الترجماتالصفحة الرئيسية

الصحافة الفرنسية|تصاعُد الكراهية ضد مسلمي فرنسا.. وماذا تحمل أجندة الإخوان والسلفيين لأوروبا؟

بعد هجوم كونفلان.. الكراهية ضد المسلمين تطفو على السطح

سلّطت جريدة “لاكروا” الضوء على مايتعرض له مسلمو فرنسا من اعتداءات في سياق الأزمة التي تعيشها باريس في الوقت الراهن في صراعها مع تيارات الإسلام المتشدد. فمنذ اغتيال المعلم الفرنسي صامويل باتي، الذي عرض على طلابه صورًا مسيئة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، تعرضت ثلاثة مساجد لأعمال كراهية، كما تعرضت سيدتان محجبتان لاعتداءات عنيفة بالقرب من برج إيفل، بخلاف أعمال التخريب في مونتيليمار، والرسومات والنوافذ المحطمة في بوردو، والتهديدات بإطلاق النار في بيزييه.

وبعد ساعات قليلة من ذبح المدرس باتي، تعرضت بوابة الدخول الخاصة بمسجد الهداية في مونتيليمار بمدينة بوردو للتخريب، وبعدها تعرضت نوافذ مسجد نور المحمدى للتحطيم أيضًا، وعلى أحد جدران هذا المسجد، جرى رسم صلبان سلتيك ولورين، مع كتابة شعار “تحيا فرنسا” وشتائم للنبي محمد (صلى الله عليه وسلم).

وسرعان ما ندّد وزير الداخلية “جيرالد دارمانين” بأعمال التخريب قائلًا: “طلبت من مديري الإدارات المعنية حماية دور العبادة المستهدفة”، مشيرًا إلى التهديدات التي استهدفت مسجدًا آخر في مدينة هيرولت. لكن أحد مستخدمي موقع فيس بوك كتب عبر حسابه على الموقع: “هل تريدون تخليد ذكرى صامويل باتي؟ احرقوا مسجد بيزيير إذن”.

تصاعد الأعمال المعادية للمسلمين بعد كل هجوم

يقول عبد الله ذكري، رئيس مرصد الإسلامفوبيا بالمجلس الفرنسي للديانة الإسلامية: إننا “نتوقع ارتفاعًا في الأعمال والتهديدات المعادية للمسلمين في الأسابيع المقبلة”. ويذكر أنه في عام 2015، تضاعفت هذه الأعمال ثلاث مرات، حيث جرى تسجيل 429 عملًا وتهديدًا مقابل 133 في عام 2014، مشيرًا إلى أنه بعد كل هجوم، نشهد نفس الوتيرة من تصاعد أعمال الكراهية ضد المسلمين. ويعبر عبد الله زكري، الذي أحصى حتى الآن 67 عملًا وتهديدًا معاديًا للمسلمين منذ يناير 2020، عن مخاوفه قائلًا: “جرى بالفعل طعن امرأتين محجبتين في باريس”، بالقرب من برج إيفل، حيث قام المشتبه بهم بسب الضحيتين ووصفهما بـ “العرب القذرين” وأشاروا إلى حجابهما.

التعبير الجماعي عن الكراهية

ويرى آرييه عليمي، محامي الضحيتين، أن “هذا الهجوم ليس له صلة مباشرة بهجوم كونفلان سانت أونورين”، لكن التعبير الجماعي عن الكراهية الذي يصدر من العديد من القوى السياسية وأعضاء الحكومة يحفّز على الشروع في الأعمال العنصرية ضد المسلمين”. من جانبه، يعتبر عبد الله زكري، موقف العديد من السياسيين “غير مسئول”، قائلًا: “إنهم يجعلون المسلمين يشعرون بالذنب بشكل مستمر”.

ومع ذلك، فإننا نعلم أيضًا أن مكافحة الإسلاموفوبيا شكّلت أرضًا خصبة لهجوم كونفلان وسانت أونورين؛ فوفقًا لمذكرة استخباراتية صدرت قبل الهجوم؛ استغل والد الطالب إبراهيم س، تصرف المعلم الفرنسي للتنديد بمناخ كراهية الإسلام، وذهب إلى الكلية التي شهدت الحادث فيما بعد برفقة عبد الحكيم الصفريوي، المصنف من الدرجة “إس” (أي إسلاموي متطرف) والمتورط بدرجة كبيرة في هذا الهجوم، ووجهت السلطات إليهما لائحة اتهام بتهمة “التواطؤ في اغتيال إرهابي”.

استغلال الشعور بالإذلال

وبالرغم من أن وزير الداخلية جيرالد دارمانين قال إنه يريد “استهداف الحركة الإسلاموية”، غير أن العديد من مسئولي الجمعيات الإسلامية الذين اتصلت بهم جريدة لا كروا تحدثوا عن “كراهية الدولة للإسلام”، ونصوا على ذلك صراحة على موقع إسلام إيه إنفو، وكتبوا قائلين: “إنهم يسحقوننا بسبب إيماننا، نحن أمام حالة اضطهاد لأقلية …”.

وخلال مؤتمر عُقد مؤخرًا في الحرم البروتستانتي، ناقش الفيلسوف أوليفييه أبيل، أستاذ الفلسفة بالكلية اللاهوتية البروتستانية هذا الموضوع مع أستاذ العلوم الإسلامية رشيد بنزين، وقال أبيل: “أشعر أنّ هناك استغلالًا مكيافيليًّا للعواطف بعد الهجوم، كما أشعر أيضًا أن هناك تلاعبًا بشعور الإذلال. إن هذا الشعور الذي يشعر به كثير من المسلمين أمر حقيقي، ولا يجب أن نتخطاه؛ فالمشكلة تكمن في التعامل مع هذا الشعور المذل”.

في محاربته لتيارات الإسلام المتشدد.. ماكرون يعتمد استراتيجية الضغط الدائم

كما ألقت جريدة “لوباريزيان” الضوء على توجيهات الرئيس ماكرون لإدارة الأزمة مع الإسلاموية؛ حيث حث الرئيس وزراءه على إغراق الجمهور بالإعلانات والإجراءات اليومية الرامية لإرهاب تيار الإسلاموية، قائلًا إن المعركة التي نخوضها أمنية وتعليمية وثقافية، وستكون طويلة الأمد؛ فنحن لم ننته بعد من إرهاب الإسلامويين، وأضاف أنه “على كل عضو في الحكومة أن يكون نشطًا للغاية في مجاله”. ومن الواضح أن الرئيس يريد إغراق الرأي العام بالإعلانات الملموسة؛ فلا مجال للهذيان، ويجب إنجاز الأمر ونشره قبل كل شيء.

ففي مجال الإعلام، يسمى هذا الأمر بتأثير القصف الكاسح؛ حيث يهدف إلى نشر الرسائل على نطاق واسع لإشباع الفضاء. والاستراتيجية التي اتبعتها الإليزيه بشكل مثالي ستكثف إجراءات محاربة الإسلام السياسي في جميع المجالات، وتتمثل الفكرة في مواصلة الإعلانات يومًا بعد يوم، وساعة بعد ساعة. والرسالة التي يجب على الفرنسيين إدراكها هي أننا مهتمون بالقضية وأننا نقوم بالعمل، لكن حاشية القصر الرئاسي الفرنسي، ترى أن الأمر يتجاوز الإعلام ويمتد إلى تحقيق النتائج. ولتحقيق ذلك، يجب أن تُنشط جميع الجهات الفاعلة المعنية بشكل دائم.

العاطفة ورد الفعل

ونتيجة لذلك، تلاحقت الأعمال منذ وفاة المعلم صموئيل باتي بوتيرة مذهلة، ونفذت قوات الشرطة في اليوم الأول 34 عملية تستهدف الحركة الإسلاموية، و37 عملية أخرى في اليوم التالي، بالإضافة إلى عشرات الاعتقالات، وإغلاق مسجد بانتين، ومن المنتظر حل الجمعيات المرتبطة بالإسلام السياسي.

ولم ينته الأمر عند هذا الحد؛ بل جرى حل مؤسسة مدينة البركة، ومن المنتظر الإعلان عن حل جمعية مناهضة الإسلامفوبيا في فرنسا. وبالمثل، سيُكشف النقاب عن إجراءات جديدة، يجري دمجها فيما بعد في مشروع القانون المستقبلي بشأن الانفصالية. وكان ماكرون قد صرح قائلًا: “نحن في حالة حرب ضد أعداء الجمهورية”، لكن كل هذه الإجراءات يتوقعها المواطنون، وستتكثف خلال الأيام القادمة بشكل كبير.

مطاردة الساحرات

كما أثيرت حالة من الجدل في مرصد العلمانية بعد شائعات عن الإطاحة بمقرره العام نيكولا كاديين، والتعجيل بانهاء ولاية رئيسه جان لويس بيانكو، والتي من المفترض أن تنتهي في أبريل المقبل. لكن إيمانويل ماكرون لا ينوي توليد الشعور بأن السلطات ستنخرط في ملاحقات انتقامية أو “مطاردة الساحرات”.

وحول تعليقات جيرالد دارمانين حول الأرفف الطائفية بمحلات السوبر ماركت، يقول أحد المؤيدين لرئيس الدولة “إنه لا يشعر بالراحة على الإطلاق لهذا التصريح؛ لأن هذه ليست القضية المللحة في اللحظة الحالية على الإطلاق. والناس لا ينتظروننا على الأرفف طائفية؛ بل إن هذا التصريح لا يتماشى أيضًا مع ما طلبه الرئيس من أفعال”.

وداخل اللجان الصغيرة، يحذر مؤيديو ماكرون التاريخيون من صياغة أي عمل تحت تأثير العاطفة، وعلى الجميع أن يأخذ في الاعتبار هجمات نوفمبر 2015، عندما دفعت فرانسوا هولاند لاقتراحه المثير بإسقاط الجنسية، هذا الإجراء الذي احتج عليه إيمانويل ماكرون (وزير الاقتصاد آنذاك) والذي انقلب على الرئيس بعدها؛ لأن هذه الاستراتيجية الشاملة تنطوي على مخاطرة كبيرة بالتعثر. يقول أحد الوزراء: “الحقيقة هي أننا انتظرنا لسنوات طويلة. نعم، هناك خطر، ولكن في الاختيار بين الحرب والتخلي، إذا اخترنا التخلي، فستظل الحرب”.

الإسلاموية.. تَحَلُّل لهوية الإسلام

من جانبها، انتقدت جريدة “لاكروا” الانحراف الإسلاموي وابتعاده عن الدين الإسلامي. فخارج الدوائر التي جرى التعرف عليها، تنتشر الإسلاموية بصورة أقل علانية، لا سيما عبر خطاب يضع المسلمين في مواجهة باقي السكان. وبعد اغتيال المعلم صموئيل باتي في كونفلانز، يبحث المحققون عن نشطاء إسلامويين مقربين من والد الطالب الذي استهدف المعلم على وسائل التواصل الاجتماعي.

وفعليًّا، لم يتم حتى الآن إثبات أي صلة مباشرة بين المعتدي والأشخاص الذين يقفون وراء المجموعة التي انطلقت على الشبكات الاجتماعية ضد المعلم الفرنسي الذي كان قد عرض صورة كاريكاتورية مسيئة للنبي محمد خلال محاضرة حول حرية الصحافة. لكن هذه المجموعة هي ما يقلق اليوم الوزارة والأجهزة المعنية التي تستهدف بشكل خاص رجلين من بين المحتجزين، قاما بتسجيل مقاطع فيديو جرى بثها على نطاق واسع على الإنترنت، لاستهداف المعلم.

وبحسب وزير الداخلية، فإن عمليات الشرطة التي تُنفّذ منذ يوم 19 أكتوبر الجاري، وتستمر طوال هذا الأسبوع، تستهدف عشرات الأفراد من الحركة الإسلاموية، دون أن يكون لهم بالضرورة علاقة بمسار التحقيقات.

السلفيون والإخوان المسلمون

ماذا نقصد بهذا الباب من الإسلامويين؟ التيارات الإسلاموية مثل السلفيين أو الإخوان المسلمين يقومون بنقل الإسلام السياسي، كما فعل عبد الحكيم الصفريوي، أحد المحرضين على اغتيال صموئيل باتي، على سبيل المثال، عندما كان يدير مكتبة الرسالة الإسلامية في نهاية التسعينيات في شارع جان بيير تمباود في الدائرة الحادية عشرة في باريس، ثم شرع في ترجمة كتابات يوسف القرضاوي، المنظر البارز لجماعة الإخوان المسلمين، والذي دعا إلى مظاهرات ضد الدنمارك بعد نشر رسم كاريكاتوري مسيء للنبي محمد عام 2008.

لكن الإسلاموية التي كان يؤمن بها الصفريوي تجلت في بعض الأعمال الأخرى، التي يشبه بعضها تلك التي نفذت ضد معلم إيفلين، على سبيل المثال، عندما حاول تعكير صفو عشاء في أحد المساجد التي دُعي إليها مانويل فالس (رئيس الوزراء آنذاك). وفي عام 2014، تمكّن الصفريوي من جمع حوالي مائة شخص، ما اضطر قوات حفظ الأمن إلى تطويق المسجد. ووفقًا لتقرير لمصدر داخل الاستخبارات الإقليمية لإيفلين “كان عبدالحكيم مؤثرًا جدًّا في طريقة عمله، واستطاع الاستفادة من غياب رجال الدين المنظمين في الإسلام وضعف ممثلي المسلمين”.

كما تشير الإسلاموية أيضًا إلى مجموعة من الأفكار التي نُشرت بما يتجاوز تيار بعينه. يقول هشام عبد الجواد، طالب دكتوراه في الدراسات الدينية بجامعة لوفان لا نوف الكاثوليكية ببلجيكا: “الإسلاموية بالنسبة لي هو تحلل في هوية الإسلام، وتنشأ عندما يميز المسلم نفسه عن غير المسلم، وعندما يدير علاقاته مع المسلمين انطلاقًا من الإسلام”. لذلك فإن الإسلاموية تتميز بإنتاج خطاب تقسيمي، ينطلق من التمييز بين طائفتين : “هم” و “نحن”.

ويمكن التعرف على هذا النوع من الخطاب في مقاطع الفيديو الخاصة بوالد الطالب إبراهيم سي. يقول فريد عبد الكريم، مؤلف كتاب (لماذا لم أعد إسلامويًّا؟): “هذا الأب في هذا الفيديو، يقول “نحن”، ويقترح إجراءات جماعية ضد المعلم، وكأن المسلمين بالنسبة لهذا الشيخ، العضو في جماعة الإخوان المسلمين، مجتمع واحد، يجب أن يدافع عن مصالحه”، لذا تتمثل إحدى سمات الإسلاموية الحالية في هذا الموقف الدفاعي المتمثل في محاربة الإسلاموفوبيا، لا سيما على شبكة الإنترنت.

ويضيف فريد عبد الكريم أن: “هذه هي الأصوات التي تقول للمسلمين: أنتم لستم رجالًا إذا لم تتحركوا ضد الإسلاموفوبيا”. وهذا ما يفعله موقع Lesmusulmans.fr بشكل دائم؛ حيث تشجب هذه المنصة التعاونية التي أُطلقت في أكتوبر 2019 إيمانويل ماكرون بعد خطابه في مورو حول الانفصالية وتتهمه بالخلط.

لكن مروان محمد، المدير السابق لتجمع مناهضة الإسلاموفوبيا في فرنسا، صاحب الفكرة في إنشاء هذه المنصة، يدافع عنها قائلًا: “الرسالة تتمثل فقط في القول بأننا جزء من هذا البلد. فبنفس الطريقة التي نكافح بها ضد التحيز الجنسي أو التمييز ضد المثليين، يجب أن نتحرك أيضًا ضد الإسلاموفوبيا”.

وعبر موقع أوروبا 1، أعلن وزير الداخلية السيد جيرالد دارمانين أنه سيقترح بشكل استثنائي حل رابطة مناهضة الإسلاموفوبيا في فرنسا التي توصف بأنها جمعية “معادية للجمهورية”. لكن مروان محمد، الذي ذكر أن الرابطة كانت قد أوصت إبراهيم سي بحذف الفيديوهات المطالبة بالقصاص من المعلم، قال: إنني “أنتظر لأرى إلى أي أساس قانوني سيستند الوزير”. ومع ذلك، فقد ساهمت مؤسسات أخرى في نشر الفيديو، مثل مسجد بانتين بمنطقة سين سان دينيس، الذي نشر إحداها على صفحته على فيسبوك. لكن محمد حنيش، إمام المسجد والأمين العام لاتحاد مسلمي سين سان دوني، صرح بأنه لم ينشر سوى مقطع الفيديو الذي يظهر فيه والد الأسرة إبراهيم سي، وقال: في هذا الفيديو، يقول الأب إن المعلم طلب من الطلاب المسلمين تعريف أنفسهم وترك الفصل، وهذا ما أزعجنا. لكننا لم نشارك الفيديو الذي أذاعه عبد الحكيم الصفريوي لأننا نعرف هذا الرجل وأفعاله السيئة”.

ماكرون مضطر للتعجيل في مواجهة الإسلاموية المتشددة

من جانبها، حلّلت جريدة “لوفيجارو” الموقف الحالي للرئيس ماكرون واعتبرت أنه بدأ يرفع نبرة صوته بعد أن علم أنه مطالب بأفعال لا أقوال، وأنه لم يعد أمامه خيار آخر؛ ففي مواجهة موجة الغضب والاشمئزاز إثر حادث قطع رأس معلم على يد إرهابي إسلاموي، لم يعد بإمكان الرئيس الاعتماد على الكلمات، خاصة تلك التي تحدث بها قبل أكثر من أسبوعين في مدينة مورو في خطابه عن الانفصالية. وبعد حالة الرعب التي تسبب بها مقتل المعلم باتي، يبدو أن كلمات الرئيس الفرنسي لم تعد كافية، حيث كشفت الجريمة في غضون ثلاثة أيام فقط، قبضة الإسلام المتشدد على المجتمع، وفضحت الخطابات النسبية التي تحاول التقليل من الخطر.

وقال الإليزيه إن اختيار ساحة جامعة السوربون لإقامة حفل التكريم الوطني جرى بالاتفاق مع عائلة الفقيد؛ حيث تؤكد الرئاسة الفرنسية أن السوربون هي “النصب الرمزي لروح التنوير والتأثير الثقافي والأدبي والتعليمي بفرنسا”.  وخلال اجتماع مجلس الدفاع؛ بدأ ماكرون يرفع نبرة صوته، وقال: “الخوف سينتقل من معسكره. ويجب ألا ينام الإسلاميون بسلام في بلدنا”. ووفاءً بالتعهدات، انطلقت عمليات الشرطة ضد عشرات الأفراد الفاعلين داخل الحركة الإسلاموية. وبحسب وزارة الداخلية، ستستمر العمليات في الأيام المقبلة.

لا مزيد من أنصاف الحلول

وأكد وزير الداخلية أن هذه العملية تهدف إلى فرض سيطرة الدولة على 51 جمعية وأن حل “العديد منها” سيُعلن في مجلس الوزراء. ومن المتوقع أن تنمو هذه القائمة من الآن وحتى يوم الأربعاء المقبل. وفي وزارة الداخلية جرى تحديد كل الجمعيات التي أصدرت عبارات معادية للجمهورية، كرابطة مناهضة الإسلاموفوبيا في فرنسا ومؤسسة مدينة البركة. وخلف الكواليس، تتصاعد الأصوات ضد اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا (UOIF)؛ حيث يشير أحد أعضاء الأغلبية في البرلمان إلى أنه : “يجب ألا ننسى أن هذا الاتحاد هو الجناح العسكري للإخوان المسلمين في فرنسا”.

ومؤخرًا، أعلن جيرالد دارمانين عن إغلاق مسجد بانتين، بعد أن أعلن إمامه عن سعادته بالهجوم، وأوضح الوزير الفرنسي أن الهدف من هذه العمليات “جعل حالة الذهول تغير معسكرها وترهيب من يحاول ترهيبنا”.

بعد الشموع واللافتات.. الفرنسيون ينتظرون ردًّا حازمًا

الوقت الآن لم يعد مناسب لأنصاف الحلول، وتقول مصادر داخل السلطة التنفيذية: “يجب أن نُظهر قوة الجمهورية؛ لذا نقوم بالمداهمة والطرد. فبعد الشموع واللافتات، ينتظر الفرنسيون رد فعل حازمًا وقويًّا، وإلى جانب إجراءات الطوارئ، يريد رئيس الدولة تقوية مشروع القانون ضد الانفصالية الإسلاموية. ولا يزال من المقرر مراجعة النص في 9 ديسمبر المقبل، حيث قال الإليزيه: “تجري دراسة إجراءات التنقيح والزيادة إذا لزم الأمر”. ونفكر في الشبكات الاجتماعية حيث قالت وزارة الداخلية: “التطرف على الإنترنت يشكل الغرفة الخلفية للإرهاب”.

ويوم الاثنين، ترأست مارلين شيابا، وزيرة الدولة المفوضة لشئون المواطنة، اجتماعًا مع الشرطة لتعزيز مكافحة “الإسلام السيبراني”، واستدعت الوزيرة الممثلين الفرنسيين لشبكات التواصل الاجتماعي الرئيسية للتشاور معهم.

نظرة عن قرب على خطاب السلفيين والإخوان المسلمين

واعتبر موقع “إل سي إي” التيار السلفي وجماعة الإخوان المسلمين جزءًا من الحركة الإسلاموية في فرنسا؛ حيث يمثّل السلفيون جماعة منفصلة عن العالم المعاصر، وبالأحرى العالم الغربي، وتشير كلمة السلفية في أصلها إلى “الأجداد”، والفكرة تتمثل في العودة إلى الدين الإسلامي كما مارسه الرسول وصحابته، وقراءة القرآن حرفيًّا، بهدف استنساخ ممارسة الإسلام كما كان في الماضي، حتى لو كان ذلك يعني الوقوع في مفارقات تاريخية.

هذه الرغبة في “التمسك بالنص” دفعت السلفيين، إلى تقليد أسلوب الحياة في المدينة المنورة عام 630، من عدم قص لحاهم، وارتداء ملابس طويلة، وإعادة إنتاج الأنماط الأسرية التي كانت سائدة في ذلك العصر، واعتبار المرأة عنصرًا نجسًا يجب السيطرة عليه وإبعاده. ويعيش الكثيرون هذا النهج الذي عفا عليه الزمن للدين بطريقة شبه سلبية، وينقلبون على أنفسهم لحماية أنفسهم من العالم من حولهم، مطالبين باحترام محظوراتهم بشكل جذري. ولكن هذه الكراهية للعالم الحديث والغرب أيضًا هي التي يمكن أن تدفع البعض منهم إلى التحرك والانضمام إلى الحركات الإرهابية، أو استثمار أنفسهم في مهمة إرهابية على النموذج الذي قدمته داعش.

الإخوان المسلمون على الساحة السياسية

أما التيار الثاني، وهو جماعة الإخوان المسلمين، فيتخذ منحىً سياسيًّا؛ حيث وُلِدَت الحركة في مصر في عشرينيات القرن الماضي على يد حسن البنا، وكانت تهدف (آنذاك) إلى محاربة الاستعمار البريطاني ونموذجه الثقافي الغربي، بالاعتماد على قيم الإسلام والثقافة العربية. ومنذ البداية، كانت الحركة تعيش في عصرها، ولا ترفض الحداثة؛ بل ترفض النموذج الثقافي الذي أتت به أوروبا. لقد كانت الجماعة جزءًا من الحركات المناهضة للاستعمار. ولتحقيق ذلك، فإن الإخوان المسلمين مقتنعون بضرورة إيقاظ الوعي العربي والإسلامي، وأن يفخر الناس بهويتهم العربية والإسلامية، وأن يطالبوا بها من خلال معارضة نمط الحياة الأوروبي الذي يعدّ امتدادًا للاستعمار.

وفي هذه العملية السياسية، كان للجمعيات دور أساسي بشكل دائم مع الشباب، والأسر التي تعاني المحنة، والأنشطة التعليمية والخيرية، والرياضية الثقافية، بهدف نشر التثقيف بطريقة جديدة للعيش؛ فالحداثة ليست مشكلة، وأحد أعظم الشخصيات التونسية لهذا التيار، راشد الغنوشي، أوضح ذات يوم أنه لم يكن بحاجة إلى مئذنة للدعوة للصلاة، وأن تنبيهًا على الهاتف الذكي يفي بالغرض!

لذلك، يهدف الإخوان المسلمون إلى الوصول إلى السلطة لتغيير المجتمع، وقد انتشر هذا التيار في الدول العربية كحزب النهضة في تونس، وحزب العدالة والتنمية الذي يدير الحكومة في المغرب، وفي مصر بالطبع، وفي قطاع غزة مع حماس، ويعمل الإخوان المسلمون في “العالم السني” مع المعارضة أحيانًا، ولكن أيضًا بتمويل كبير من “الإخوة الكبار” من دولة خليجية.

ومع ما يقرب من 6 ملايين شخص من الثقافة الإسلامية يعيشون على أرضها، تحتضن فرنسا حصة من هذه الحركة، وغالبًا ما يكون أتباعها هم الذين يطالبون ويضغطون على القادة السياسيين لدمج قيمهم الدينية والثقافية في قواعد المجتمعات باسم التعددية، وفي نهج أنجلو سكسوني من المجتمع تحت شعار “عش ودع غيرك يعيش”، حيث يتمتع كل منهم باختلافاته مقارنةً بالنموذج الجمهوري الذي يدافع عن قاعدة مشتركة في العلمانية.

هذا النهج الذي لخصه راشد الغنوشي عندما سُئل عن ارتداء الحجاب في مقابلة قائلًا: “على المسلم في فرنسا اتباع القانون واحترامه، لكن من واجبه كمواطن مسلم أن يغير هذا القانون”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى