبا وأفريقيا جنوب الصحراء. الجزائر هي أغنى دولة في المنطقة بحسب الناتج المحلي الإجمالي للفرد، وأكبر دولة في القارة بحسب مساحة الأرض. وبالإضافة لهذا، تتمتع بأكثر من 3 آلاف ساعة من أشعة الشمس سنويًّا، وهو ما يمنحها إمكانية طاقة شمسية ضخمة، غير أنها تأتي في المركز الثالث في أفريقيا من ناحية انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وهو أحد الغازات الدفيئة القوية. ولكونها عضوًا في أوبك منذ 1967، تُعد الجزائر واحدة من أكبر منتجي الهيدروكربونيات في أفريقيا، بعائدات نفط وغاز تشكل حوالي نصف ميزانيتها القومية و90% من إيرادات الصادرات.

بيد أن التقلبات الأخيرة في سعر في النفط والغاز والزيادة في الطلب المحلي على الكهرباء تقدم حافزًا للجزائر لكي تُعطي الأولوية لاستثمار الطاقة النظيفة. إن ركود إنتاج الهيدروكربونيات والحاجة المُلحة المتزايدة لمواجهة تغير المناخ يقدمان حوافز إضافية للجزائر لكي تنوع مزيجها الخاص بتوليد الكهرباء. ومن أجل مواجهة هذه التحديات، وضعت الحكومة هدفًا باستخلاص 27% من توليد الكهرباء من مصادر متجددة بحلول 2030 وزيادة قدرة التوليد من المصادر المتجددة إلى 37% بحلول العام نفسه.

ديناميكيات العرض والطلب

يمثل الغاز الطبيعي 96% من قدرة الجزائر المركبة البالغة 21,400 ميجاوات، وتضم الـ4% المتبقية مزيجًا من التكنولوجيات الخاصة بالنفط، والطاقة الشمسية، والطاقة المائية، وطاقة الرياح. مع هذا، تتوقع لجنة ضبط الكهرباء والغاز، الهيئة المنظمة للطاقة في الجزائر، أنه بحلول 2028، سوف يزيد إجمالي الطاقة المركبة بحوالي 45% ليصبح 36 ألف ميجاوات. وبموجب هذه الخطة المقترحة، سوف تنخفض حصة الغاز الطبيعي إلى 84% بينما سترتفع حصة تكنولوجيات الطاقة الشمسية إلى 15% من قدرة التوليد المركبة. وفي حين أنه من غير المرجح أن يلبي أهداف الدولة الخاصة بالطاقة المتجددة، هذا السيناريو سيمثل نقلة مهمة تجاه دمج توليد الطاقة المتجددة في شبكة الطاقة في البلاد.

يساعد النمو السكاني في الجزائر في تحفيز قدرة توليد الكهرباء. ارتفع عدد السكان من 35 مليون في 2009 إلى 43 مليون في 2019، بمعدل زيادة 2% في العام على مدار السنوات العشر الأخيرة. إن الحفاظ على معدل النمو هذا سينتج عنه إجمالي عدد سكان 53 مليون بحلول 2030، وحوالي 65 مليون بحلول 2040.

هذ التطور الديموجرافي يفرض ضغطًا تصاعديًّا على الطلب على الطاقة بشكل عام والطلب على الكهرباء بشكل خاص. من 2015 حتى 2019، ارتفع توليد الكهرباء في الجزائر من 64,663 جيجاوات في الساعة إلى 76,229 جيجاوات في الساعة لتلبية الطلب المرتفع على الكهرباء، وهو ما يساوي متوسط معدل نمو سنوي بأكثر من 5%.

التحول في مجال الطاقة المتجددة

إن أهداف الجزائر في مجال الطاقة المتجددة طموحة مقارنة بإطارها الزمني. في ظل وجود 450 ميجاوات تقريبًا من قدرة الطاقة الشمسية المركبة اليوم، سوف تحتاج الجزائر لاستخدام 5 آلاف ميجاوات إضافية لتلبية هدف قدرة الطاقة الشمسية الموضح في سيناريو الهيئة المنظمة لقدرة التوليد 2028. ومن أجل تلبية الأهداف الرسمية لـ2030، ستكون هناك حاجة لاستخدام 22 ألف ميجاوات من قدرة الطاقة المتجددة.

لقد طورت الجزائر خطة عطاء عكسية للمساعدة في تحفيز الاستثمار في الطاقة المتجددة، حيث تُمنح عقود طويلة الأجل تُعرف باتفاقيات شراء الطاقة إلى الشركات التي تعرض بيع الطاقة بأقل سعر. تخدم سونلغاز، الشركة المملوكة للدولة، كالطرف المقابل لاتفاقيات شراء الطاقة.

حدث أول عطاء عكسي في الجزائر في 2019، لكنه كان غير مُغطى: كانت العروض تُقدم للـ90 ميجاوات فقط، بينما تطلبت عملية العطاء إجمالي 150 ميجاوات. كان هذا النجاح المحدود بسبب حداثة العملية في الجزائر وقواعد العطاء. حدت الفرصة المشاركين في المناقصة على الشركات الجزائرية أو ترتيبات المشاريع المشتركة بحصة إجبارية تبلغ 51% للكيان الجزائري. طُبقت أيضًا شروط المحتوى المحلي حول الألواح الشمسية والمعدات الأخرى، بالرغم من قدرة التصنيع المحدودة نسبيًّا للمعدات المتعلقة بالطاقة الشمسية في ذلك الوقت. تمثل الشروط الأخرى التي تفرض أن يأتي التمويل من مؤسسات جزائرية تحديًا آخر. وفي حين أن عطاء 2019 لم يلبِّ الأهداف المقترحة، إلا أنه كان تدريبًا مفيدًا لكل من الحكومة الجزائرية والمستثمرين، وسوف يؤدي إلى زيادة في قدرة الطاقة الشمسية.

ويوفر مشروع تافوك 1 للطاقة الشمسية بقدرة 4 آلاف ميجاوات الزخم لتلبية هدف الجزائر الخاص بالطاقة المتجددة. من المتوقع إقامة خمسة عطاءات كل واحد بـ800 ميجاوات من أجل المشروع. ونظرًا لحجمه وشروط المحتوى المحلي الجزائري، قد يرفع تافوك 1 قدرة الدولة لتصنيع المكونات الخاصة بالطاقة الشمسية، مثل الألواح، والحاملات، والكابلات، والمعدات الأخرى. ينبغي أن تمهد العطاءات أيضًا الطريق لنقل الدولة تجاه سوق كهرباء أكثر تنافسية، والتي ستسهل رفع كفاءة القطاع وزيادة انتشار الطاقة المتجددة.

من المهم ملاحظة أن شروط المحتوى المحلي والتمويل المحلي، وشراكات المشاريع المشتركة ربما تُسبب ترددًا لدى بعض المستثمرين وقد ترفع أيضًا أسعار الطاقة الناتجة عن المناقصات. غير أن هذه السياسات يمكن أن تشجع نقل المعرفة إلى الاقتصاد المحلي وتحفيز التنمية الاقتصادية. ونظرًا لموقع الجزائر في مفترق الطرق بين أوروبا، ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وأفريقيا جنوب الصحراء، قد تصبح الدولة مركز إمداد تصنيعي لصناعة الطاقة المتجددة؛ حيث تمتلك الجزائر بالفعل ثلاثة مرافق للألواح الشمسية يصل إجمالي قدرتها الإنتاجية للألواح الشمسية في العام إلى 260 ميجاوات (حوالي 40% منها دخل حيز التشغيل في 2020).

الطريق إلى الأمام

تُحقق الجزائر تقدمًا ملحوظًا في تطوير قطاع الطاقة المتجددة، إلا أنه تظل هناك تحديات. إن القضايا المتعلقة بدعم الطاقة، وقواعد عطاءات الطاقة المتجددة، والسلامة المالية والتشغيلية لسونلغاز، تمثل حواجز لبعض المستثمرين. والتهديدات الأمنية، في جنوب البلاد بالتحديد، مصحوبة بالتغييرات السياسية الأخيرة والاحتجاجات، ربما تشكل تحديات حقيقية أيضًا. إلا أن مسار الجزائر الكلي نحو قطاع طاقة أكثر نظافة واستدامة واضحًا. وفي حين أن المسار والجدول الزمني المحددين لتنمية القطاع سوف يتكشفان مع الوقت، هناك زخم واضح من الاقتصاديات التنافسية المتزايدة لتكنولوجيات الطاقة المتجددة، وطلب المستهلكين المتزايد، والحوافز المالية الجزائرية لتنويع قطاع الكهرباء. وبالنسبة إلى المستثمرين أصحاب الرغبة في المخاطرة والدراية والوسائل المالية المناسبين، يمثل قطاع الطاقة النظيفة الجزائري فرصة استثمار مثيرة للاهتمام.

للاطلاع على الموضوع الأصلي اضغط هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى