الترجمات

أوراسيا ريفيو | لعبة القوى العظمى الجديدة في جنوب شرق آسيا

ترجمة – آية سيد

لقد شهدت منطقة جنوب شرق آسيا هذا الفيلم من قبل ولم ينته نهاية جيدة بالنسبة لها. خلال الحقبة الاستعمارية، تنافست القوى العظمى مثل بريطانيا وفرنسا وهولندا للهيمنة على هذه المنطقة. تغير الزمان، لكن بالنسبة إلى جنوب شرق آسيا الصراع على الهيمنة الإقليمية بين الصين والولايات المتحدة يبدو مألوفًا. وفي كلتا الحقبتين، يُنظر لدول المنطقة كبيادق في منافسة قوى عظمى – في الحقبة الاستعمارية بسبب مواردها بشكل رئيسي، والآن في العصر الحديث بسبب مواقعها الاستراتيجية ودعمها الأيدويولوجي.

تحذر هولندا، إحدى القوى الاستعمارية السابقة في المنطقة، من أن المنطقة ربما تصبح “لعبة بين القوى العظمى”. وفي الحقيقة، من المرجح أن صراع القوى العظمى الحديث هذا، مثل ذلك الذي حدث في الحقبة الاستعمارية، سوف يتجاهل مصالحها وسيكون مؤلمًا على هذه الدول وشعوبها.

تبدأ هذه اللعبة الجديدة في التبلور من ضباب الجيوسياسة، ويقودها صدام للحضارات والأيديولوجيات. تعتقد الولايات المتحدة، التي تواجه القدرات العسكرية المتنامية والطموحات المرتفعة للصين، تعتقد أنها والصين منخرطتان في “منافسة جيوسياسية بين الرؤيتين الحرة والقمعية للنظام العالمي” في منطقة المحيط الهندي – الهادئ.   

لقد وضعت صراعهما في إطار منظور وجودي بقولها “العالم لن يصبح آمنًا حتى تتغير الصين”.

لقد أطلقت الولايات المتحدة حملة حكومية شاملة على الصين والتي تضمنت حملة إعلامية فعالة لشيطنتها. إنها تحاول أيضًا جمع حلفائها وشركائها في “ائتلاف للراغبين” مناهض للصين، والكثير من دول جنوب شرق آسيا “داخل اللعبة”.

وبصورة مفهومة، تعتقد الصين أن الولايات المتحدة تريد احتواء وتقييد صعودها الشرعي بحيث تتمكن من مواصلة هيمنتها في المنطقة. ولتعزيز قوتها ونفوذها، اقترحت وتنفذ رؤية كبرى لشبكتها الاقتصادية – مبادرة الحزام والطريق حيث تكون الصين مصدر ووجهة السلع الاقتصادية.

تمتلك الصين مبادرة الحزام والطريق ذات التوجه الاقتصادي، وفي ظل انسحاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الشراكة العبارة للأطلسي، وتكوين الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة بقيادة الصين، تتراجع الولايات المتحدة أكثر في النفوذ الاقتصادي في المنطقة، وسيكون من غير المفاجئ أن ترى الولايات المتحدة مبادرة الحزام والطريق الصينية جزءًا من خطة شيطانية للهيمنة الإقليمية؛ إن لم تكن العالمية. ووفقًا لوزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، فإن المبادرة محاولة لخلق “دول تابعة ونظام استبدادي حول العالم من أجل الهيمنة العالمية”.

واجهت الولايات المتحدة برؤيتها لمنطقة المحيط الهندي – الهادئ الحرة والمفتوحة ذات التوجه الأمني، وهي رؤية لنظام دولي للمنطقة تقوده دول ديمقراطية تلتزم بالنظام الحالي الذي ساعدت في بنائه، وتقوده الآن وتستفيد منه على نحو غير متماثل.

إن استراتيجيتها هي تضييق الخناق الجيواستراتيجي على الصين. وهي تملك بالفعل شبكة من الحلفاء (اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان والفلبين وتايلاند) وآخرين مثل ماليزيا وسنغافورة الذين يسهلون استراتيجيتها العسكرية. إنها تتجه الآن إلى الهيمنة عسكريًا على المحيط الهندي – بتعاون من الهند وأستراليا – قبل أن تفعل الصين ذلك. هذا سوف يُمكّن الولايات المتحدة من السيطرة على الممرات البحرية الحيوية للصين، مثل مضيق ملقا وبالتالي نفطها وشريان حياتها الاقتصادية.

ووفقًا لديريك جروسمان من مؤسسة راند: “تسعى الولايات المتحدة على الأرجح إلى استغلال منطقة المحيط الهندي كجزء من استراتيجية للتنافس مع الصين والتصدي لها، والأكثر أهمية هو أن الهند مؤيدة لهذا النهج بصورة متزايدة”.

ومن أجل تعزيز قدرة الولايات المتحدة على فعل ذلك، اقترح قائد سلاح البحرية الأمريكية كينيث بريثويت إنشاء “أسطول أول” ربما في سنغافورة. وقال: “الدول حول المحيط الهادئ … يجب أن تساعد في صد الصين عسكريًّا واقتصاديًّا لكي ينجح الردع”.

هذا الاقتراح الأحادي هو مثال على كيف تصبح دول جنوب شرق آسيا محاصرة في هذه المنافسة. لقد وافقت سنغافورة بالفعل على استضافة ما يصل إلى أربع سفن قتالية ساحلية أمريكية، وتُسهّل عمل طائرات جمع المعلومات الاستخباراتية الأمريكية التي تستهدف الصين، لكنها نفت سريعًا وجود أي مباحثات حول “نشر قوات إضافية”. وليس من المرجح أن تقبل سنغافورة تمركز أسطول كامل – أو أي من أعضاء مجموعة آسيان – خشية إثارة غضب الصين. لكن المقترح يوضح التفكير الجيواستراتيجي للمستويات العليا من الجيش الأمريكي وتجاهلهم لحساسية موقف الدول المحاصرة في المنافسة الأمريكية – الصينية.

وكجزء من هذا التطويق الاستراتيجي، يشكل أعضاء ما يُسمى بالرباعي – الولايات المتحدة واليابان وأستراليا والهند – تحالفًا أوليًّا مناهضًا للصين. لقد أكملوا للتو أول تدريبات بحرية مشتركة في المحيط الهندي، فيما تُخطّط الولايات المتحدة أيضًا لمساعدة حلفائها وشركائها لكي يبنوا قدرات الدفاع البحرية. وبصورة ثنائية، توطد الولايات المتحدة والهند والولايات المتحدة وتايوان علاقاتهم الدفاعية. اتفقت أستراليا واليابان على السماح بالعمليات العسكرية على أراضي أحدهما الآخر. في الوقت الحالي سيكون هذا مقتصرًا على التدريب والعمليات المشتركة، لكن من يدري ماذا يحدث غدًا. وفي حين أن هذا ربما يبدو تافهًا، لكن نظرًا لتجربة أستراليا المريرة أثناء الحرب العالمية الثانية للهجمات اليابانية على أراضيها والمعاملة البشعة لسجناء الحرب، فإنها خطوة استثنائية باتجاه مسمار آخر في السياج العسكري الذي يُبنى حول محيط الصين.  

وكجزء من هذه الجيواستراتيجية، كانت كل من الولايات المتحدة واليابان تتوددان إلى دول جنوب شرق آسيوية مثل فيتنام للمساعدة في شبكتهم المناهضة للصين. اختار رئيس الوزراء الياباني الجديد يوشيهيدى سوجا فيتنام كأول وجهة خارجية رسمية له، وقال إن فيتنام “ضرورية لتحقيق رؤية [اليابان] لمنطقة المحيط الهادئ الحرة والمفتوحة”.

من الواضح أن هذه المنافسة الاستراتيجية على آسيا تضغط على دول جنوب شرق آسيا لكي تنحاز لأحد الجانبين. وإمكانية أن يُجبرهم صدام حركي على الاختيار تزداد. وقد حذّر هنري كيسنجر مؤخرًا من أن “أمريكا والصين تنجرفان الآن بصورة متزايدة نحو المواجهة، وينفذان دبلوماسيتهما بطريقة صدامية … والخطر هو أنه قد تحدث أزمة ما وتتجاوز الخطاب إلى صراع عسكري فعلي”.

إن منافسة القوى العظمى هذه قد تتحول إلى كارثة على جنوب شرق آسيا؛ فهي تصارع من أجل الحفاظ على استقلالها الاستراتيجي وسترغب في اتباع رغبات القوى العظمى فقط عندما تتماشى مصالحهم. لكنها لا تستطيع مقاومة هذه الضغوط وحدها. إنها تحتاج لفعل هذا بصورة تضافرية، لكن ترابط دول آسيان في خطر، ومثلما يحذر الرئيس الفلبيني الصريح رودريجو دوتيرتي “تمثّل قضية بحر الصين الجنوبي تحديًا استراتيجيًّا لدول آسيان، كما أن كيفية تعاملنا مع هذه المسألة تكشف نقاط قوتنا ونقاط ضعفنا كمجتمع”، ولسوء حظ دول جنوب شرق آسيا، منافسة بحر الصين الجنوبي هي مجرد غيض من فيض للعبة القوى العظمى الجديدة. وفي حين أن الأسلوب الأمريكي ربما يتحسن تحت حكم إدارة الرئيس جو بايدن، غير أن اللعبة الكبرى لا شك أنها سوف تستمر.

لمشاهدة الموضوع الأصلي اضغط هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى